إنّ الثلاثة آلاف حديث وأثر التي تضمنها هذا الجزء من كتاب الفاكهي، سار فيها على منهج المحدثين، فأورد مادة هذا الكتاب بطريق الرواية.
والتزم بالصنعة الحديثية في أسانيده، ممّا يجعلنا على ثقة تامة بهذا المؤرخ العالم، ذلك أن عنصر الأمانة في النقل والأداء تراه مرتسما على ما رواه عن شيوخه الكثيرين، الأمر الذي يجعلنا نفخر كل الفخر بعلمائنا ومؤرخينا من هذه الأمة.
فالقارئ يلاحظ أمانة الفاكهي بارزة في الأمور الآتية:
١ - ألفاظ الأداء حافظ عليها محافظة دقيقة، فما أخذه بالسماع صرّح بسماعه، وما أخذه بالعرض، بيّنه، وما أخذه بالإجازة صرّح أنه بالإجازة.
قال في الأثر ٢٠١١:سمعت عبد العزيز بن عبد الله وحدّثني.
وقال في الأثر ١٩١٨:حدّثني أحمد بن صالح-عرضته عليه-.
وقال في الأثر ١٩٣٤:وأخبرني محمد بن علي-اجازة-.
٢ - قد يضيف من القرائن ما يؤكّد سماعه، فتراه في الأثر ٥٥٧ يقول: حدّثني أبو العباس الكديمي، غير مرة ولا مرتين.
وفي الأثر ٢٧٣٣ حدّثني عبد الله بن شبيب الربعي-وحدي-.
٣ - قد يذكر مكان سماعه من شيخه:
قال في الأثر ١٠٥٣:حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار العطاردي ببغداد.
[ ١ / ٤٤ ]
وقال في الأثر ١٩٠٤:حدّثنا اسماعيل بن محمد الأحمسي بالكوفة.
وقال في الأثر ١٣٠٦:حدّثنا محمد بن علي النجّار-بصنعاء-.
وقال في الأثر ٧٧٥:حدّثنا علي بن المنذر الطريقي-بحرض-.
٤ - قد يضيف ما يعرّف به شيخه:
قال في الأثر ١٣٠٥:حدّثنا ابراهيم بن مرزوق البصري-ومسكنه مصر-.
٥ - هناك شيوخ روي عنهم مباشرة، ثم روى عنهم بواسطة منه:
علي بن المنذر الطريقي الكوفي، وأحمد بن حميد الأنصاري، والزبير بن بكّار، وغيرهم ممّا يدلل دلالة واضحة أن الفاكهي لم يكن من أهل التدليس (^١).
٦ - ما لم يسمعه من شيخه مباشرة، ولا بواسطة، بيّن ذلك.
قال في الأثر ١٩٣١: (قال الزبير بن أبي بكر-ولم أسمعه منه-) فإننا نرى أنّ الزبير شيخه لكن لم يسمع منه هذا الأثر لا مباشرة ولا بواسطة، فبين ذلك ليبّرئ نفسه من وصمة التدليس.
وقال في الأثر ١٥٤٧: (وقال ابن أبي عمر: ورأيت في كتابه) فهو رآه في كتاب شيخه ولم يسمعه منه، فلم يورده بالسماع، بل رواه بالوجادة (^٢).
وفي الأثر ١٥٢٦: (وقال لي رجل من أهل مكة، وأعطاني كتابا عن أشياخه فيه أسماء مكة).
٧ - رجال أدركهم ولم يسمع منهم، فروى عنهم بالواسطة:
قال في الأثر ٢١٣٢:وحدّثني أبو زرعة الجرجاني، ثنا الحسن بن عيسى -مولى عبد الله بن المبارك-وقد رأيت أنا الحسن بن عيسى ولم أسمع منه-قال:
أخبرنا ابن المبارك الحديث.
٨ - إذا شك في كلمة سمعها أثبت شكّه، ولا يتردد في ذلك:
ذكر في الأثر ١٢٣٦ بإسناده إلى نافع بن عمر، قال: رأيت عطاء بن أبي رباح بارزا في المسجد-أظنه قال: يصلي بغير سترة-الظن مني أنا ابن الفاكهي-.
_________________
(١) أنظر الأثار:١٥،٤٦٠،٧٧١،١٠٢٨.
(٢) أنظر الأثار:١٣٣٧،١٩٤٧،٢١١٦.
[ ١ / ٤٥ ]
وقال في الأثر ٢٠١٠ قال: حدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: كانت قريش لا تبني إلا خياما-شك الفاكهي-أو: آجاما الخ.
وتراه ربّما قال: حدّثنا أبو بشر-إن شاء الله-.
٩ - إذا وجد تصحيفا في الحديث، في سنده، أو في متنه، يورده كما هو، ثم ينبّه على صوابه بعد الحديث (^١).
١٠ - قد يعقب بحكم على حديث أورده:
قال في الحديث ١٩١٨:حدّثني أحمد بن صالح-عرضته عليه-قال:
حدّثني محمد بن اسماعيل القرشي المدني، قال: حدّثني عبد الله بن نافع، عن مالك بن أنس، فذكر حديثا في زيارة النبي ﷺ بعد إتمام الحج، ثم قال الفاكهي عقبه: هذا حديث منكر من حديث مالك بن أنس.
هذه بعض الملاحظات التي تراها شاخصة في كتاب الفاكهي في مجال الصنعة الحديثية، تعطيك نموذجا لعلمائنا الأمناء في التحمّل والأداء، وتجعلك على ثقة بما يرويه هذا الإمام الجليل عن شيوخه في هذا السّفر الميمون.