وقد رأيت أن ألحق بوصف زيارته، ذكر وفاته ﷺ وما يتعلق بذلك، وصفة قبره وما انتهى إلي علمه، لتتم الفائدة، وتحصل الصلة في الذي أوردته والعائدة.
أخبرنا الحسين بن المبارك ﵀، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن المظفر، أخبرنا أبو محمد عبد الله، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمد بن عبيد، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره، أن عائشة ﵂ كانت تقول: «إن من نعم الله تعالى علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندةٌ رسول الله ﷺ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فلينته بأمره، وبين يديه ركوة -أو علبة فيها ماء، يشك عمرو- فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده» .
كذا أورده (يشك عمرو) وصوابه أبو عمرو، وهو ذكوان مولى عائشة المذكور في الحديث.
[ ١١٧ ]
السحر: ما لصق بالحلقوم من المري، والسحر الرئة أيضًا، يقال: انفتح سحره.
والرفيق الأعلى قيل: اسم من أسماء الله تعالى، كأنه قال: ألحقني بالله.
وقال الأزهري: غلط هذا القائل، والرفيق هاهنا: جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، اسمٌ جاء على فعيل ومعناه الجماعة، وهو منتزعٌ من قوله سبحانه: ﴿وحسن أولئك رفيقًا﴾، وقد يجوز أن يقال في الجماعة: هم لي صديق وعدو، فيفرد، لأنه صفةٌ لفريق وحزب، ويقبح أن يقول: قومك صاحبك، أو أبوك، وإنما يحسن هذا إذا وصف بصديقٍ وفريق وعدو، لأنها صفةٌ تصلح للفريق والحزب، لأن العداوة والصداقة صفتان متضادتان، فإذا كان على أحدهما الفريق الواحد، كان الآخر على ضدها، وكانت قلوب أحد الفريقين في تلك الصفة على قلب رجلٍ واحدٍ في عرف العادة، فحسن الإفراد، وليس يلزم مثل هذا في القيام والقعود ونحوه حتى يقال: هم قائم أو قاعد.
كما يقال: هم لي صديق، لما قدمناه من الاتفاق والاختلاف، وأهل الجنة يدخلونها على قلب واحد. جعلنا الله معهم ومنهم، بفضله وجوده.
وهذه الكلمة آخر كلمةٍ تكلم بها ﷺ وهي تتضمن معنى التوحيد الذي يجب أن يكون آخر كلام المؤمن لأنه ﷺ قال:
«مع الذين أنعمت عليهم»، وهم أصحاب الصراط المستقيم، وهم أهل لا إله إلا الله، ويؤكد ذلك قول عائشة ﵂ «ثم نصب يده» .
وفي رواية عنها: «فأشار بإصبعه»، وفي رواية «اللهم الرفيق الأعلى» وأشار بالسبابة يريد التوحيد.
[ ١١٨ ]
وروينا من حديث أنس ما قرأت على الشيخ أبي المعالي هبة الله بن الحسن بن هبة الله –صاحب الباب بمنزلة من بغداد-، وقرئ على الشيخ أبي البركات عبد الرحيم بن القاضي أبي حفص عمر بن علي القرشي بالجانب الغربي منها رحمهما الله، قلت: وقيل لهما: أخبرتكما أم عتب تجني بنت عبد الله الوهبانية قراءةً، فأقرا به، قال القرشي: وأنا حاضر. (ح) وأخبرنا الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب الحنبلي الفقيه الواعظ ﵀، قال: أنبأتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج بن عمر الإبري، قالت: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي، أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله الفارسي البزاز، حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا جرير، عن سليمان
[ ١١٩ ]
القيسي، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: كان آخر وصية رسول الله ﷺ وهو يغرغر بها في صدره، ما يكاد يفيص بها لسانه: «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» .
في قوله ﷺ: «فيما ملكت أيمانكم» قولان، قيل: أراد الرفق بالمملوكين، وقيل: أراد الزكاة لأنها في القرآن مقرونة بالصلاة، وهي من ملك اليمين، قاله الخطابي.
وفي أخذه السواك من الفقه: التنظف والتطهر للموت، لأن الميت قادمٌ على ربه، كما أن المصلي مناج لربه، والنظافة من شأنهما، وكذلك يستحب الاستعداد لمن استشعر القتل والموت، كما فعل خبيب ﵁.
وروى الترمذي: «إن الله نظيف يحب النظافة» .
والإفاصة: الإبانة والإفصاح، يقول: هو ذو إفاصةٍ إذا تكلم، أي ذو بيانٍ وفصاحة.
وقوله: (يغرغر بها) أي: قد بلغت روحه الحلقوم، فهو بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلقوم ولا يبلع، والله أعلم.
وروى بعضهم أن السواك المذكور في الحديث كان من عسيب نخل، كذلك جاء في «الصحيح» مصرحًا به من حديث عائشة ﵂: «ومر عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدةٌ رطبة» .
والعرب تستاك بالعسيب، وكان أحب السواك إلى رسول الله ﷺ ضرع الأراك، وواحدها ضريع، وهو قضيبٌ ينطوي من الأراكة حتى يبلغ التراب فيبقى في ظلها، فهو ألين من فروعها.
وقد روي في قول عائشة ﵂: «ما بين شجري ونحري»
[ ١٢٠ ]
بشين وجيم معجمتين، وسئل عمارة بن عقيل عن معناه، فشبك بين أصابع يديه وضمها إلى نحره.
والشجر –بفتح-: الفم، وقيل: هو الذقن، وقيل في حديث عائشة ﵂: هو التشبيك، أي أنها ضمته إلى صدرها مشبكةً أصابعه ﷺ، والله أعلم.
وفي «الصحيح» من حديثها: «فقلت: أعطني هذا السواك فأعطانيه فقصمته ثم مضغته» –أي كسرته- فأبنت منه الموضع الذي كان استن به عبد الرحمن.
وقناةٌ قصمةٌ: أي متكسرة، والقصامة ما يكسر من رأس السواك.
يقال: والله لو سألتني قصامة سواكٍ ما أعطيتك، وأصل القصم الدق، والله أعلم، حكاه أبو سليمان ﵀.
أخبرنا أبو عبد الله الأديب، أخبرنا أبو روح ونبأني به، أخبرنا تميم بن أبي سعيد، أخبرنا علي بن محمد، أخبرنا الزوزني، أخبرنا أبو حاتم، أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا سعيد بن يحيى ابن سعيد الأموي، حدثني أبي، حدثنا أبو الحسين، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: اشتكى رسول الله ﷺ فقال نساؤه: انظر حيث تجب أن تكون فيه فنحن نأتيك، قال رسول الله ﷺ:
«أوكلكن على ذلك؟ قلن: نعم، فأرسل إلى بيت عائشة فمات فيه ﷺ» .
[ ١٢١ ]
أخبرنا أبو عبد الله ابن أبي بكر، أخبرنا عبد الأول ابن أبي مريم، أخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو محمد، أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل، حدثنا أبو سليمان، عن هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليتعذر في مرضه: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدًا؟ استبطاءً ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي» .
وفي رواية: «بين حاقنتي وذاقنتي» .
والحاقنة: نقرة الترقوة وهما ذاقنتان أي نقرتا الترقوتين.
والذاقنة: ما يناله الذقن من الصدر، والله سبحانه أعلم.
التعذر كالتمنع والتعسر. قال امرؤ القيس:
ويومًا على ظهر الكثب تعذرت علي وآلت حلفة لم تحلل
وبه أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله بن
[ ١٢٢ ]
عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ فقالت: «لما ثقل رسول الله ﷺ واشتد وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له. فلما دخل بيتي واشتد وجعه قال: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضبٍ لحفصة زوجة النبي ﷺ، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم» .
قولها: (فطفقنا) وطفق هو بمعنى أخذ في الفعل، وجعل يفعل، وهو من أفعال المقاربة.
أخبرنا جدي ﵀، أنبأنا أبومحمد عبد الله بن رفاعة، ثم حدثنا الشيخ أبو الحسن علي بن أحمد الفقيه من لفظه، أنه أخبره عبد القوي بن عبد العزيز بن الحسين، أخبرنا أبو محمد بن رفاعة، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر، أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا عبد الملك بن هشام، أخبرنا زياد بن عبد الله، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبد الله، قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: «مات رسول الله ﷺ بين سحري
[ ١٢٣ ]
ونحري، وفي دولتي لم أظلم فيه أحدًا، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله ﷺ قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي» .
الالتدام: ضرب النساء وجوههن في النياحة، واللادم: المرأة التي تلدم، والجمع اللدم بتحريك الدال، وقد لدمت المرأة تلدم لدمًا.
