وذلك وإن لم يكن له تعلقٌ بالزيادة؛ فإن ذكر المحبوب محبوب، وتكرير ذكره ﷺ رحمةٌ وبركةٌ وهو المقصود والمطلوب، وقبره ﷺ في صفة بيت عائشة ﵂، وباب البيت شامي، ولم يكن على الباب غلقٌ مدة حياة عائشة رضي الله تعالى عنها.
أخبرنا علي بن الحسين في إذنه قال: أنبأنا أبو الفضل الحافظ، أنبأنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلاني، أخبرنا أبو العلاء محمد بن علي بن [أحمد بن] يعقوب الواسطي القاضي، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين النيازكي، أخبرنا أبو الخير أحمد بن محمد بن الخليل العبقسي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن أبي فديك، عن محمد بن هلال، أنه رأى حجر أزواج النبي ﷺ من جريد مستور بمسوح الشعر، فسألته عن بيت عائشة ﵂؟ فقال: كان بابه من جهة الشام.
[ ١٧٧ ]
قلت: مصراعًا كان أو مصراعين؟ قال: كان بابًا واحدًا.
قلت: من أي شيء كان؟ قال: من عرعرٍ أو ساج.
وبه نبأنا أبو عبد الله البخاري قال: أخبرنا عبد الله، أنبأنا داود ابن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشاةً من خارج بمسوح الشعر، وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحوًا من ستة أو سبعة أذرع، وأظن سمكه بين الثمان والسبع أو نحو ذلك، ووقفت عند باب عائشة ﵂، فإذا هو مستقبل المغرب.
وقال الحسن بن أبي الحسن: كنت أدخل بيوت النبي ﷺ وأنا غلامٌ مراهق، فأنال السقف بيدي، وكانت حجرته ﵊ أكسيةٌ من شعر مربوطةٌ في خشب من عرعر.
إذا أضيفت البيوت إليه ﷺ فهي إضافة ملكٍ، قال الله سبحانه:
﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾، أو على تقدير حذف وإضمار، وإذا أضيفت إلى أزواجه فليست بإضافة ملكٍ، لأن ما كان ملكًا له ﷺ فليس بمورث إلا إن تقدم تمليكٌ، وهو الظاهر، والله أعلم.
ونقل أهل السير أن في البيت الذي دفن فيه النبي ﷺ وصاحباه، موضع قبرٍ في السهوة الشرقية.
قال سعيد بن المسيب ﵁: فيه يدفن عيسى ابن مريم ﵇ مع النبي ﷺ وصاحبيه ﵄، ويكون قبره الرابع.
السهوة: بيت صغير منحدرٌ في الأرض قليلًا شبيهٌ بالمخدع، والخزانة وقيل: هو كالصفة تكون بين يدي البيت. وقيل: هو شبيه بالرف، والطاق يوضع فيه الشيء، والله أعلم.
[ ١٧٨ ]
وقد اختلفت الرواية في صفة القبور:
فأنبأني أبي رحمه الله تعالى قال: أنبأنا أبو القاسم يحيى بن أسعد، عن أبي علي الحسن بن أحمد الحداد، عن الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله، أنبأنا أبو محمد جعفر بن محمد الخلدي، أخبرنا أبو يزيد محمد بن عبد الرحمن المخزومي، أنبأنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثني إسحاق بن عيسى، عن عثيم بن نسطاس قال: رأيت قبر النبي ﷺ لما هدم عمر بن عبد العزيز عنه البيت مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، عليه حصباء إلى الحمرة ما هي، ورأيت قبر أبي بكر ﵁ وراء قبر النبي ﷺ، ورأيت قبر عمر ﵁ أسفل منه، وصوره لنا.
النبي ﷺ
أبو بكر ﵁
عمر ﵁
وأخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن أبي عبيد الله الحسين بن أبي الحسن علي البغدادي فيما أجازني، أنبأنا أبو الفتح محمد بن عبد
[ ١٧٩ ]
الباقي، أنبأنا حمد بن أحمد بن الحسين، عن أبي نعيم الحافظ، عن جعفر بن محمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني إسماعيل بن عبيد الله، عن أبيه عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «رأس النبي ﷺ مما يلي المغرب، ورأس أبي بكر ﵁ عند رجلي النبي ﷺ، وعمر ﵁ خلف ظهر النبي ﷺ.
النبي ﷺ أبو بكر ﵁
عمر ﵁
قالت عائشة: وما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي حتى دفن عمر ﵁.
فلم أزل متحفظةً في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارًا» .
وفي رواية عنها: «لما دفن عمر لزمت ثيابها الدرع والخمار والإزار» .
وقالت: «إنما كان زوجي وأبي، فلما دخل معهما غيرهما، لزمت ثيابي» .
