فصل
ويتعلق بالزيارة جمعٌ من الآداب يشاركه فيها غيره، من أسفار القرب والمباحات؛ من الاستخارة، وتجديد التوبة، والخروج عن المظالم، واستحلال المعاملين، والتوصية، وإرضاء من يتوجب عليه إرضاؤه، وإطابة النفقة، والتوسعة في الزاد على نفسه ورفيقه وجماله، وعدم المشاركة فيه، وتوديع المنزل بركعتين، وتقديم الصدقة عند الخروج من منزله على المسير ولو قلت، وغير ذلك مما لا يختص هذا السفر لحصره، فلا نطول بذكره.
&فصل&
ليجتهد في إخلاص النية وتصحيح العقيدة في ذلك، فإنه ملاك الأمر وقد ورد عن رسول الله ﷺ في «الصحيحين» ما رويناه من طرق من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» .
وليحرص على تحصيل رفيق موافقٍ، رفيق راغبٍ في الخير، كاره للشر، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، جعلنا الله كذلك.
&فصل&
ثم ينوي زيارته ﷺ، فإنه من حج ولم يزره فقد جفاه، ولم يحسن
[ ١٩ ]
فيما أتاه، وكذلك من كان من جيرانه وساكني القرى التي بين الحرمين من لم يزره منهم من غير مانعٍ، فقد أساء فيما توخاه، فإنه ﷺ يستحق كما يقول الذي يقول:
لو جئتكم زائرًا أسعى على بصري لم أقض حقًا وأي الحق أديت
أخبرنا الشيخ أبو صادق الحسن بن يحيى بن صباح بن الحسن بن عثمان المخزومي المعدل –﵀- قراءةً عليه، بقيسارية دمشق، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن رفاعة بن عذير السعدي الفرضي قراءةً عليه أخبرنا أبو النعمان تراب بن عمر بن عبيد بن عباس العسقلاني، أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا عبيد بن محمد الوراق، حدثنا موسى بن هلال العبدي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:
«من زار قبري وجبت له شفاعتي» .
[ ٢٠ ]
كذا رواه الإمام أبو الحسن الدارقطني في «سننه» .
كما أخبرناه جدي الشيخ أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن قراءةً عليه ﵀، أخبرنا عمي أبو الحسين هبة الله بن الحسن بن هبة الله الفقيه الأصولي الحافظ، أخبرنا أبو الطاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الملك بن بشران، أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الحافظ، حدثنا القاضي المحاملي، حدثنا عبيد بن محمد الوراق، حدثنا موسى بن هلال العبدي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:
«من زار قبري وجبت له شفاعتي» .
[ ٢١ ]
وأخرجه الإمام أبو بكر البزار في «مسنده»، وكذلك رواه الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني في كتابه، عن أحمد بن علي بن خلف، عن أبي القاسم بن حبيب، حدثنا أبو بكر أحمد بن سعد بن نصر بن بكار، حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبيد الله، حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، عن موسى بن هلال العبدي، فذكره.
وكذلك رواه أبو بكر أحمد بن مروان المالكي في «مجالسته»، ورواه أبو داود سليمان بن داود الطيالسي في «مسنده» باختلافٍ في لفظه وزيادةٍ في معناه.
كما نبأني الشيخان أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة الفقيه المصنف الحنبلي، وأبو الطاهر إسماعيل بن ظفر بن أحمد بن إبراهيم المقدسيان، رحمهما الله، قال أبو محمد: أخبرنا أبو الفتح محمد
[ ٢٢ ]
بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان الحاجب قراءةً عليه، أخبرنا حمد ابن أحمد بن الحسن الحداد. وقال إسماعيل: أخبرنا أبو المكارم أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله اللبان، أخبرنا أبو [علي] الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد.
قالا: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الحافظ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن فارس، حدثنا أبو بشر يونس بن حبيب بن عبد القاهر العجلي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، حدثني رجلٌ من آل عمر، عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من زار قبري –أو قال: من زارني- كنت له شفيعًا، أو شهيدًا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله ﷿ من الآمنين يوم القيامة» .