ومنه قوله ﷺ لأبي الهيثم بن التيهان في حديث العقبة: «اللدم اللدم اللدم والهدم الهدم الهدم» بتحريك الدال: القبر، وقيل المنزل، وبسكونها وفتحها إهدار دم القتيل.
أخبرنا الحسن بن محمد قراءةً، وأخوه أبو المنصور عبد الرحمن الفقيه الزاهد، والحسين بن هبة الله في إذنهما، قالوا: أخبرنا عبد الواحد بن محمد بن المسلم، أخبرنا عبد الكريم بن المؤمل إجازةً، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن معروف، أخبرنا خيثمة بن
[ ١٢٤ ]
سليمان بن حيدرة، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن زكريا، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن الزهري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف الستارة والناس صفوفٌ خلف أبي بكر، فلما رأوه كأنهم –أي تحركوا- فأشار إليهم أن اثبتوا، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، وألقى الستر، وتوفي في آخر ذلك اليوم» .
صحيح وقد رواه مسلم في «صحيحه» أتم من هذا.
كما أخبرناه الشيخان أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر الحافظ، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر المستملي في آخرين قراءةً، أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي وكتب به إلينا، أخبرنا محمد بن الفضل بن أحمد، أخبرنا أبو الحسين الفارسي، أخبرنا أبو أحمد، أخبرنا أبو إسحاق، أخبرنا أبو الحسين، حدثني عمرو الناقد، وحسن الحلواني، وعبد بن حميد، قال عبد: أخبرني،
[ ١٢٥ ]
وقال الآخران: حدثنا يعقوب –وهو ابن إبراهيم بن سعد- قال: حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁؛ أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوفٌ في الصلاة، كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائمٌ كأن وجه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا.
قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من فرحٍ بخروج رسول الله ﷺ، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ خارجٌ للصلاة، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل رسول الله ﷺ فأرخى الستر.
[قال:] فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك.
وأخبرني أبو المنجى عبد الله بن عمر بن علي ﵀ في إذنه، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق الهروي، أخبرنا جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق بن خزيم الشاشي، حدثنا عبد بن حميد بن نصر الكشي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: «لما كان يوم
[ ١٢٦ ]
الاثنين كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة، فرأى أبو بكر يصلي بالناس.
قال: فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف وهو يبتسم، فكدنا أن نفتتن في صلاتنا فرحًا برسول الله ﷺ، قال: وأراد أبو بكر أن ينكص فأشار إليه كما أنت، فأرخى الستر، فقبض رسول الله ﷺ من يومه ذلك» وذكر بقية الحديث.
أخرجه مسلم في «صحيحه» عن عبد بن حميد، فوقع لنا موافقة عالية والحمد لله.
وقد روى أمر النبي ﷺ أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس جماعةٌ من الصحابة غير عائشة ﵂، منهم علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن زمعة، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وغيرهم ﵃. وأكثر رواياتهم مخرجةٌ في «الصحيح» .
وفي حديث ابن إسحاق: «أنه خرج النبي ﷺ إلى الصبح يوم الاثنين عاصبًا رأسه، وتفرج له الناس، فعرف أبو بكر ﵁، فنكص عن مصلاه، فدفع رسول الله ﷺ في ظهره وقال: صل بالناس، وجلس إلى جنبه، فصلى قاعدًا عن يمينه ﷺ، فلما فرغ من الصلاة أقبل الناس فكلمهم رافعًا صوته حتى خرج صوته من المسجد، يقول: أيها الناس! سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل، والله ما تمسكون علي بشيء، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن.
فلما فرغ من كلامه قال له أبو بكر ﵁: يا رسول الله! أراك قد أصبحت بنعمةٍ من الله وفضلٍ كما نحب، فاليوم يوم ابنة خارجة أفآتيها؟ قال ﷺ: نعم، ثم دخل رسول الله ﷺ ورجع أبو بكر إلى أهله بالسنح» .
وهذا الحديث رواه ابن إسحاق في «السيرة» مرسلًا، وقد أسندنا من الأحاديث المتصلة قبله ما فيه كفاية.
[ ١٢٧ ]
وروى الدارقطني الحافظ من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ قال: «ما مات نبي حتى يؤمه رجلٌ من أمته» .
وبنت خارجة اسمها حبيبة: وقيل مليكة، وخارجة هو ابن زيد بن أبي زهير، وابن خارجة هو زيد بن خارجة بن زيد الذي تكلم بعد الموت، والسنح بضم السين والنون، وقيل بسكونها موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحارث بن الخزرج.
وذكر شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمود النجار أن السنح هو الموضع الذي فيه مساجد الفتح، والله أعلم.
[ ١٢٨ ]
أخبرنا الحسين، أخبرنا عبد الأول، أخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو محمد، أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبي بن كعب بن مالك، أن ابن عباس ﵄ أخبره: «أن علي ابن أبي طالب خرج من عند النبي ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن! كيف أصبح رسول الله ﷺ؟
قال: أصبح بحمد الله بارئًا، فأخذ بيده العباس فقال: إلي تراه أنت بعد ثلاثٍ عبد العصا. والله إني لأرى رسول الله ﷺ سيتوفى في وجعه، وإني لأعرف في وجوه بني عبد المطلب الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فنسأله فيمن يكون الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا، أمرناه فأوصى بنا.
قال علي ﵁: والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فيمنعنا لا يعطيناها الناس أبدًا، إني لا أسألها رسول الله ﷺ أبدًا» .
وفي حديث ابن إسحاق عن يعقوب بن عقبة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: «لما رجع رسول الله ﷺ في ذلك اليوم دخل من المسجد، فاضطجع في حجري، فوجدته يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة، قالت: فقلت: خيرت فاخترت، والذي بعثك بالحق، قالت: وقبض رسول الله ﷺ» .
قال: وحدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب فقال: والله ما مات رسول الله ﷺ ولكن ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران إلى ربه،
[ ١٢٩ ]
فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إلى قومه بعد أن قيل قد مات» .
قال: وأقبل أبو بكر ﵁ حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شيءٍ حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة، ورسول الله مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرةٍ، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله ﷺ، ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي [والله لا يجمع الله عليك موتتين]، أما الموتة التي كتبت عليك، فقد ذقتها فلن يصيبك بعدها موتة أبدًا، ثم رد البرد على وجه رسول الله ﷺ، ثم خرج وعمر ﵁ يكلم الناس.
فقال: على رسلك يا عمر أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت، أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه، أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنه من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، ثم تلا هذه الآية:
﴿وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾ .
قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ، فأخذها الناس عن أبي بكر ﵁، فإنما هي في أفواههم.
قال أبو هريرة ﵁: قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكرٍ تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعلمت أن رسول الله ﷺ قد مات.
قوله: (عقرت) يقال: عقر الرجل: إذا سقط إلى الأرض من قامته.
وحكاه يعقوب بالفاء من العفر وهو التراب، وصوب ابن كيسان الروايتين معًا، وقيل معنى عقرت: أي تحيرت.
قال ابن الأعرابي يقال: عقر وبحر، وهو إذا تحير فلم يهتد لوجه الأمر.
[ ١٣٠ ]
أخبرنا أبو عمرو الفقيه ﵀، أخبرنا أبو القاسم، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو عثمان، أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد، أخبرنا أبو محمد، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، «أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببرد حبرة» .
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي المنذر بن فتيان بن مطر بخطه ببغداد، ومنها أخبرنا عبد المنعم بن كليب، أخبرنا أبو طالب الزينبي،
[ ١٣١ ]
أنبأتنا كريمة بنت أحمد المروزية، أخبرنا أبو الهيثم الكشميهني، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، قال:
«أخرجت إلينا عائشة كساءً وإزارًا غليظًا فقالت: قبض روح رسول الله ﷺ في هاذين» .
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن طلحة، وأبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغداديان، وأحمد بن سلامة بن أحمد بن سلمان قراءةً عليهم قالوا: أخبرنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن سعد بن كليب، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن
[ ١٣٢ ]
محمد بن بيان الرزاز، أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مخلد العطار، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح الصفار، أخبرنا الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي، حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبي عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة ﵂: «أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فاه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه فقال: وانبياه، واصفياه، واخليلاه» .
وروينا في «مسند أبي داود الطيالسي» عن حماد والمبارك بن فضالة، عن ابن عمران، عن يزيد، وزاد: فذكرنا وفاة رسول الله ﷺ فقالت
[ ١٣٣ ]
﵂: «دخل أبو بكر فجعل يراوح بين خديه قبلًا وهو يقول: يا نبياه! يا صفياه!» .
