أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ. (ح) وقرئ على الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي، الحافظ المصنف ﵀، وأنا أسمع، أخبرك أبو جعفر الصيدلاني، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن فارس، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عاصم، حدثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر ﵄ كان يكره مس قبر النبي ﷺ.
فصل
قال شيخنا أبو عمرو ﵀: في «المبسوط» من علم مالك، عن مالك ﵁: أنه كره لأهل المدينة كلما دخل أحدهم وخرج الوقوف بالقبر، وقال: إنما ذلك للغرباء، ولا بأس لمن قدم منهم من سفرٍ أو خرج إلى سفرٍ أن يقف عند قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويسلم، ويدعو له ولأبي بكر ولعمر ﵄.
قيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفرٍ، ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرةً أو أكثر.
[ ٦٢ ]
فقال: لم يبلغني هذا عن أحدٍ من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسعٌ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره ذلك إلا لمن جاء منهم من سفر أو أراده.
قال الباجي: يفرق بين أهل المدينة والغرباء، لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها، وقد قال ﷺ:
«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
أخبرنا الحسين بن المبارك ﵀، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا محمد بن يوسف،
[ ٦٣ ]
أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عائشة وعبد الله بن عباس ﵄ قالا:
لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه، فقال –وهو كذلك-:
«لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
حديثٌ صحيح، وقد رويناه من طرقٍ، وفي روايات البخاري: «يحذر ما صنعوا» .
أخبرنا الشيخ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الفقيه الحافظ المصنف قراءةً عليه في آخرين رحمة الله عليهم أجمعين، أخبرنا أبو الحسن مؤيد بن محمد بن علي، وأجازنيه أبو الحسن، أخبرنا محمد بن الفضل، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا
[ ٦٤ ]
محمد بن عيسى، أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، قالا: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان، عن هلال بن أبي حميد، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه:
«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
قالت: «فلولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا» .
وفي رواية ابن أبي شيبة: «لولا ذلك»، لم يذكر «قالت» .
قال القاضي أبو الفضل ﵀: وتغليظه ﷺ في النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا، لما خشي من تفاقم الأمر، وخروجه عن حد المبرة إلى المنكر، وقد بينه ﷺ في قوله: «لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد» .
وأخبرنا الشيخ أبو الفتح نصر بن أبي الفرج بن علي بن محمد
[ ٦٥ ]
الحافظ ﵀ –في كتابه إلينا من حرم الله-، أخبرنا أبو طالب محمد ابن محمد بن أبي زيد العلوي قراءةً عليه، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن علي التستري، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، أخبرنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» .
[ ٦٦ ]
قال: وقد ذكر أن ذلك كان أصل عبادة الأصنام، فكانوا إذا مات فيهم نبيٌ أو رجلٌ صالح صوروا صورته، وبنوا عليها مسجدًا ليأنسوا برؤية صورته، ويعبدوا الله عنده، فمضت على ذلك أزامن، وجاء بعدهم خلفٌ رأوا أفعالهم وعبادتهم عند تلك الصور، ولم يفهموا غرضهم، وزين لهم الشيطان عملهم، وألقى إليهم أنهم كانوا يعبدونها فعبدوها.
قال: ويدل على صحة هذا المعنى، قوله ﷺ في الحديث الآخر:
«لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
أخبرنا الحسن بن محمد قراءة ﵀، حدثنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز، أخبرنا محمد بن [علي بن] عمرو، أخبرنا محمد بن يعقوب بن إسحاق، حدثنا أحمد بن محمد بن
[ ٦٧ ]
عمر، حدثنا العباس بن عبد الله، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثني ابن جريج، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ –في قول الله ﷿:
﴿ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ -.
قال: هذه أسماء رجال صالحين من أصحاب الأنبياء كانوا قبل نوح.
قال: فلما أن هلكوا؛ أوحى الشياطين إلى أوليائهم: انصبوا في مجالسهم أنصابًا وسموها بأسمائهم تذكرونهم بها.
قال: ففعلوا، فلم تعبد حتى هلك أولئك، فلما هلك أولئك ودرس العلم، عبدت.
قال: فأما «ود» فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما «سواع» فكانت لهذيل، وأما «يغوث» فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالخيف عند سبأ، وأما «يعوق» فكانت لمهران، وأما «نسر» فكانت لحمير، ثم لآل ذي كلاع.
قال أبو الفضل: ولهذا لما احتاج المسلمون إلى الزيادة في مسجد رسول الله لتكاثرهم، وامتدت الزيادة إلى أن دخل فيها بيوت أزواجه ﵅، ومنها بيت عائشة ﵂ الذي دفن فيه ﷺ، بني على قبره حيطان أحدقت به، لئلا يظهر في المسجد فيقع الناس فيما نهاهم عنه ﷺ من اتخاذ قبره مسجدًا، ثم إن أئمة المسلمين خشوا أن يتخذ موضع
[ ٦٨ ]
قبره قبلةً، إذ كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة صورة العبادة له، وربما وقع في نفوس الجهلة شيءٌ من ذلك، فرأوا بناء جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاويةٍ مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يمكن أحدًا استقبال موضع القبر عند صلاته، ولهذا قال في الحديث:
«ولولا ذلك لأبرز قبره ﷺ غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا» .
[ ٦٩ ]