وكانوا يأخذون من تراب القبر، فأمرت بجدار فضرب عليهم، وكان في الجدار كوةٌ كانوا يأخذون منها، فأمرت بالكوة فسدت، والله سبحانه أعلم.
وروي عن نافع بن أبي نعيم أن صفة قبر النبي ﷺ، وقبر أبي بكر ﵁، وقبر عمر ﵁: قبر النبي ﷺ أمامهما إلى القبلة مقدمًا، ثم قبر أبي بكر ﵁ حذاء منكبي رسول الله ﷺ، وقبر عمر ﵁ حذاء منكبي أبي بكر ﵁ وهذه صفته.
النبي ﷺ
أبو بكر ﵁
عمر ﵁
[ ١٨٠ ]
وأنبأنا الحافظ أبو المظفر يوسف بن خليل بن عبد الله، عن أبوي القاسم ذاكر بن كامل ويحيى بن أسعد، عن أبي علي الحداد، عن أحمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو محمد بن محمد، أخبرنا أبو يزيد المخزومي، أنبأنا الزبير، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني محمد بن إسماعيل، عن عمر بن عثمان بن هانئ، عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت: يا أماه! أريني قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن قبورهم، فإذا هي لا مرتفعة ولا لاطئة، مبطوحةٍ ببطحاء حمراء من بطحاء العرصة، فإذا قبر النبي ﷺ أمامهما، ورجلا أبي بكر عند رأس النبي ﷺ ورأس عمر عند رجليه، وهذه صفته:
النبي ﷺ
أبو بكر ﵁ عمر ﵁
قد روينا من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ من غير هذا الوجه على غير هذه الصفة.
كما أخبرنا الشيخان أبو بكر عتيق بن أبي الفضل بن سلامة السلماني المعدل، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن علي الحافظ، قال أبو بكر: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، وقال أبو الحسن: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن إجازةً، قالا: أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني، أخبرنا أبو الحسن رشاء بن نظيف بن ما شاء الله المقرئ، أخبرنا أبو الحسن بن
[ ١٨١ ]
محمد بن إسماعيل بن محمد الضراب، أخبرنا أبو بكر أحمد بن مروان بن محمد المالكي، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن محمد بن إسماعيل، عن عمرو بن عثمان، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أماه! اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ، فكشفت لي عن ثلاثة أقبر ليست بالمشرفة ولا اللاطئة، مبطوحةٍ ببطحاء العرصة [الحمراء]، فرأيت قبر النبي ﷺ مسنمًا، وأبو بكر رأسه عند منكبي النبي ﷺ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ، وهذه صفته:
النبي ﷺ عمر ﵁
أبو بكر ﵁
وروى المنكدر بن محمد عن أبيه قال: قبر النبي ﷺ هكذا، وقبر أبي بكر خلفه، وقبر عمر عند رجلي النبي ﷺ.
النبي ﷺ عمر ﵁
أبو بكر ﵁
وروى عن عبد الله بن محمد بن عقيل ﵈ قال: خرجت في ليلة مطيرة إلى المسجد، حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحةٌ لا والله ما وجدت مثلها قط، فجئت إلى المسجد، فبدأت بقبر النبي ﷺ، فإذا جداره قد انهدم، فدخلت فسلمت على النبي ﷺ، ومكثت فيه مليًا، فرأيت القبور، فإذا قبر رسول الله ﷺ، وقبر أبي بكر ﵁ عند رجليه، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر رضي الله
[ ١٨٢ ]
عنهما، وعليها حصباء من حصباء العرصة، وهذه صفته:
النبي ﷺ
أبو بكر ﵁
عمر ﵁
قال البغوي: ورواية القاسم تدل على تسطيح قبر النبي ﷺ.
وروي عن سفيان التمار قال: رأيت قبر النبي ﷺ مسنمًا، وحديث القاسم أصح، وأولى أن يكون محفوظًا في هذا الباب، انتهى كلامه.
قلت: وقد روينا التسنيم أيضًا من حديث القاسم بن محمد كما أوردناه أولًا مسندًا عنه، وحديث سفيان التمار قد رواه البخاري في «مسنده»، فلا تعارض إذًا بين روايته ورواية القاسم في ذلك ولا ترجيح.
أخبرنا أبو عبد الله الحسين قال: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا عبد الله بن أحمد، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عبد الله، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار أنه حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنمًا.
وأنبأنا عبد الله بن عمر بن علي الحريمي –وذكر أهل السير- أن جدار حجرة النبي ﷺ الذي يلي موضع الجنائز، سقط في زمان عمر بن عبد العزيز وظهرت القبور.
[ ١٨٣ ]
قال الراوي: فما رأيت أكثر باكيًا من ذلك اليوم، فأمر عمر بقباطي فخيطت ثم ستر بها الموضع، وأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس.