أخبرنا المشايخ أبو بكر محمد بن عبد الوهاب بن عبد الله بن علي الأمين، وأبو محمد عبد الملك بن عبد الحق بن عبد الواحد الأنصاريان، وشيخ القراء والنحاة أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب بن عبد الأعلى الهمداني بدمشق، وأبو يعقوب يوسف بن أبي الثناء محمود بن الحسين بن الحسن الساوي الصوفي، وأبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد العزيز السعدي –بالمعزية- ونسيبه أبو إبراهيم محمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله، وأبو القاسم عبد الرحمن بن أبي الحرم مكي بن
[ ١٣٤ ]
عبد الرحمن بن أبي سعيد بن عيسى بقرآءتي عليهما بثغر الإسكندرية، قالوا: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد، حدثنا أبو القاسم محمود بن سعادة بن أحمد الألهاني بسلماس، أخبرنا أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أخبرنا جدي، حدثنا موسى، ومحمد بن يسار، ومحمد بن الوليد، قالوا: أخبرنا يحيى بن سعيد، حدثنا سفيان، حدثنا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس وعائشة ﵃: «أن أبا بكر الصديق ﵁ قبل النبي ﷺ بعد ما مات» .
أخرجه البخاري في «صحيحه» عن عبد الله بن أبي أنيسة، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان به.
ولما توفي رسول الله ﷺ وارتفعت الرنة، دهش الناس وطاشت عقولهم، وانجمعوا واختلطوا، فمنهم من خبل، ومنهم من أصمت، ومنهم من أقعد إلى الأرض.
فكان عمر ﵁ ممن خبل، فجعل يحلف ويصيح: ما مات رسول الله ﷺ.
[ ١٣٥ ]
وكان ممن أقعد علي ﵁ فلم يستطع حراكًا.
وكان ممن أخرس عثمان بن عفان ﵁ حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلامًا.
وأما عبد الله بن أنيس ﵁ فأضنى حتى مات كمدًا.
وبلغ أبا بكر الخبر وهو بالسنح، فأقبل وعيناه تهملان، وزفراته تتردد في صدره وغصة ترتفع كقطع الجرة وهو في ذلك جلد العقل والمقالة، حتى دخل على رسول الله ﷺ فأكب عليه، وكشف عن وجهه ومسحه، وقبل جبينه، وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحدٍ من الأنبياء، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، ولولا أن موتك كان اختيارً لجدنا لموتك بالنفوس، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك الشؤون، فأما ما لا نستطيع نفيه، فكمدٌ وإدنافٌ يتحالفان لا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك، فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة. اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا.
ثم خرج لما قضى الناس عبراتهم، وقام خطيبًا بخطبةٍ جلها الصلاة على النبي ﷺ، وقال فيها:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم أنبيائه، وأشهد أن الكتاب كما أنزل، وأن الدين كما شرع، وأن الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحق المبين، -في كلام طويل-.
ثم قال ﵁: أيها الناس! من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لم يموت، إن الله قد تقدم لكم في أمره
[ ١٣٦ ]
فلا تدعون جزعًا، وإن الله تعالى قد اختار لنبيه ﷺ ما عنده على ما عندكم، ما عندكم ينفد وما عند الله باق، وقبضه إلى ثوابه، وخلف فيكم كتابه، وسنة رسوله، فمن أخذ بهما عرف، ومن فرق بينهما أنكر، يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يلفتنكم عن دينكم، وعاجلوا الشيطان بالخزي تعجلوه، ولا تستنظروه فيلحق بكم.
ولما مات ﷺ قالوا: والله لا يدفن وما مات، وإن لحي يوحى إليه، فأخروه حتى أصبحوا من يوم الثلاثاء.
وقال العباس ﵁: إنه قد مات، وإني لأعرف منه موت بني عبد المطلب، وكان قد قال أيضًا: إن ابن أخي قد مات لا شك، وهو من بني آدم يأسن كما تأسنون، فواروه.
وكان مما زاد العباس ﵁ يقينًا بموته ﷺ، أنه رأى قبل ذلك بيسير، كأن القمر رفع من الأرض إلى السماء، فقصها على النبي ﷺ!! فقال ﷺ: «هو ابن أخيك» .
وقال القاسم بن محمد: ما دفن رسول الله ﷺ حتى عرف الموت في أظفاره، ثم أخذ الناس في جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء.
وولي غسله وتكفينه العباس وعلي والفضل وقثم وأسامة وشقران رضوان الله عليهم، ونادى أوس بن خولي –أحد بني عوف بن الخزرج- فقال: أنشدك الله يا علي، وحظنا من رسول الله ﷺ، فقال: ادخل، فدخل وجلس وحضر غسله ﷺ.
وغسله ﷺ علي والعباس، وابناه الفضل وقثم يقلبونه معه، وأسامة وشقران يصبان عليه الماء، وعلي يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيًا وميتًا.
[ ١٣٧ ]
كتب إلينا عبد المعز بن محمد –من هراة- يخبرنا أن تميم بن أبي سعيد أخبره قراءةً عليه، وأخبرنا عن عبد المعز الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله، أخبرنا علي بن أحمد، أخبرنا محمد بن أحمد، أخبرنا أبو حاتم الحافظ، أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا هناد بن السري، حدثنا عبدة بن سلميان، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت:
«لما أجمعوا لغسل رسول الله ﷺ اختلفوا بينهم، فقالوا: والله ما ندري، أنجرد رسول لله ﷺ كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟
قالت: فأرسل الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في
[ ١٣٨ ]
صدره، ثم نادى منادٍ من جانب البيت ما يدرون ما هو: أن اغسلوا رسول الله ﷺ وعليه قميصه.
قالت: فوثبوا وثبة رجل واحدٍ، فغسلوا رسول الله ﷺ وعليه قميصه، يصبون عليه الماء ويدلكونه من وراء القميص، وكان الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب أسنده إلى صدره.
قالت: فما رئي من رسول الله ﷺ شيء مما يرى من الميت» .
وكان ذلك من كراماته ﷺ وآيات نبوته بعد الموت، فقد كان له ﷺ كراماتٌ ومعجزاتٌ في حياته، وقبل مولده، وبعد وفاته.
وروى أبو عمر بن عبد البر حافظ أهل المغرب، أن أهل بيته سمعوا وهو مسجى قائلًا يقول: السلام عليكم يا أهل البيت، إن في الله عوضًا من كل تالف، وخلفًا من كل هالك، وعزاءً من كل مصيبة، فاصبروا واحتسبوا إن الله مع الصابرين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال: فكان يرون أنه الخضر ﵇.
[ ١٣٩ ]
ومما أظهره الله عز جل من كراماته ﷺ بعد موته، أن الفضل لما كان مع علي ﵄ يصب عليه الماء، جعل الفضل يقول: أرحني أرحني، فإني أجد شيئًا يتنزل على ظهري.
ومنها: أنه ﷺ لم يظهر منه شيءٌ مما يظهر من الموتى، ولا تغيرت له رائحة، وقد طال مكثه في البيت قبل أن يدفن، فكان ﷺ طيبًا حيًا وميتًا.
ومنها: أنه ﷺ سجته الملائكة.
ومنها: ما رواه يونس بن بكير في «السيرة» أن أم سلمة ﵂ قالت: وضعت يدي على رسول الله ﷺ وهو ميت، فجرت علي جمعٌ لا آكل ولا أتوضأ، إلا وجدت ريح المسك في يدي.
ومنها: أن عليًا ﵁ نودي وهو يغسله: أن ارفع طرفك إلى السماء.
ومنها: أن عليًا والفضل ﵄ لما انتهيا في الغسل إلى أسفله، سمعوا مناديًا يقول: لا تكشفوا عن عورة نبيكم ﷺ.
وروينا من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه ﵄ أن النبي ﷺ غسل من بئر غرس، وهي بئرٌ معروفةٌ من آبار المدينة، بغين معجمة مفتوحة وراء ساكنة، وبعدها سين مهملة.
قال الواقدي ﵀: كانت منازل بني النضير بناحية الغرس.
فلما فرغ من غسله كفن ﷺ، والاختلاف في كفنه كم كان ثوبًا، وفي الذين دخلوا قبره ونزلوا: كثير.
وأصح ما روي في ذلك: أنه كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، وأنها كانت من كرسف، -والكرسف القطن- وقد جعله وصفًا للثياب وإن
[ ١٤٠ ]
لم يكن مشتقًا، لقولهم: مررت بحية ذراع، وإبل مئة، ونحو ذلك.
