فمن أقوال المؤرخين هذه يتضح ان مؤلف اخبار مكة هو ابو الوليد محمد بن عبد الله بن احمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الازرق الغساني يمت بنسبه الى اسرة ابي شمر الغساني.
وقد اتفق في ذلك الازرقي نفسه (^٢) والفاسي (^٣)، وابن النديم (^٤)
_________________
(١) من مخطوطات مكتبة الحرم المكي (قسم التاريخ رقم ٢٢٥/ ٤٦).
(٢) انظر ص ١ (طبعة جديدة) وص ٣، ٤٥٨ (طبعة أوربا).
(٣) العقد الثمين ج ٢.
(٤) الفهرست.
[ ١ / ١٢ ]
معا ولكن صاحب الفهرست يختلف واياهما في نسبه الاعلى. على ان الذي لا شك فيه ان ابا الوليد هو من اسرة عثمان بن عمرو الغساني الملقب بالازرق الذي عاصر صاحب الرسالة ﷺ وقد جاء هذا من سورية الى مكة وصار حليفا للمغيرة بن ابي العاص بن امية (^١) ويقول ناشر الطبعة الاوربية في مقدمته: «ولكن اذا كان ابو شمر المذكور هو نفس ابو شمر الذي ذكره ابن دريد فان اسرة الازرقي تمت بقرابه الى آل جفنة» ودخل النبي ﷺ على الازرق بن عمرو عام الفتح وجاءه في حاجة فقضاها له وكتب له كتابا ان يتزوج الازرق في أي قبائل قريش شاء وولده.
وذلك الكتاب مكتوب في اديم أحمر فلم يزل ذلك الكتاب عندهم حتى دخل عليهم السيل في دارهم في سنة ٨٠ فذهب بمتاعهم وذهب ذلك الكتاب في السيل وقد كان للازرق ثلاثة اولاد وهم: عمرو، ونافع مؤسس فرق الازارقة، وعقبة. وعقبة هذا هو أول من استصبح لاهل الطواف في المسجد الحرام وكانت داره لاصقة بالمسجد الحرام (^٢).
وقد ولد المؤلف في مكة المكرمة في القرن الثاني للهجرة ولم يعرف بالضبط تاريخ ولادته، ولا اشار اليه أحد من المؤرخين، لان الاقدمين اهملوا ذكره بتاتا. وترجمته التي وصلت الينا هي من رواية المتأخرين.
اما وفاته، فهي غير مضبوطة على التحقيق ايضا، فقد ذكر الحاج خليفة صاحب كشف الظنون انها عام ٢٢٣، وقال ابن عزم التونسي:
انها عام ٢١٢ (^٣) والحقيقة ان كلاهما اخطأ السبيل. فان الازرقي توفي بعد هذا التاريخ بعشرات السنين. فقد ذكر الفاسي في كتابه العقد الثمين ان الازرقي كان في عهد المنتصر على قيد الحياة.
_________________
(١) ذكر ابن سعد رواية بأن الازرق جد المؤلف كان روميا وأن ولده سلمة ادعى فيما بعد أنهم من غسان الى آخر ما ذكر فمن اراد الايضاح فليراجع الطبقات الكبير (ج ٣ ص ١٧٦).
(٢) ص ٢٠٠ طج.
(٣) نرجح أن هذا تاريخ وفاة جده.
[ ١ / ١٣ ]
اما ناشر الكتاب وستنفيلد الالماني فهو يقول في مقدمته: «بينما نرى أخبارا نقلها عن جده تقع في عام ٢١٩ (انظر ص ٢٠١) (^١) نرى للمؤلف نفسه مذكرات تعود الى تاريخ سنة ١٢٦ (انظر ص ١٦٢) (^٢) وكذلك يخبرنا في صفحة ٣٣٣ عن أشياء شاهدها ورآها بعينه عام ٢١٩، وعن حوادث ٢٢٠ - ٢٢٥ (انظر ص ٣٠٠). واما كلامه عن صالح ابن العباس الذي ولي مكة للمرة الثانية على عهد المعتصم من سنة (٢١٩ - ٢٣٢) وقوله عنه انه يملك اليوم قصر سقر (انظر ص ٤٩٢) فالمفهوم من سياق كلامه أنه يروي ذلك بعد عزله، اذ هو يحدث عن سنة ٢٢٧ (انظر ص ٤٥٣) وعن سنة ٢٢٩ (ص ٣٢٩) فيما يتعلق بالمباني الحديثة ونقشها بمكة لا سيما في عهد الخليفة المتوكل من سنة ٢٣٦ حتى سنة ٢٤٣.
وفي صفحات (٢٠٦) (^٣) - ٢٧٨، ٣٩٨، ٢٠٩ (^٤)، ٢١١ (^٥)، ٣٣٢، ١٧٩ (^٦) يروي إخبارا يرجع تاريخها الى سنة ٢٣٩، ثم يحدثنا في (صفحة ١٨٣) (^٧) ان كسوة الكعبة من سنة ٢٠٠ - ٢٤٤ بلغت ١٧٠ ثوبا ويقول أنه ختم اخباره في سنة ٢٤٤».
«وأما اشارة الفاسي في مذكرته (ص ٤٩٢) الى أنه كان على قيد الحياة في عهد الخليفة المنتصر فاني لا اشاطره الرأي في ذلك فان المنتصر حكم الثلاثة الاشهر الأخيرة من سنة ٢٤٧. والثلاثة الأشهر الاولى من سنة ٣٤٨ وإني اعد هذه الفقرة من الزيادات التي وضعها الراوية لما ورد
_________________
(١) ص ١٩٣ طج.
(٢) ص ١٤٧ طج.
(٣) ص ١٩٨ طج.
(٤) ص ٢٠١ طج.
(٥) ص ٢٠٣ طج.
(٦) ص ١٧١ طج.
(٧) ص ١٧٧ طج.
[ ١ / ١٤ ]
فيها من كلمة (اليوم) ومما يؤيد ذلك في (صفحة ٢٢٦) (^١) ورود ذكر.
لوقوع تغيير في عهد المتوكل أي قبل سنة ٢٤٧ او فيها مما لم يمكن الازرقي نفسه يهمل الاشارة اليها لو كان قد شهدها. ومن هذا استنتج انه ختم كتابه في عام ٢٤٤ ثم مات عقيب ذلك» (^٢) اما نحن فاننا نوافق الفاسي في روايته ونخالف وستنفيلد في استنتاجاته لانه اذا كان الأزرقي اهمل ذكر حوادث وقعت في سنة ٢٤٧، فليس هذا بينة على موته، واذا نحن اجلنا النظر في كتابه وجدنا ان الخزاعي يروي حوادث عن سنة ٢٣٠ ونيف (انظر ص ٢٠٢) (^٣) وكذلك أخبارا عن عام ٢٤١ (انظر ص ٢٢١) (^٤) في حين ان الازرقي نفسه يذكر اشياء وقعت في عام ٢٤١ (انظر ص ٢١٤ و٢١٧) (^٥) ولم يشر الى الحوادث التي ذكرها الخزاعي عن تلك السنة.
وكلمة (اليوم) الواردة في (صفحة ٤٩٢) عن انتقال قصر سقر الى المنتصر التي اعترض على ذكرها وستنفيلد هي صريحة واضحة، لا تقبل التأويل. فلا يبعد والحالة هذه ان يكون الازرقي حيا في عهد المنتصر كما روى الفاسي وأنه توفي عقيب ذلك.