فبينما هو يكشفه إذ رفع يده وتنحى واجمًا، فقام عمر بن عبد العزيز فزعًا، فرأى قدمين وعليهما السعد، ورأى الأساس. فقال له عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر –وكان حاضرًا-: أيها الأمير! لا يروعنك فإنهما قدما جدك عمر بن الخطاب، ضاق البيت عنهما، فحفر له في الأساس.
فقال: يا ابن وردان! غط ما رأيت، ففعل، وأمر أبا حفصة مولى عائشة وناسًا معه فبنوا الجدار وجعلوا في كوة، فلما فرغوا منه ورفعوه، دخل مزاحم مولى عمر فقم ما سقط على القبر من التراب والطين، ونزع القباطي.
فكان عمر ﵁ يقول: لأن أكون وليت ما ولي مزاحمٌ من قم القبور، أحب إلي من أن أكون لي من الدنيا كذا وكذا –وذكر مرغوبًا من الدنيا-.
أنبأني أبي ﵀ قال: أنبأنا أبو القاسم التاجر، عن الحسن بن أحمد، عن أبي نعيم الحافظ، أنبأنا جعفر بن محمد، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني غير واحد، منهم إبراهيم بن محمد الزهري، عن أبيه قال: أجاف بيت النبي ﷺ من شرقيه، فجلس عمر بن عبد العزيز ومعه عبد الله بن عبيد الله بن عمر، فأمر ابن وردان أن يكشف الأساس، فبينما هو يكشفه إلى أن رفع يده وتنحى واجمًا، فقام عمر بن عبد العزيز فزعًا، فقال عبد الله: أيها الأمير! لا يروعنك، فتانك قدما جدي عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، ضاق البيت عنه فحفر له في الأساس، فقال: يا ابن وردان! غط ما رأيت، ففعل.
[ ١٨٤ ]
وأنبأنا عبد الله بن عمر بن علي بن زيد الحريمي، عن محمد بن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبي علي الحداد، أنبأنا أحمد بن عبد الله بن أحمد، عن جعفر بن محمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا الزبير، حدثنا محمد، حدثني عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن سفيان بن دينار قال: دخلت بيت النبي ﷺ فرأيت قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وعمر ﵄ مسنمةً.
أخبرنا الحسين بن المبارك، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا محمد ابن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثني فروة، قال: حدثنا علي، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «لما سقط عنهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدمٌ، ففزعوا، فظنوا أنها قدم النبي ﷺ، فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ﷺ، ما هي إلا قدم عمر ﵁» .
ثم إن عمر بن عبد العزيز بنى على حجرة النبي ﷺ حائزًا من سقف المسجد إلى الأرض، وصارت الحجرة المقدسة في وسطه وهو على دورانها، وعلى الحجرة الشريفة ثوبٌ مشمعٌ على هيئة الخيمة، وفوقها سقف المسجد، وفيه خوخة وعليها ممرقٌ مقفل، وفوق الخوخة في سقف السطح خوخةٌ أخرى فوق تلك الخوخة، وعليها ممزقٌ آخر مقفل أيضًا، وحولها في سطح المسجد حظيرةٌ مبنيةٌ بالآجر والجص تميز الحجرة عن السطح وبين سقف المسجد وبين سقف السطح فراغٌ نحو من ذراعين، وعليه شباك من حديد يرمي الضوء من رحبة المسجد، ويشال إذا أرادوا الدخول إلى ثم لحاجةٍ تعرض، أو عمارة تحدث.
أخبرنا محمد بن أحمد وغيره في إذنهم قالوا: أخبرنا أبو الفرج
[ ١٨٥ ]
يحيى بن محمود بن سعد الثقفي الأصبهاني قراءةً، أخبرنا جدي أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ، أخبرنا المعلى، أخبرنا عبد العزيز، حدثنا محمد بن أحمد البزار، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا عبد الله بن شبيب، أخبرنا يحيى بن سليمان بن نضلة قال: «قال هارون الرشيد لمالك بن أنس رحمهما الله: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر ﵄ من رسول الله ﷺ؟
فقال مالك ﵀: كقرب قبريهما من قبره ﷺ بعد وفاتهما، فقال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك» .
أخبرنا أبو بكر عتيق بن أبي الفضل بن سلامة الشروطي قراءةً، قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي. (ح) وأخبرنا أبو الحسن بن أبي جعفر بن أبي بكر قراءةً، قال: أخبرنا أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي السلمي إجازة، قالا: أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الخطيب، أخبرنا رشاء بن نظيف، أخبرنا الحسن بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن مروان، حدثنا إبراهيم بن حبيب، قال: أخبرنا محمد بن عباد المكي، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: قال رجل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم: كيف كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ؟
فقال منزلتهما منه اليوم.
تم والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين
[ ١٨٦ ]