كما أخبرنا الحسين بن هبة الله، أخبرنا أبو الحسين هبة الله، أخبرنا علي بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو بكر الميانجي، أخبرنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا المؤمل، حدثنا سهيل ابن حبيب الأنصاري أبو محمد المؤدب، حدثنا عاصم بن هلال، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال:
«كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية» .
حديثٌ صحيحٌ، ورويناه في «صحيح البخاري» من حديث عروة عن عائشة ﵂، «في ثلاثة أثواب بيض سحول كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة» .
وفي بعض الروايات: «في ثلاثة أثواب بيض سحولية، أدرج فيها إدراجًا» .
وروى الزهري: «أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب أحدها برد حبرة»، ولكنه مرسلٌ لا تقوم به حجةٌ.
كما أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي ﵀، أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق بن
[ ١٤١ ]
يوسف، والكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج، أخبرنا أبو عبد الله هبة الله بن أحمد بن محمد الموصلي، أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، أخبرنا أبو يحيى عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: أخبرني علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب –وكان أقصد أهل بيته وأحسنهم طاعة- «أن رسول الله ﷺ كفن
[ ١٤٢ ]
في ثلاثة أثواب: أحدها برد حبرة، وأنهم لحدوا له في القبر ولم يشقوا» .
قال مكحول ﵀: أخطأ الزهري وأصاب، حدثنا عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ: أنه كفن في ثلاثة أثواب رباط يمانية. وسمعنا أنهم جاءوا ببرد حبرة، ثم ردوه.
وقال ابن إسحاق ﵀: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب، ثوبين صحاريين، وبرد حبرة أدرج فيه إدراجًا.
كما حدثني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، والزهري عن علي بن الحسين.
ووقع في «السيرة» من غير رواية البكائي: أنها كانت إزارًا ورداءً ولفافة، وهو موجود في كتب الحديث، وفي الشروحات، وكان ثوبه الذي غسل ﷺ من قطن.
قوله: (سحولية) هو بفتح السين وضمها، فمن فتحها فهي نسبة إلى السحول، وهو القصار، لأنه يسحلها أي يغسلها، أو نسبة إلى سحول، وهي قرية باليمن.
وبالضم هو جمع: سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، وفي هذه النسبة شذوذ لأنها نسبة إلى الجمع، وقيل: اسم القرية بالضم أيضًا.
وصحار قرية باليمن ينسب إليها الثوب، بضم الصاد، وقيل: هو من الصحرة، وهي حمرةٌ خفية كالغبرة، يقال: ثوب أصحر، وصحاري.
والريطة كل ملاءة ليست بلفقين، وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع ريطٌ ورياطٌ.
(وبرد حبرة) بوزن عنبة، على الوصف والإضافة، وهو بردٌ يمان،
[ ١٤٣ ]
والجمع حبرٌ وحبرات، وهو الموشى المخطط، والله سبحانه أعلم.
فلما فرغ من غسله وتكفينه، اختلفوا في دفنه ﷺ؟ فقال قائلٌ: ندفنه في مسجده، وقال قائلٌ: ندفنه مع أصحابه.
وقال أبو بكر الصديق ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض» .
أخبرنا أبو القاسم بن أبي الحسن في إذنه، أنبأنا محمد بن عمر القاضي، أخبرنا عبد الصمد بن علي الهاشمي، أخبرنا علي بن عمر السكري، حدثنا جعفر بن محمد بن الصباح، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، عن ابن
[ ١٤٤ ]
إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض» .
أخرجه الترمذي في «جامعه» أتم من هذا.
كما أخبرنا محمد بن الحسين، أخبرنا محمد بن أسعد، أخبرنا الحسين بن مسعود، أخبرنا أبو محمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب (ح) وأخبرنا أبو المنجى عبد الله بن عمر بخطه، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الله ابن محمد بن منصور، أخبرنا عبد الجبار بن محمد بن عبد الله، أخبرنا
[ ١٤٥ ]
محمد بن أحمد بن محبوب، قالا: أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى، أخبرنا أبو بكر محمد بن العلاء، حدثنا أبو معاوية، عن عبد الرحمن بن أبي بكر –هو المليكي- عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر ﵁: سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا ما نسيته قال: «ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه» .
ادفنوه في موضع فراشه. فرفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفي عليه فحفر تحته.
أخبرنا جدي ﵀ قراءةً، أنبأنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن عبد السلام بن أحمد الأنصاري، أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان، أخبرنا أبو بكر مكرم بن أحمد بن محمد بن مكرم القاضي البزاز، حدثنا عبد الله بن روح المدائني، حدثنا سلمان بن سليمان، حدثنا سوادة بن
[ ١٤٦ ]
سلمة بن نبيط، عن أبيه سلمة بن نبيط، عن نبيط بن شريط، عن سالم بن عبيد الأشجعي، قال: لما مات رسول الله ﷺ كان أجزع الناس كلهم عليه عمر بن الخطاب ﵀.
قال: فأخذ بقائم سيفه قال: لا أسمع أحدًا يقول: مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي.
قال: فقال الناس: يا سالم! اطلب لنا صاحب رسول الله ﷺ، فخرجت إلى المسجد، فإذا أنا بأبي بكر رضوان الله عليه، فلما رأيته أجهشت بالبكاء، فقال لي: مالك يا سالم! أمات رسول الله ﷺ؟!
فقلت: إن هذا عمر يقول: لا أسمع أحدًا يقول: مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا.
قال: فأقبل أبو بكر ﵁ حتى دخل، فلما رآه الناس أوسعوا له، فدخل على النبي ﷺ وهو مسجى، فرفع الثوب عن وجهه ووضع فاه على فيه واستنشأ الريح، ثم سجاه والتفت إلينا فقال: ﴿وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبل الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾، وقال جل وعز: ﴿إنك ميتٌ وإنهم ميتون﴾ .
يا أيها الناس! من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا ﷺ قد مات.
قال عمر ﵁: فوالله لكأني لم أقرأ هؤلاء الآيات قط.
قالوا: يا صاحب رسول الله! أمات رسول الله ﷺ؟! قال: نعم مات، قالوا: يا صاحب رسول الله! فمن يغسله؟ قال: رجالٌ من أهل بيته الأدنى
[ ١٤٧ ]
فالأدنى، قالوا: يا صاحب رسول الله! ﷺ فأين ندفنه؟ قال: ادفنوه في البقعة التي قبضه الله ﷿ فيها، لم يقبضه إلا في أحب البقاع إليه.
فلما أرادوا أن يحفروا له؛ دعا العباس ﵁ رجلين، ثم قال: اذهب أنت إلى أبي عبيدة، واذهب أنت إلى طلحة، اللهم خر لرسولك ﷺ، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فلحد لرسول الله ﷺ، وكان أبو طلحة يلحد لهم، وكان أبو عبيدة يضرح لأهل المدينة.
أخبرنا محمد بن هبة الله الفقيه القاضي ﵀، أخبرنا علي بن الحسن الحافظ، أخبرنا أبو محمد السيدي الفقيه، أخبرنا أبو عثمان البحيري، أخبرنا أبو علي الفقيه السرخسي، أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد، أخبرنا أبو مصعب، حدثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «كان بالمدينة رجلان: أحدهما يلحد، والآخر لا يلحد، فقالوا: أيهما جاء أول عمل عمله، فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله ﷺ» .
اسم أبي طلحة: زيد بن سهل، واسم أبي عبيدة: عامر.
واللحد: الشق الذي يعمل في جانب القبر لموضع الميت، وسمي لحدًا لأنه أميل عن وسط القبر إلى جانبه، يقول: لحدت وألحدت، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن الشيء.
[ ١٤٨ ]
والضريح: فعيل بمعنى مفعول، من الضرح يعني: الشق في الأرض، والضريح أيضًا: البيت الذي في السماء بحيال الكعبة، من المضارحة وهي المقابلة والمضارعة، وهو الضراح أيضًا، ومن رواه بالصاد مهملة فقد صحف، والله أعلم.
أخبرنا إسماعيل بن ظفر –من طرق قراءةً- قال: أخبرنا أحمد بن محمد، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أحمد بن عبد الله، أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرنا يونس، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ ألحد له» .
ولما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، وضع ﷺ على سريره في بيته، ثم دخل الناس يصلون عليه أرسالًا، الرجال حتى إذا فرغوا أدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس في الصلاة على رسول الله ﷺ أحدٌ.