[ ٢٣ ]
أخبرنا الشيخ أبو بكر عتيق بن أبي الفضل بن سلامة السلماني المعدل قراءةً عليه ﵀، أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن، (ح) وأخبرنا الحافظ أبو الحسن محمد بن أحمد بن أبي بكر قراءةً ﵀، أخبرنا أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي السلمي إجازةً، قالا: أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن إبراهيم خطيب دمشق، أخبرنا أبو الحسن رشأ بن نظيف بن ما شاء الله المقرئ، أخبرنا
[ ٢٤ ]
أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضراب، أخبرنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي، حدثنا زكريا بن عبد الرحمن النصري، حدثنا محمد بن الوليد، حدثنا وكيع بن الجراح، عن خالد، وابن عون، عن الشعبي والأسود بن ميمون، عن هارون بن قزعة، عن مولى حاطب، عن حاطب ﵁ قال: قال النبي ﷺ:
«من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين» .
أخبرنا الحسن بن محمد، أخبرنا علي بن الحسن، أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد، أخبرنا أحمد بن عبد الغفار بن أشته،
[ ٢٥ ]
أخبرنا أبو سعيد النقاش، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز حدثنا الحسن ابن الطيب البلخي، حدثنا علي بن حجر، حدثنا حفص بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» .
حديثٌ غريب من حديث ليث بن أبي سليم، عن مجاهد بن جبر المكي، عن عبد الله بن عمر، معدودٌ في أفراد ليث، وما هو مكان عهدته، ولكنها على الراوي عنه، وهو حفص بن سليمان، ويقال: حفص بن أبي داود الأزدي الكوفي البزاز القارئ المعروف: بحفيص، قارئ أهل الكوفة بعد عاصم بن أبي النجود، وهو ابن امرأة عاصم، كان ربيبه في حجره، وتلميذه في القراءة، والرواة عنه ربما سموه وربما كنوه، وكذلك أباه، وربما فعلوا ذلك في نسبه، فاشتبه ذلك على من لا علم له، ومن كثرة اختلافهم في ذلك صحف بعضهم
[ ٢٦ ]
«حفص» بـ «جعفر» بن سليمان، وإمامته في القراءة مشهورة، وربما انفرد عن عاصم بحروفٍ لا متابع له عليها من أصحاب عاصم، لكنها مأثورة.
وقد روى هذا الحديث الحسن بن الطيب، عن علي بن حجر فزاد فيه زيادة منكرة، قال فيه:
«من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وصحبني» .
تفرد بقوله: «وصحبني» الحسن بن الطيب، وفيه نظر، والله سبحانه أعلم. حكاه محمد بن يوسف ﵀.
أخبرنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الله بن رفاعة، أخبرنا علي بن الحسن، أخبرنا تراب بن عمر، أخبرنا علي بن عمر إملاءً، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد العبادي –من بني عبادة بن ربيعة في بني مرة بالبصرة-، حدثنا سلمة بن سالم الجهني –إمام مسجد بني حرام ومؤذنهم-، حدثنا
[ ٢٧ ]
عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«من جاءني زائرًا لم تنزعه حاجةٌ إلا زيارتي كان حقًا علي أن أكون له شفيعًا يوم القيامة» .
وقد رويناه من طرقٍ عدة، وفي إحدى روايات الدارقطني: «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» .
وفي أخرى: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة» .
وروينا من حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«من لم يزر قبري فقد جفاني» .
ومن حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«من زارني ميتًا فكأنما زارني حيًا، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر» .
كل ذلك قد رويناه بأسانيدنا، ولسنا نطول بإيراد طرقها، وتأليف مختلفها، وجمع مفترقها، إذ الغرض الاختصار، لا الإطالة والإكثار.
وعن كعب الأحبار ﵁ قال: «ما من فجرٍ يطلع إلا نزل
[ ٢٨ ]
سبعون ألفًا من الملائكة، حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ﷺ، حتى إذا أمسوا عرجوا، وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يزفونه، ﷺ» .
[ ٢٩ ]