أخبرنا جدي الشيخ أبو البركات ﵀ قراءةً، حدثنا أبو محمد عبد الله بن رفاعة.
ثم حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد الفقيه من لفظه، أخبرنا عبد
[ ٩٨ ]
القوي بن عبد العزيز التميمي، أخبرنا ابن رفاعة، أخبرنا علي بن الحسن بن الحسين، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر بن محمد التجيبي، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن الورد، أخبرنا عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم، أخبرنا عبد الملك بن هشام، أخبرنا زياد بن عبد الله، أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: لما حصر رسول الله ﷺ بني قريظة، بعثوا إليه أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف -وكان حليفًا للأوس- نستشيره في أمرناه.
فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم.
فقالوا: يا أيا لبابة! ترى أن ننزل على حكم محمد؟
قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح.
قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمودٍ من عمده.
[ ٩٩ ]
وقال: لا أبرح من مقامي هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهدت الله أن لا أطأ بني قريظة أبدًا، ولا آوي في بلدٍ خنت الله ورسوله فيه أبدًا.
قال ابن هشام: وأنزل الله في توبة أبي لبابة فيما قال سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ .
قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره -وكان قد استبطأه-.
قال: «أما أنه لو كان جاءني لاستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه» .
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط: أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة، فسمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك.
قالت ﵂: فقلت: مم تضحك يا رسول الله، أضحك الله سنك؟!
قال ﷺ: «تيب على أبي لبابة»؛ قالت: فقلت: ألا أبشره يا رسول الله؟ قال: «بلى، إن شئت» .
قال: فقامت على باب حجرتها، -وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة! أبشر، فقد تاب الله عليك.
قالت: فبادر الناس إليه ليطلقوه.
فقال: لا والله، حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، فلما مر خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه.
قال ابن هشام: وأقام أبو لبابة مرتبطًا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة، فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، فيما حدثني بعض أهل العلم.
[ ١٠٠ ]
والآية التي نزلت في توبته: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفورٌ رحيمٌ﴾ .
اسم أبي لبابة رفاعة، وقيل: بشير بن عبد المنذر الأنصاري.
وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين أن فاطمة ﵍ أرادت حله حين نزلت توبته.
فقال: قد أقسمت ألا يحلني إلا رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ:
«إن فاطمة بضعةٌ مني» .
قوله: «بضعة»، البضعة، والبضع من الشيء: القطعة منه.
والجهش: أن يفزع الإنسان إلى غيره ويلجأ إليه، وهو مع ذلك يريد البكاء، كما يفزع الصبي إلى أمه، يقال: جهشت وأجهشت.
في الحديث دليلٌ على أن من سب فاطمة رضوان الله عليها فقد سب أباها، ومن سب أباها فقد كفر، وفي حديث علي رضوان الله عليه لما أراد أن ينكح ابنة أبي جهل.
وقوله ﷺ: «إنما فاطمة بضعةٌ مني، يريبني ما رابها» .
يؤكد ما قلناه.
نعوذ بالله من الخذلان في سبها، ونستعفيه من الخسران في بغضها، ونسأله الثبات على حب أبيها وحبها، وأن يجعلنا من حزبه وحزبها، ﷺ وعلى آله الطيبين، ورضي الله عن صحابته والتابعين، وأن يحشرنا مع المؤمنين، ويدخلنا برحمته في عباده الصالحين، وأن يرينا وجه نبينا ﷺ، ويوردنا حوضه غير مخالفين ولا مبدلين.
وقد اختلف أهل التفسير في توبة أبي لبابة ﵁؟ فقال قومٌ:
[ ١٠١ ]
كان من الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وقال ابن هشام في «سيرته» ما قدمنا ذكره.
و﴿عسى﴾ من الله سبحانه واجبةٌ وخبر صدق، وليست (عسى) من كلام العرب بخبرٍ ولا تقتضي وجوبًا، فكيف تكون في القرآن واجبةً وليس بخارج من كلام العرب؟ ولتقرير ذلك موضع غير هذا، والله سبحانه الموفق وهو أعلم.
وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ربوض، -والربوض: الثقيلة- بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه، فما كاد يسمع، وكاد بصره يذهب، وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة، وإذا أراد أن يذهب لحاجته ذهبت به حتى يفرغ، ثم تأتي به فترده في الرباط كما كان، وكان ارتباطه ذلك إلى جذعٍ في موضع الأسطوان الذي يقال له: «أسطوان التوبة» .
والبضع: بكسر الباء وقد تفتح، وفيه بين أهل اللغة خلاف، والأشهر فيه أنه من ثلاثٍ إلى تسع.
وروي أيضًا عن محمد بن كعب القرظي: أن النبي ﷺ كان يصلي أكثر نوافله إلى أسطوان التوبة.
قال: وهي الأسطوان الثانية التي عن يمين حجرة النبي ﷺ في الصف الأول مع الإمام المصلي، في مصلى النبي ﷺ، وهي معروفة عند أهل المسجد.