[ ١٤٩ ]
وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لما صلي على رسول الله ﷺ، أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالًا حتى فرغوا، ثم النساء فصلين عليه، ثم الصبيان فصلوا عليه، ثم العبيد فصلوا عليه، لم يؤمهم أحدٌ.
قال الشافعي ﵀: وذلك لعظم أمر رسول الله ﷺ بأبي أنت وأمي، وتنافسهم في أن لا يتولى الإمامة في الصلاة عليه أحد، وصلوا عليه مرةً بعد مرة، وكان أول من دخل للصلاة عليه ﷺ بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم بعدهم الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان، ودخل أبو بكر وعمر ﵄ ومعهما نفرٌ من المهاجرين والأنصار.
فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسلم الناس كما سلما، ثم قالا: نشهد أن قد بلغ ما أنزل الله، ونصح لأمته وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته، فاجعلنا يا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى يعرفنا وتعرفه بنا، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، لا نبتغي بالإيمان بدلًا، ولا نشتري به ثمنًا أبدًا.
فقال الناس: آمين آمين.
ثم دخل الناس بعدهم فوجًا بعد فوج، فصلوا عليه لم يؤمهم أحدٌ، لأنه ﷺ كان إمام الأمة حيًا وميتًا.
قال الشيخ أبو القاسم ﵀: ولا تكون صلاتهم عليه أفرادًا إلا عن توقيفٍ، وهو خصوصٌ به ﷺ.
ووجه الفقه فيه: أن الله سبحانه افترض عليه الصلاة بنص القرآن وحكم الصلاة التي تضمنتها الآية أن لا تكون بإمام، والصلاة عليه عند موته داخلةٌ في لفظ الآية، وهي متناولةٌ لها، وللصلاة عليه على كل حال، وأيضًا فإن الرب ﷾ قد أخبر أنه يصلي عليه وملائكته، فإذا الرب سبحانه هو المصلي والملائكة قبل المؤمنين، وجب أن تكون صلاة المؤمنين تبعًا لصلاة الملائكة، وأن تكون الملائكة هم الإمام والأمام.
وقد روى الطبراني في ذلك حديثًا مسندًا فيه طول: أنه ﷺ أوصى
[ ١٥٠ ]
بذلك، ورواه البزار من طريق مُرَةَ، عن ابن مسعود ﵁.
قلت: وليس في «الصحيح» من الحديث ما يشهد لما روياه –على ما لا يخفى- ولا ما يعضده، والله سبحانه أعلم.
ثم دفن ﷺ ونزل في قبره أربعة، اثنان متفق عليهما، وهما علي والفضل، واثنان مختلف فيهما، قيل: العباس وعبد الرحمن بن عوف، وقيل: قثم وأسامة بن زيد.
أخبرنا أبو عبد الله ابن أبي بكر قراءةً بدمشق، وأبو بكر ابن محمد بيده ببغداد بعد خطه منها وبها قالا: أخبرنا طاهر بن محمد، أخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو بكر الحيري، أخبرنا أبو العباس
[ ١٥١ ]
الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «سل رسول الله ﷺ من قبل رأسه» .
وقد عد ابن إسحاق فيمن لحد رسول الله ﷺ مولاه شقران، واسمه صالح، وكان قد شهد بدرًا قبل أن يعتق، وكان عبدًا حبشيًا لعبد الرحمن بن عوف، فوهبه لرسول الله ﷺ فأعتقه، وقيل: كان أوس بن خولي معهم أيضًا، ونضد في قبره تسع لبناتٍ نصبن عليه نصبًا، وهالوا التراب على لحده، وكان قثم آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ، لأنه كان آخر الذين دخلوا قبره خروجًا منه، ذكر ذلك ابن عباس ﵄ وغيره.
قال ابن عبد البر ﵀: وقد ذكر عن المغيرة بن شعبة في ذلك خبرٌ لا يصح، أنكره أهل العلم ودفعوه.
قال: وطرح في قبره سمل قطيفةٍ كان يلبسها، فلما فرغوا من وضع اللبن أخرجوها.
أخبرنا يعيش بن علي النحوي قراءةً بحلب، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن محمد الخطيب، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن
[ ١٥٢ ]
عبد القادر بن محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن المهتدي بالله، حدثنا الحسين بن علي بن محمد النيسابوري، حدثني أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الواسطي، حدثنا محمد بن سليمان لوين، حدثنا أبو معشر البراء، عن يونس بن عبيد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: «دخل قبر النبي ﷺ أربعة، وبسط تحته قطيفةٌ حمراء» .
[ ١٥٣ ]
القطيفة: كساءٌ له خملٌ، قوله: (سمل قطيفة) أي خلق قطيفة، والسمل: الخلق من الثياب، وقد سمل الثوب وأسمل، إذا صار خلقًا.
حدثنا أبو موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي ﵀، أن أبا الحسن مسعود بن أبي منصور بن الحسن أخبره قراءةً، أخبرنا الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، أخبرنا الحافظ أبو نعيم، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري، حدثنا محمد بن أبي العوام، قال: حدثنا [أبو] عاصم، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن أبي مرحب أو ابن
[ ١٥٤ ]
أبي مرحب قال: «دخلوا أربعة قبر النبي ﷺ فيهم عبد الرحمن بن عوف» .
قوله: (دخلوا أربعة) يجوز على لغة من قال: أكلوني البراغيث، أو على البدل، من قوله سبحانه: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾، والله أعلم.
أخبرنا محمد بن عبد الله أبو عبد الله النحوي ﵀، قال: أخبرنا عبد المعز بن [محمد بن] أحمد أجازنيه، أخبرنا تميم بن أبي سعيد، أخبرنا علي بن محمد، أخبرنا محمد بن أحمد، أخبرنا أبو حاتم الحافظ، أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، أخبرنا مجاهد بن موسى، حدثنا شجاع بن الوليد، حدثنا زياد بن خيثمة قال: حدثني إسماعيل السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
[ ١٥٥ ]
«دخل قبر النبي ﷺ العباس وعلي والفضل، وسوى لحده رجل من الأنصار» .
وروى جابر بن عبد الله ﵄: «أن النبي ﷺ ألحد له ونصب عليه اللبن نصبًا، ورفع قبره عن الأرض نحوًا من شبر» .
وقال ابن عبد البر ﵀: جعل قبر النبي ﷺ مسطوحًا. وسنذكر الخلاف في صفة قبره ﷺ، فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وروى جابر ﵁ قال: «رش قبر النبي ﷺ، وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربةٍ، بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرحه بالماء إلى الجدار»، لم يقدر على أن يدور من الجدار، لأنهم جعلوا بين قبره ﷺ وبين حائط القبلة نحوًا من سوط.
قال عروة ﵀: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين، ودفن في آخر الليل من ليلة الأربعاء، أو مع الصبح.
وقال عكرمة ﵀: دفع من وسط الليل ليلة الأربعاء.
وقال القاسم ﵀: ما دفن رسول الله ﷺ حتى عرف الموت في أظفاره.
وتوفي ﷺ حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، عن ثلاث وستين سنة من عمره، وكمل له بالمدينة من يوم دخوله إلى يوم وفاته ﷺ عشر سنين كوامل، وكان بدء مرضه يوم الأربعاء لاثنتين بقيتا من صفر، وقيل لواحدة، وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يومًا.
وحكى أبو القاسم في كتابه أن في «مراسيل الحسن»؛ أنه ﷺ مرض عشرة أيام، وصلى أبو بكر ﵁ بالناس تسعة أيام، ثم خرج رسول الله ﷺ في اليوم العاشر منها، قال: وكانت وفاته في شهر أيلول.
[ ١٥٦ ]
أخبرنا أبو نصر الفقيه، قال: أخبرنا أبو القاسم الحافظ، أخبرنا أبو محمد الفقيه، أخبرنا أبو عثمان البحيري، أخبرنا أبو علي الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب الزهري، حدثنا مالك أنه بلغه أن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ كانت تقول: «ما صدقت بموت النبي ﷺ حتى سمعت صوت وقع الكرازين» .
الكرازين: جمع كرزنٍ، وهو الفأس.
ويقال فيه بالفتح والكسر، وتجمع على: كرازن أيضًا، والله سبحانه أعلم.
أخبرنا إسماعيل بن ظفر أبو طاهر قراءةً، أخبرنا أبو المكارم ابن اللبان قراءةً بأصبهان، أخبرنا الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا أبو محمد بن جعفر، حدثنا أبو بشر بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: قالت لي فاطمة رضوان الله عليها: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟!
[ ١٥٧ ]
صحيح أخرجه البخاري في «الصحيح» .
