فصل
ثم يأتي المنبر الشريف ويقف عنده، ويدعو الله ﷾ ويمجده، ويحمده على ما يسر له، ويصلي على رسوله محمد ﷺ، ويسأل الله سبحانه من الخير أجمع، ويستعيذ به من الشر أجمع، وقد أوردنا من قبل ما ثبت في «الصحيح» من قوله ﷺ:
«ومنبري على حوضي»، وقوله ﷺ: «ومنبري على ترعة من ترع الجنة» .
وروى أبو سلمة أن النبي ﷺ قال:
«قوائم المنبر رواتب في الجنة» .
كما أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله العلامة الجوال قراءةً ﵀، أخبرنا أبو روح عبد المعز بن أبي الفضل -بهراة- وأجازنيه منها، أخبرنا أبو القاسم الجرجاني، أخبرنا أبو
[ ٧٧ ]
الحسن البحاثي، أخبرنا محمد بن أحمد الزوزني الحاكم، أخبرنا أبو حاتم الحافظ، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن عمار الدهني، عن أبي سلمة، عن أم سلمة ﵄، أن النبي ﷺ قال:
«قوائم المنبر رواتب في الجنة» .
اسم أبي سلمة: عبد الله بن عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي.
واسم أم سلمة: هند، وهي زوج النبي ﷺ ورضي عنها، وعمار هو أبو معاوية بن معاوية، ويقال: ابن حباب، ويقال: ابن صالح البجلي، ودهن بطن من بجيلة.
[ ٧٨ ]
وقد احترقت بقايا منبر النبي ﷺ القديمة، وفات الزائر من لمس رمانة المنبر التي كان ﷺ يضع يده المقدسة المكرمة عليها عند جلوسه ﷺ عليه ولمس موضع جلوسه منه بين الخطبتين وقبلهما، ولمس موضع قدميه الشريفتين بركةٌ عامةٌ ونفعٌ عائدٌ، وفيه ﷺ عوضٌ من كل ذاهب، ودركٌ من كل فائت، وكان احتراقه ليلة أول يوم في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة، وكان طول منبر النبي ﷺ ذراعين في السماء وشبرًا وثلاثة أصابع، وطول صفته التي كان يستند إليها النبي ﷺ ذراعًا، وطول رمانتيه اللتين كان يمسكهما ﷺ بيديه الكريمتين إذا جلس شبر وأصبعان، وكان عرض المنبر ذراعًا في ذراع يزيد، وتربيعه سواء، وعدد درجاته ثلاث بالمقعدة، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاثة قد ذهب بعضها، ثم كان طوله إلى أن احترق ثلاثة أذرع وشبرًا وثلاث أصابع، وطول الدكة التي جددت له شبر وعقدة، ومن رأسه إلى عتبته خمسة أذرع وشبر وأربع أصابع، وزيد فيه عتبتان أخريان، وجعل له باب يغلق ويفتح يوم الجمعة، هكذا حكاه شيخنا أبو عبد الله النجار في كتاب «أخبار المدينة» ﵀.
قرأت على الشيخ أبي الفتح أحمد بن محمد بن أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب الإربلي، قدم علينا ﵀، أخبرك أبو حفص عمر بن محمد بن معمر، أخبرنا علي بن عبيد الله بن نصر،
[ ٧٩ ]
أخبرنا عبد الله بن محمد بن هزارمرد، أخبرنا عبيد الله بن أحمد، حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد، حدثنا أبو الأزهر، والحسن ابن يحيى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: كان النبي ﷺ إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد،
[ ٨٠ ]
فلما صنع له المنبر واستوى عليه، فاضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله ﷺ فاعتنقها فسكنت.
وأخبرنا الشيخ الأمين أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين الأنصاري ﵀، أخبرنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد ببغداد، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر بن إبراهيم الحرقي، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله الترمذي البزار، أخبرني جدي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن مرزوق بن دينار الخلال، حدثنا عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر حن الجذع، فأتاه النبي ﷺ فاحتضنه، وقال ﷺ:
«لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة» .
وقد رواه عفان أيضًا عن حماد، عن ثابت، عن أنس ﵃ وعنا، وهو حديثٌ صحيح، ورويناه من طرق، ورواه جماعةٌ من الصحابة: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك ﵃.
وفي بعض روايات البخاري: «فصاحت النخلة صياح الصبي، فنزل ﷺ فضمها إليه، كانت تئن أنين الصبي الذي يسكت، قال: كانت تبكي على ما تسمع من الذكر عندها» .
[ ٨١ ]
وفي رواية: «فلما جلس عليه، حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليها»، فلما كان من الغد رأيت قد حولت فقلنا: ما هذا، قال: جاء النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ فحولوها.
تفرد بهذه اللفظة الزائدة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن جابر ﵁.
وفي بعضها: «فخار الجذع كما تخور البقرة حزنًا على رسول الله ﷺ فالتزمه، وأمسكه، حتى سكن» .
وفي رواية أبي بن كعب ﵁: «فأصغى إليه الجذع، فقال له: اسكن، ثم التفت فقال له: إن تشاء أن أغرسك في الجنة فيأكل منك الصالحون، وإن تشاء أن أعيدك رطبًا كما كنت، فاختار الآخرة على الدنيا» .
فلما قبض رسول الله ﷺ دفع إلى أبي، فلم يزل عنده إلى أن أكلته الأرضة، رواه ابن أبي -واسمه الطفيل- عن أبيه.
وفي رواية أنس ﵁: فلما قعد رسول الله ﷺ على المنبر خار الجذع خوار الثور، حتى ارتج المسجد لخواره، حزنًا على رسول الله ﷺ، فنزل إليه رسول الله ﷺ من المنبر، فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه رسول الله ﷺ سكت.
[ ٨٢ ]
ثم قال ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه ما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزنًا على رسول الله ﷺ، فأمر به رسول الله ﷺ فدفن»، أخرجه الترمذي.
وفي رواية أنس ﵁ أيضًا: «وأنا في المسجد، فسمعت الخشبة تحن حنين الولد، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكنت» .
وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ لمكانه من الله ﷿، فأنتم أحق من أن تشتاقوا إلى لقائه. حديثٌ حسنٌ عال.
وروينا من حديث أبي كبشة السلولي عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«إن أتخذ منبرًا فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم ﵇» .
[ ٨٣ ]