ثم إنه إن قد أوصاه أحدٌ بإبلاغ سلامه إلى النبي ﷺ فليقل:
السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، أو نحو هذا من القول.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، أنه أوصى بعض من توجه إلى المدينة أن يقرئ النبي ﷺ السلام، وروي عنه أيضًا أنه كان يبرد البريد من الشام يقول: سلم لي على رسول الله ﷺ.
فصل
ثم يتأخر عن صوب يمينه قدر ذراع للسلام على أبي بكر ﵁، لأن رأسه بحذاء منكب رسول الله ﷺ ويقول:
السلام عليك يا أبا بكر، صفي رسول الله ﷺ وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة رسوله ﷺ خيرًا، ولقاك في القيامة أمنًا وبرًا.
ثم يتأخر عن صوب يمينه قدر ذراع للسلام على عمر ﵁، فإن رأسه بحذاء منكب أبي بكر ﵄ فيقول:
السلام عليك يا عمر الذي أعز الله به الإسلام، جزاك الله عن أمة نبيه ﷺ أفضل الجزاء.
أخبرنا أبو البركات ابن أبي عبد الله، أخبرنا أبو القاسم ابن أبي محمد الحافظ، أخبرنا أبو القاسم ابن أبي إسماعيل الحافظ، حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا إسحاق بن يعقوب العطار، حدثنا سوار بن
[ ٥٢ ]
عبد الله، حدثنا أبي قال: قال رجلٌ لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله! إني أجل رسول الله ﷺ أن أسلم على أحد ٍمعه!
فقال له مالك –رحمة الله عليه-: اجلس، فجلس، فقال: تشهد، فتشهد حتى بلغ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
فقال مالك: هما من عباد الله الصالحين، فسلم عليهما –يعني على أبي بكر وعمر ﵄-.
ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله ﷺ ويتوسل به إلى الله سبحانه في حوائجه، وخويصة نفسه، ويستشفع به إليه، ويجدد التوبة في حضرته الشريفة، ويسال الله سبحانه أن يجعلها توبةٌ نصوحًا، ويكثر الاستغفار، ويديم التضرع إلى الله ﷾ فيما هنالك، ويسأله ما أهمه من أمور الدين والدنيا، ويكثر الاستشفاع به إلى الله سبحانه في مهماته، وخواصه، ولوالديه، ولإخوانه، وللمسلمين أجمعين.
قال شيخنا أبو عمرو ﵀: ومن أحسن ما يقول، قول الأعرابي الذي حكاه جماعةٌ من الأئمة مستحسنين له عن العتبي، واسمه محمد بن عبيد الله - قال:
كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله سبحانه يقول:
[ ٥٣ ]
﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قال: فحملتني عيناي، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي: يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر ذنوبه.
وقد وقعت إلينا هذه الحكاية من غير طريق العتبي، عن محمد بن حرب الهلالي.
كما نبأني الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي منصور بن نسيم ﵀ –إن شاء الله-، أخبرنا الحافظ أبو القاسم قراءةً عليه، أخبرنا أبو أحمد عبد السلام بن الحسن بن علي بن زرعة الصوري، حدثنا الفقيه أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر –بصور- لفظًا، حدثنا أبو العباس أحمد بن علي بن محمد، حدثنا أبو بكر محمد بن زهير –بنيسابور-، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن مرزبان،
[ ٥٤ ]
حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد النحوي، أخبرنا ابن فضيل النحوي، أخبرنا عبد الكريم بن علي، حدثنا محمد بن محمد بن النعمان، حدثنا محمد بن حرب الهلالي.
قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي ﷺ فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل! إن الله ﷿ أنزل عليك كتابًا صادقًا قال فيه: ﴿ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ .
وإني جئتك مستغفرًا من ذنوبي، مستشفعًا بك فيها، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي ﷺ في نومي وهو يقول: الحق الرجل فبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده.
[ ٥٥ ]