قال ثابت: وقالت فاطمة ﵂ ورسول الله ﷺ في الموت أو قالت –وهو ثقيل-: واأبتاه، إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه، من ربه ما أدناه، يا أبتاه، جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه.
وقد رويناه في «صحيح البخاري» موصولًا.
كما أخبرنا أبو ذر سهيل بن [محمد بن] عبد الله الطائي البوشنجي –منها- وجماعة غيره بغيرها في إذنهم، قالوا: أخبرنا ابن أبي مريم، أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: «لما ثقل رسول الله ﷺ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة: واكرباه، فقال لها: «ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم» فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة ﵂: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب»؟!
قوله: (ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم) يعني –والله أعلم- أنه بمجرد انتقاله من الدنيا، لا يصيبه نصبٌ ولا وصبٌ يجد له ألمًا، لأنه يفضي إلى دار الكرامة والعافية، والراحة والسلامة الدائمة ﷺ.
قال ابن عباس ﵄: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، ونبئ
[ ١٥٨ ]
يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين.
قال أبو القاسم ﵀: واتفقوا أنه ﷺ توفي يوم الاثنين، قالوا كلهم وفي ربيع الأول، غير أنهم قالوا أو قال أكثرهم: في الثاني عشر من ربيع الأول، ولا يصح أن يكون توفي في يوم الاثنين إلا في الثاني من الشهر، والثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، وهو التاسع من ذي الحجة، فدخل ذو الحجة يوم الخميس، فكان المحرم، إما الجمعة، وإما السبت، فإن كان الجمعة، فقد كان صفرًا إما السبت وإما الأحد، فإن كان السبت، فقد كان ربيع الأول إما الأحد وإما الاثنين، فكيف ما دارت الحال على هذا الحساب، فلم يكن الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين بوجه.
وذكر الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنفٍ أنه ﷺ توفي في الثاني من ربيع الأول، وهذا القول وإن كان خلاف قول الجمهور –كذا هو أوجه عندي-، فإنه لا يبعد إن كانت الثلاثة الأشهر التي قبلها من تسعة وعشرين، فتدبره فإنه صحيح.
ولم أر أحدًا تفطن له، وقد رأيت الخوارزمي حكى أنه ﷺ توفي أول يوم من ربيع الأول، وهذا أقرب إلى القياس مما ذكره الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف، والله سبحانه أعلم.
وكان موته ﷺ خطبًا كالحًا، ورزءًا لأهل الإسلام فادحًا، كادت تهد له الجبال وترجف الأرض، وتكسف النيرات لانقطاع خبر السماء وفقد من لا عوض منه، مع ما آذن به موته ﷺ من إقبال الفتن السحم.
فلولا ما أنزل الله سبحانه من السكينة على المؤمنين، وأسرج في
[ ١٥٩ ]
قلوبهم من نور اليقين، وشرح له صدورهم من فهم كتابه المبين، لانقصفت الظهور، وضاقت عن الكرب الصدور، ولعاقهم الجزع عن تدبير الأمور، فقد كان الشيطان أطلع إليهم رأسه، ومد إلى إغوائهم مطامعه، فأوقد نار الشنآن ونصب راية الخلاف، لكن أبى الله إلا أن يتم نوره، ويعلي كلمته، وينجز موعوده، فأطفأ نار الردة، وحسم مادة الخلاف والفتنة على يد الصديق ﵁، ولذلك قال أبو هريرة ﵁: لولا أبو بكر، لهلكت أمة محمد ﷺ بعد نبيها.
وروينا عن عائشة ﵂ قالت: «لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقدهم نبيهم ﷺ» .
وقالت أيضًا ﵂: «توفي رسول الله ﷺ، فلو نزل بالجبال الصم ما نزل بأبي لهاضها، ارتدت العرب، واشرأب النفاق، فما اختلفوا في نقطةٍ إلا طار أبي يخطها وعنا بها» .
الارتداد: الرجوع إلى الكفر بعد الإسلام –أعاذنا الله منه-، ومعنى (اشرأب) أي ارتفع وعلا، ونجم النبت ينجم إذا طلع، وكل ما طلع وظهر فقد نجم، وخص ما لا يقوم على ساق من النبات باسم النجم، كما خص القائم منه على ساق باسم الشجر.
قولها «في نقطة»: أي في أمرٍ وقضية، وهو بالنون، وقيده الهروي بالباء الموحدة، وأخذ عليه.
قال بعض المتأخرين: المضبوط عند علماء النقل أنه بالنون، وهو من كلامٍ مشهورٍ، ويقال عند المبالغة في الموافقة، وأصله في الكتابين يقابل أحدهما بالآخر فيقال: ما اختلفا في نقطة، يعني من نقط الحروف والكلمات، أي بينهما من الاتفاق ما لم يختلفا معه في هذا القدر اليسير.
وقولها: لهاضها، يقال: هاض العظم يهيضه هيضًا إذا كسره بعد
[ ١٦٠ ]
الجبور فهو مهيض، وهو أشد لوجعه، وكل وجعٍ على وجعٍ فهو هيض، ويقال: هاضني الشيء إذا رده في مرضه، والله أعلم.
أخبرنا أبو عبد الله ابن أبي الفضل قال: أخبرنا أبو روح بن محمد بن أبي الفضل وأجازنيه، قال أبو القاسم: أخبرنا أبو الحسن البحاثي، أخبرنا محمد بن أحمد الزوزني، أخبرنا أبو حاتم الحافظ، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبيد بن فياض بدمشق، قال حدثنا هشام، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني عبد الله بن العلاء بن زبرٍ، أنه سمع بشر بن عبيد الله يحدث، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: «أتيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في خباءٍ من أدم، فجلست في فناء الخباء، فسلمت فرد، وقال: ادخل يا عوف، فقلت: كلي، قال: كلك، فدخلت فوافقته يتوضأ، ثم قال: احفظ خلالًا ستًا بين الساعة، إحداهن موتي. قال عوف: فوجمت عندها وجمة
[ ١٦١ ]
شديدة، فقال رسول الله ﷺ قل إحدى، فقلت: إحدى، ثم قال: فتح بيت المقدس، ثم يظهر فيكم داءٌ، ثم استفاضة المال فيكم حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة تكون بينكم، لا تبقي بيت مؤمن إلا دخلته، ثم صلح يكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون بكم، فيسيرون إليكم في ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» .
(الغاية والراية سواء، ومن رواه بالباء الموحدة معناه الأجمة، فشبه كثرة رماح العسكر بها.
قوله: (فوجمت وجمة)، الواجم الساكت لأمر يكرهه كالمهتم به، وقال ابن الأعرابي: وجم بمعنى حزن، يقال: وجم يجم وجومًا.
وقد روينا في «صحيح البخاري» بأسانيدنا قال: حدثنا الحميدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، قال: سمعت بشر بن عبيد الله، أنه سمع أبا إدريس، قال: سمعت عوف بن مالك قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: «اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم»، وذكر الحديث.
قوله: (موتان) هو بضم الميم وسكون الواو، على وزن بطلان، الموت الكثير الوقوع.
(وقعاص الغنم) داءٌ يأخذ الغنم لا يلبثها أن تموت، والله سبحانه أعلم.
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي بكر قراءةً بدمشق، وأبو بكر محمد بيده وإذنه ببغداد، قالا: أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا مكي. (ح) وأنبأنا
[ ١٦٢ ]
أبو المعالي علي بن محمود بن علي الشعري –في كتابه من هراة- قال: أخبرنا السيد أبو الحسن علي بن حمزة الموسوي قراءةً، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي العميري، قالا: أخبرنا أحمد بن الحسن، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: «لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية، سمعوا قائلًا يقول: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب» .
أخبرنا أبو القاسم بن أبي عبيد الله، أخبرنا أحمد بن محمد، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الحرقي، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله الترمذي، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن مرزوق بن دينار، أخبرنا عفان بن مسلم الصفار، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس
[ ١٦٣ ]
﵁: أن أبا بكر ﵁ كان رديف رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، قال: «فشهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يومًا قط كان أحسن ولا أضوء من يوم دخل علينا فيه، قال: وشهدته يوم موته فما رأيت يومًا كان قط أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ» .
أخبرنا أبو الغنائم المسلم بن أحمد بن علي المازني النصيبي، قال أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن بن إبراهيم، أخبرنا سهل بن بشر ابن أحمد، أخبرنا علي بن محمد بن علي، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الله الذهلي، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبدوس بن كامل، حدثنا محمد بن عباد، حدثنا سفيان، عن عمرو قال: قال ابن عمر ﵁: «ما وضعت لبنةً على لبنةٍ ولا غرست نخلةً منذ قبض رسول الله ﷺ» .
