فصل
ثم ليدخل المسجد -شرفه الله سبحانه- فيقصد الروضة المعظمة وهي ما بين قبره ومنبره ﷺ، فيصلي ركعتين تحية المسجد إلى جانب المنبر.
وفي كتاب «الإحياء»: أن الواقف يجعل عمود المنبر حذاء منكبه ويستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق، فذلك موقف رسول الله ﷺ، ثم يشكر الله سبحانه على هذه النعمة، ويسأله إتمام ما قصده.
وفي كتاب «المدينة»: إن ذرع ما بين المنبر ومقام النبي ﷺ الذي كان يصلي فيه حتى توفي، أربع عشرة ذراعًا وشبر، وإن ذرع ما بين القبر والمنبر ثلاث وخمسون ذراعًا، ثم يأتي الضريح المقدس، فيستدبر القبلة ويستقبل جداره على نحو ثلاثة أذرع من السارية التي عند رأس القبر في زاوية جداره.
وجدت في كتاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن محمود بن هبة الله بن محاسن الحافظ المؤرخ البغدادي في «أخبار المدينة» وأجازني روايته، وقد لقيته ببغداد سنة إحدى وأربعين، وسمعت منه، وكتب لي بخطه بعض ما سمعته منه، وناولني تاريخه الذي ذيل به «تاريخ بغداد»، وكتب عني-فيما أظن- وسمع بقراءتي.
[ ٤٤ ]
أخبرنا يحيى بن الحسين الأواني، أخبرنا أبو الكرم الشهرزوري، أخبرنا أبو بكر الخياط، حدثنا أبو عبد الله ابن دوست، حدثنا الحسين ابن صفوان، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا سعيد بن عثمان الجرجاني،
[ ٤٥ ]
حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عمر بن حفص، أن ابن أبي مليكة كان يقول: من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه.
واستدبار القبلة ههنا هو المستحب، كما في نظائر له، كاستدبارها في القيام لخطبة الجمعة، وسائر الخطب المشروعة.
وقصة مناظرة مالك بن أنس الإمام –رحمة الله عليه- أبا جعفر المنصور مشهورة، وقول المنصور: يا أبا عبد الله! أستقبل القبلة فأدعو، أم أستقبل رسول الله ﷺ؟
فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵊ إلى الله يوم القيامة؟!
قال لنا شيخنا أبو عمرو ﵀ –وذكر بعض من أدركنا زمانه من مشايخ مكة من علماء وقته بها-: إن الزائر المسلم يأتي من ناحية قبلته، فيقف عند محاذاة تمام أربعة أذرع من رأس القبر بعيدًا، ويجعل القنديل على رأسه، ناظرًا إلى أسفل ما يستقبل من جدار القبر، غاض الطرف، في مقام الهيبة والإجلال، ثم يسلم ولا يرفع صوته، بل يقتصد فيقول:
«السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين.
[ ٤٦ ]
السلام عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وسائر عباد الله الصالحين.
جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل ما جزى نبيًا ورسولًا عن أمته، وصلى عليك كلما ذكرك الذاكرون، وكلما غفل عن ذكرك الغافلون، وصلى عليك في الأولين، وصلى عليك في الآخرين، أفضل وأكمل وأطيب ما صلى على أحدٍ من الخلق أجمعين، كما استنقذنا بك من الضلالة، وبصرنا بك من العماية والجهالة، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله، وأمينه وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
اللهم آته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون، وخصه بالمقام المحمود، والوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، ونهاية ما ينبغي أن يأمله الآملون. آمين آمين» .
ومن ضاق وقته عن قول ذلك، أو عن تحفظه، فليقل ما تيسر منه.
قال لنا شيخنا أبو عمرو ﵀: والذي بلغنا عن ابن عمر وغيره ﵃ من السلف الأولين؛ الاقتصار والإيجاز في هذا جدًا.
فعن مالك ﵀ إمام أهل المدينة –وناهيك به خبرةً بهذا الشأن- أنه قال في رواية ابن وهب عنه: يقول المسلم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ورويناه عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا قدم من سفرٍ دخل المسجد، ثم أتى القبر فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
[ ٤٧ ]
أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي البدر مقبل بن فتيان بن مطر النهرواني الفقيه المعدل ﵀ قراءةً عليه بمدينة السلام بغداد –أنقذها الله- بالمأمونية منها، أخبرتنا شهدة بنت أحمد بن الفرج الدينوري، أخبرنا الحسن بن أحمد بن سلمان، حدثنا الحسن بن أحمد بن شاذان، أخبرنا دعلج بن أحمد بن دعلج، أخبرنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه كان يأتي القبر فيسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵄.
ورويناه في «الموطأ» من حديث عبد الله بن دينار قال: رأيت
[ ٤٨ ]
عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ، ويدعو لأبي بكر وعمر ﵄.
قال الإمام أبو عبد الله الحليمي: لولا أن رسول الله ﷺ قال:
«لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم» .
لوجد من محامده وما يثنى عليه به ما تكل الألسن عن بلوغ مداه، وتخسى الأوهام عن إدراك منتهاه، ولكن من المحال أن يبتغى الفضل في خلافه، فليعدل عن التوسع في ذلك كله بحضرته، وعلى عينه وجهه إلى ما هو أول وألزم، وهو الدعاء له.
وقد أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله المعدل ﵀ قراءةً، أخبرنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلاني، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الخرقي، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله الترمذي، أخبرنا جدي أبو أمي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن مرزوق، حدثنا
[ ٤٩ ]
عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁، أن رجلًا قال: يا رسول الله! أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال ﷺ:
«يا أيها الناس! قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان، فإنما أنا عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» .
قوله: «قولوا بقولكم» أي بقول أهل دينكم وملتكم، يعني: ادعوني رسولًا ونبيًا كما سماني الله، ولا تسموني سيدًا كما تسمون رؤساءكم لأنهم كانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة، كالسيادة بأسباب الدنيا.
وقد روي: «بعض قولكم» يعني الاقتصاد في المقال، وترك الإسراف فيه، والله سبحانه أعلم.
وفي «الغريب»: «لا تفرطوا بي كما فرطت النصارى عيسى بن مريم» .
التفريط: هو مدح الحي ووصفه.
ويستحب له أن يقرأ هذه الآية:
﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾، ثم يقول: صلى الله عليك يا محمد، سبعين مرة.
لما أخبرنا الشيخ أبو الغنائم المسلم بن أحمد بن علي المازني
[ ٥٠ ]
قراءةً عليه ﵀، أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن ﵀، أخبرنا زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي، أخبرنا أحمد بن الحسين الحافظ، أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، أخبرنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا ابن أبي فديك قال:
سمعت بعض من أدركنا يقول: بلغنا أن من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾، صلى الله عليك يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة، فأجابه ملكٌ: صلى الله عليك يا فلان، لم تسقط لك حاجة.
[ ٥١ ]