وقد رويناه بأسانيدنا في «صحيح البخاري» قال: أخبرنا علي بن عبد
[ ١٦٤ ]
الله، قال: حدثنا سفيان قال عمرو: قال ابن عمر: «والله ما وضعت لبنةً على لبنة ولا غرست نخلةً منذ قبض رسول الله ﷺ» .
قال سفيان: فذكرته لبعض أهله، قال: والله لقد بنى.
قال سفيان: قلت: لعله قال قبل أن يبني.
أخبرنا عبد الله بن الحسين، أخبرنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا محمد بن عمر بن جعفر، أخبرنا محمد بن عبيد الله، حدثنا أبو عثمان، أخبرنا جعفر بن سليمان، أخبرنا ثابت، عن أنس ﵁ قال: «ما نفضنا أيدينا عن رسول الله ﷺ إنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا» .
وحق لهم ولمن بعدهم ذلك، وكيف لا يكونون كذلك؟!
ومن العجيب كيف لم تتصدع قلوبهم بفقده، وتغط نفوسهم حزنًا عليه ﷺ، وتتفطر كبودهم أسفًا من بعده، وقد كانت مصيبتهم بموته المصيبة العظمى، ورزيتهم بوفاته الرزية الكبرى، ولم يروا خطبًا أفدح من رزئهم بفقدانه، ولا وجدوا مصيبةً أوجع لقلوبهم من مصيبتهم بعدمه بعد وجدانه!!
[ ١٦٥ ]
لانقطاع أخبار السماء، وعدم تنزل الملائكة صلى الله عليه وعليهم وسلم عليه بالأنباء.
وعلى ما شملهم به من رأفته بهم، ورحمته وشفقته عليهم، ونصيحته لهم وهدايته، ووسعهم من بره وعرفه، وعمهم من فضله ولطفه.
مع ما حباهم به على فرط الخصاصة من الإيثار، وهداهم من الضلالة؛ وبصرهم بعد العمى، وأنقذهم من النار، حتى صار لهم كالوالد المتحنن المشفق، والأب الحدب الذي يألم لما يألم له بنوه ويرأف.
فحق لقلوبهم أن تكمد، ولعيونهم حزنًا عليه أن لا تجمد، ولنيران أسفهم على فقده أن لا تخمد، وإن حمد الصبر في موطن مصيبة يومًا، فإن الصبر بمصيبة سيدنا أحمد ﷺ لا يحمد.
فالصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم
هذا جبريل قد قال له عند وفاته ﷺ: يا أحمد! هذا آخر وطئي في الأرض، ولا أنزل بعد اليوم أبدًا، إنما كنت أنت حاجتي من الدنيا.
أخبرنا أبو نصر الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم الحافظ (ح) ونبأني أبو الحسن الطوسي، قالا أخبرنا أبو محمد السيدي الفقيه، أخبرنا البحيري، أخبرنا السرخسي، أخبرنا الهاشمي، أخبرنا الزهري، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم: أن
[ ١٦٦ ]
رسول الله ﷺ قال: «ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي» .
أنشدنا أبو نصر عبد الرحيم بن محمد بن الحسن عم أبي رحمهما الله، بالعاصي، قال أنشدنا عمي الحافظ أبو القاسم ﵀ –في كتابه الذي صنفه في «الصبر والجلد، عند مصاب المرء المسلم بالولد»، بأسانيده فيه:
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها فاذكر مصابك بالنبي محمد
وقال أبو جعفر محمد بن علي ﵁: ما رئيت فاطمة ﵍ بعد وفاة النبي ﷺ ضاحكةً، ومكثت بعده ستة أشهر ﵂ وسلم عليها.
أخبرني محمد بن محمود النجار بخطه، أنبأنا أبو جعفر الواسطي، عن أبي طالب بن يوسف، أخبرنا أبو الحسين بن الأبنوسي، عن عمر بن شاهين، أخبرنا محمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الكاتب، حدثني طاهر بن يحيى، حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵇، قال: «لما رمس ﷺ جاءت فاطمة ﵂ فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر، فوضعت على عينها وبكت»، وأنشأت تقول:
ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام عدن لياليا
[ ١٦٧ ]
أخبرنا الشيخ أبو صادق الحسن بن يحيى ﵀ قراءة عليه، قال أخبرنا عبد الله بن رفاعة قراءة عليه، أخبرنا علي بن الحسن القاضي، أخبرنا شعيب بن عبد الله بن أحمد، أخبرنا أحمد بن الحسن بن إسحاق، عن عتبة الرازي، أخبرنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يخبر عن عائشة ﵂: «أنها رأت في المنام أنها سقط في حجرها، أو في
[ ١٦٨ ]
حجرتها ثلاثة أقمار، فذكرت ذلك لأبي بكر ﵁ فقال: خير.
قال يحيى: فسمعت بعد ذلك أن رسول الله ﷺ لما توفي دفن في بيتها، قال لها أبو بكر ﵂: هذا أحد أقمارك يا بنية، وهو خيرها» .
أخبرنا عتيق بن أبي الفضل ﵀، أخبرنا علي بن الحسن الحافظ، أخبرنا علي بن إبراهيم الخطيب، أخبرنا رشاء بن نظيف، أخبرنا الحسن بن إسماعيل، أخبرنا أبو بكر المالكي، حدثنا عامر بن عبد الله الزبيري، حدثنا مصعب بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن هشام بن عروة أنه أنشد هذه الأبيات لصفية بنت عبد المطلب ﵂ في رسول الله ﷺ يوم مات:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنت بنا برًا ولم تك جافيا
وكان بنا برًا رؤوفًا نبينا ليبك عليه اليوم من كان باكيا
كأن على قلبي لذكر محمد وما خفت من بعد النبي المكاويا
أفاطم صلى الله رب محمد على جدث أمسى بيثرب ثاويا
فدًا لرسول الله أمي وخالتي وعمي ونفسي قصرةً وعياليا
صدقت وبلغت الرسالة ناصحًا ومت صليب الدين أبلج صافيا
فلو أن رب الناس أبقاك بيننا سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية وأدخلت جنات من العدن راضيا
أرى حسنًا أيتمته وتركته يبكي ويدعو جده اليوم نائيا
[ ١٦٩ ]
وروي أن امرأة من المتعبدات جاءت إلى عائشة ﵂، فقالت لها: اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ، فكشفت لها عنه، فبكت حتى ماتت.
كتب إلينا أبو عبد الله بن أبي محمد الحافظ يخبرنا أن بعض شيوخه أنشده لبعض زوار النبي ﷺ:
أتيتك زائرًا وودت أني جعلت سواد عيني أمتطيه
ومالي لا أسير على جفوني إلى قبر رسول الله فيه؟!
قرئ على أبي البركات بن أبي عبد الله ﵀ وأنا أسمع، أنبأك أبو محمد السعدي (ح) حدثني أبو الحسن علي بن أحمد من لفظه قال: أخبرنا عبد القوي السعدي، أخبرنا ابن أبي الذيال، أخبرنا علي بن الحسن، أخبرنا أبو محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا البرقي، أخبرنا عبد الملك، عن أبي زيد الأنصاري، أن حسان بن ثابت ﵁ قال –يبكي رسول الله ﷺ -:
بطيبة رسمٌ للرسول ومعهدٌ منيرٌ وقد تعفو الرسوم وتهمد
[ ١٧٠ ]
ولا تمتحي الآيات من دار حرمة بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آثار وباقي معالم وربعٌ له مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده وقبرًا بها واراه في الترب ملحد
أطالت وقوفًا تذرف العين جهدها على طلل القبر الذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر النبي وبوركت بلادٌ ثوى فيها الرشيد المسدد
وبورك لحدٌ منك ضمن طيبًا عليه بناء من صفيح منضد
تهيل عليه الترب أيدٍ وأعين عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلمًا وعلمًا ورحمةً عشية علوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكي السموات يومه ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يومًا رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد
وروي أن فاطمة رضوان الله عليها، لما رجعت إلى بيتها بعد دفن رسول الله ﷺ، ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم، اجتمع إليها نساؤها فقالت:
اغبر آفاق السماء وكورت شمس النهار وأظلم العصران
فالأرض من بعد النبي محمدٍ أسفًا عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها ولتبكه مضرٌ وكل يمان
وليبكه الطود المعظم جوده والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه صلى عليك منزل الفرقان
[ ١٧١ ]
وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب –واسم أبي سفيان جعفر- يبكي رسول الله ﷺ:
أرقت فبات ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك مما أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبته وجلت عشية قيل قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا مما عراها تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه نفوس الناس أو كربت تسيل
نبي كان يجلو الشك عنا بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالًا علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذرٌ وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر وفيه سيد الناس الرسول.
أخبرنا أبو عبد الله الزبيدي، أخبرنا أبو الوقت الصوفي، أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، قال: «أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر –وذلك الغد من يوم توفي النبي ﷺ - فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا –يريد بذلك أن يكون آخرهم-، فإن يك محمدٌ ﷺ قد مات، فإن الله جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به بما هدى الله محمدًا ﷺ، وإن أبا بكر صاحب
[ ١٧٢ ]
رسول الله ﷺ ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه» .
حديث صحيح أخرجه البخاري في «مسنده» كما تراه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ فيما كان منه:
لعمري لقد أيقنت أنك ميتٌ ولكنما أبدى الذي قلته الجزع
وقلت: يغيب الوحي عنا لفقده كما غاب موسى ثم يأتي كما رجع
وكان هواي أن تطول حياته وليس لحي في بقا ميت طمع
فلما كشفنا البرد عن حر وجهه إذا الأمر بالجذع المرحب قد وقع
فلم يك لي عند المصيبة حيلة أرد بها أهل الشماتة والفزع
سوى آذن الله الذي في كتابه وما آذن الله العباد به يقع
وقد قلت من بعد المقالة قولة لها في حلوق الشامتين به بشع
ألا إنما كان النبي محمد إلى أجل وافى به الموت فانقطع
ندين على العلات منا بدينه ونعطي الذي يعطي ونمنع ما منع
ووليت محزونًا بعين سخينةٍ أكفكف دمعي والفؤاد قد انصدع
وقلت لعيني كل دمع ذخرته فجودي به إن الشجي له دفع
قوله: (بشع) شيء بشعٌ أي كريه يأخذ بالحلق فهو بين البشاعة، ورجلٌ بشعٌ بين البشع إذا أكله فبشع منه، واستبشع الشيء أي عده بشعًا.
وفي الحديث «كان رسول الله ﷺ يأكل البشع» أي: الخشن الكريه الطعم، يريد أنه لم يكن يذم طعامًا، والله سبحانه أعلم.
وروى أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خويلد، وقيل: ابن محرث قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليلٌ فاستشعرت حزنًا، فبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسي طولها، حتى كان قرب السحر، أغفيت فهتف بي هاتفٌ وهو يقول:
خطب أجل أناخ بالإسلام بين النخيل ومعقد الأطام
[ ١٧٣ ]
قبض النبي محمدٌ فعيوننا تذري الدموع عليه بالتسجام
قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعًا فنظرت في السماء، فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به ذبحٌ يقع في العرب، وعلمت أن النبي ﷺ قد قبض وهو ميتٌ من علته، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئًا أزجر به، فعن لي شيهمٌ –يعني: القنفذ- قد قبض على صل –يعني: الحية- فهي تلتوي عليه، والشيهم يقضمها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: شيهمٌ شيء مهمٌ، والتواء الصل: التواء الناس عن الحق القائم بعد رسول الله ﷺ، ثم أكل الشيهم إياها: غلبة القائم بعده على الأمر، فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطائر، فأخبرني بوفاته، ونعب غرابٌ سانح، فنطق مثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لي في طريقي، وقدمت المدينة ولها ضجيجٌ بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله ﷺ، فجئت المسجد فوجدته خاليًا، فأتيت رسول الله ﷺ فوجدت بابه مرتجًا، وقيل: هو مسجى قد خلا به أهله، فقلت: أين الناس؟ فقيل: في سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الأنصار.
فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وسالمًا ﵃ وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار وفيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأٌ منهم. فآويت إلى قريش، فتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب، فتكلم أبو بكر ﵁، فلله دره من رجلٍ لا يطيل الكلام، ويعلم مواقع فصل الخطاب، والله لقد تكلم بكلام، لا يسمعه أحدٌ إلا انقاد له ومال إليه، ثم تكلم عمر ﵁ بعده دون كلامه، ومد يده فبايعه وبايعوه، ورجع أبو بكر ﵁ ورجعت معه.
قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على [سيدنا] محمد رسول الله ﷺ وشهدت دفنه، ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي رسول الله ﷺ:
لما رأيت الناس في عسلانهم ما بين ملحود وبين مضرح
[ ١٧٤ ]
متبادرين لشرجع بأكفهم نص الرقاب لفقد أروع أروح
فهناك صرت إلى الهموم ومن يبت جار الهموم يبيت غير مروح
فتزعزعت أجبال يثرب كلها ونخيلها لحلول خطب مفدح
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها وتزعزعت ألهام بطن الأبطح
ولقد زجرت الطير قبل وفاته بمصابه وزجرت سعد الأذبح
وروى ابن هشام عن غير واحد من أهل العلم: أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله ﷺ هموا بالرجوع عن الإسلام، وأرادوا ذلك حتى خافهم عتاب بن أسيد، فتوارى، فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله ﷺ فقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوةً، فمن رابنا ضربنا عنقه.
فتراجع الناس وكفوا عن ما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد.
(أسيد) بفتح الهمزة، ذكر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري الحافظ في كتاب «الاستذكار»: ليس في المهاجرين أسيد، ولا في الأنصار أسيد، والله أعلم.
وهذا المقام لسهيل بن عمرو هو الذي أشار إليه ﷺ بقوله في قصته لعمر بن الخطاب –لما كثر عليه يوم الحديبة في أمره حيث رد إليه ولده أبا جندل، وقد جاء مسلمًا حيث كتب كتاب الصلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وشاقهم في أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ -، «إنه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمه» والله سبحانه أعلم.
قوله (شرجع) الشرجع: سرير الجنازة، والشرجع أيضًا: الطويل، ومطرقة مشرجعة: أي طويلة لا حروف لها، والله سبحانه أعلم.
ونقل أهل السير: أن سواد بن قارب الدوسي –قول ابن الكلبي،
[ ١٧٥ ]
السدوسي، في قول غيره –لما بلغه وفاة النبي ﷺ قام في الأزد.
فقال: يا معشر الأزد! إن من سعادة القوم أن يتعظوا بغيرهم، ومن شقائهم أن لا يتعظوا إلا بأنفسهم، وإنه من لم تنفعه التجارب ضرته، ومن لم يسعه الحق لم يسعه الباطل، وإنما تسلمون اليوم بما أسلمتم به أمس، وقد علمتم أن نبي الله ﷺ قد تناول قومًا أبعد منكم فظفر بهم، وأنه أوعد قومًا أكثر منكم فأخافهم ولم يمنعه منكم عدةً ولا عدد، وكل بلاء منسي إلا ما بقي أثره في الناس، ولا ينبغي لأهل البلاء أن يكونوا أذكر من أهل العافية للعافية، وإنما كف نبي الله ﷺ عنكم ما كفكم عنه، فلم تزالوا خارجين مما فيه أهل البلاء، داخلين فيما فيه أهل العافية، حتى قدم على رسول الله ﷺ خطيبكم ونقيبكم، فعبر الخطيب عن الشاهد، ونقب النقيب عن الغائب، ولست أدري لعله تكون للناس جولة، فإن تكن فالسلامة منها الأناة، والله يحبها فأحبوها، فأجابه القوم وسمعوا قوله، فقال في ذلك:
جلت مصيبتك الغداة سواد وأرى المصيبة بعدها تزداد
أبقى لنا فقد النبي محمدٍ صلى الإله عليه ما يعتاد
حزنًا لعمرك في الفؤاد مخامرًا أو هل لمن فقد النبي فؤاد
كنا نحل به جنابًا ممرعًا جف الجناب فأجدب الوراد
فبكت عليه أرضنا وسماؤنا وتصدعت وجدًا به الأكباد
قل المتاع به فكان عيانه حلمًا تضمن سكرتيه رقاد
كان العيان هو الطريف وحزنه باقٍ لعمرك في الفؤاد تلاد
إن النبي وفاته كحياته الحق حق والجهاد جهاد
لو قيل تفدون النبي محمدًا بذلت له الأموال والأولاد
وتسارعت فيه النفوس ببذلها هذا له الأغياب والأشهاد
هذا وهذا لا يرد نبينا لو كان يفديه فداه سواد
إني أحاذر والحوادث جمعة أمرًا لعاصف ريحه إرعاد
إن حل منه ما يخاف فأنتم للأرض إن رجفت بنا أطواد
لو زاد قوم فوق منية صاحب زدتم وليس لمنية مزداد
[ ١٧٦ ]