فصل
ينبغي للزائر أن ينوي -مع التقرب إلى الله سبحانه بزيارته- التقرب بالمسافرة إلى مسجده ﷺ، وشد الرحال إليه، والصلاة فيه، لئلا يفوته ما دل عليه الحديث الصحيح:
«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» .
والحديث الآخر:
«صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف فيما سواه من المساجد» .
قال لنا شيخنا أبو عمرو ﵀: ولا يلزم من هذا خللٌ في زيارته على ما لا يخفى، والله أعلم.
[ ٣٠ ]
قرأت على الشيخ أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي إمام العصر، وفقيه أهل الشام ومصر، في آخرين –بالمعزية-، وأبي العباس أحمد بن عبد الله المقدسي المعروف –بصاحب البدوي- العبد الصالح ببيت المقدس، أخبرهم أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد قراءةً عليه فأقروا به، أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الشافعي، حدثنا أحمد بن عبيد الله –هو ابن إدريس-، حدثنا
[ ٣١ ]
يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ:
«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» متفقٌ عليه.
أخرجه البخاري في «مسنده» عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عبد الملك قال: سمعت قزعة قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يحدث عن النبي ﷺ، فذكره.
ورواه مسلم في «صحيحه» عن عمرو الناقد وزهير بن حرب، عن ابن عيينة وقال فيه: «مسجدي [هذا]، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» .
ورواه أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري وقال: فيه: «تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد» .
ورواه أيضًا عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن عبد الحميد بن جعفر، أن عمران بن أبي أنس حدثه، أن سلمان الأغر حدثه، أنه سمع أبا هريرة ﵁، فذكره.
وقال فيه: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا» .
[ ٣٢ ]
وقوله: «مسجد الحرام»، القول فيه كما في نظائر له، مثل قولهم: «دار الآخرة»، و«مسجد الجامع»، فعلى طريقة الكوفيين هو إضافة الموصوف إلى صفته، وهو عندهم سائغ، ولا يسوع ذلك البصريون، يقولون: تقديره «شهر الوقت الحرام»، و«مسجد المكان الجامع»، و«دار الحياة الآخرة»، والله أعلم.
أبو سلمة اسمه عبد الله، وقيل: لا يعرف له اسم، وهو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة الزهري الفقيه القرشي المدني.
وفي اسم أبي هريرة ﵁ واسم أبيه اختلافٌ كثير، قد نبهنا عليها في غير هذا الموضع، والله سبحانه أعلم.
وفي «الغريب»: «لا تشد الغرض إلا إلى ثلاثة مساجد»، والغرض: جمع غرضة، والغرض: الحزام الذي يشد على بطن الناقة وهو البطان، والمغرض: الموضع الذي يشد عليه.
وقوله: «لا تشد الرحال» معناه: أنه إذا نذر الصلاة في بقعةٍ غير هذه المساجد الثلاثة لا يلزمه، أو لا ينعقد نذره، فيجب عليه أن يشد إليها الرحال، ويقطع إلى قصدها المسافة بالترحال، وقد تشد الرحال إلى المسجد الحرام فرضًا للحج والعمرة، وكانت تشد إلى النبي ﷺ في حياته للهجرة، وكانت واجبةً على الكفاية في قول بعض أهل العلم، فأما إلى بيت المقدس فإنه فضيلةٌ واستحباب.
والحديث متأول على أنه لا يعتكف إلا في هذه المساجد الثلاثة، فيرحل إليها إذا نذر الاعتكاف فيها، وهو قول بعض السلف، ولو عين للاعتكاف غير هذه المساجد الثلاثة هي يتعين أم لا؟ فيه اختلاف، والله سبحانه أعلم.
[ ٣٣ ]
أخبرنا الشيخ أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا الموصلي –شيخ النحاة بحلب- قراءةً عليه بها، أخبرك أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي –خطيب الموصل بها-، أخبرنا أبو الفرج محمد بن محمود أبو حاتم القزويني، حدثنا أبو أحمد الفرضي ببغداد، حدثنا القاضي أبو عبد الله المحاملي، حدثنا علي بن شعيب قال: قال ابن أبي فديك: حدثنا عبد الله بن يزيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، ومنبري على ترعةٍ من ترع الجنة، وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» .
وأخبرنا الشيخ أبو إسحق إبراهيم بن عثمان بن يوسف الكاشغري
[ ٣٤ ]
﵀ قراءةً عليه، أخبرنا أبو القاسم يحيى بن ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال، أخبرنا طراد بن محمد بن علي الزينبي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري الرزاز، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا مالك بن إسماعيل أبو غسان، حدثنا زهير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن
[ ٣٥ ]
عاصم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«إن منبري على حوضي، وإن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، وصلاة في مسجدي كألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام» .
حديث صحيح أخرجه مسلم في «صحيحه» من طرقٍ:
وخبيب هذا بخاء معجمة مضمومة، وكذلك جده خبيب بن يساف، ولجده صحبةٌ، والله أعلم.
وظاهر هذا؛ يدل على أن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، واختلاف العلماء ﵃ في التفضيل بينهما مشهور، وليس تفصيله ههنا من غرضنا.
ولا خلاف أن الموضع الذي ضم أعضاء المصطفى صلوات الله وسلامه عليه المقدسة المشرفة، أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، حتى موضع الكعبة المعظمة، والله سبحانه أعلم.
وقد روى هذا الحديث جابر بن عبد الله ﵁ وقال فيه: «وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف فيما سواه» .
كما أخبرنا الشيخ الأصيل بقية الأشياخ أبو محمد الحسن بن
[ ٣٦ ]
علي بن الحسين بن محمد الأسدي قراءةً ﵀، أخبرنا جدي القاضي النفيس أبو القاسم الحسين، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي المصيصي، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم أبي نصر التميمي، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي، أخبرنا أبو عمرو هلال بن العلاء بن هلال الباهلي، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبد الله بن عمرو، عن عبد
[ ٣٧ ]
الكريم الجزري، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:
«صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه» .
حكى شيخنا أبو عمرو ﵀، عن أبي بكر النقاش الإمام المفسر أنه قال: حسبت على هذا الرواية فبلغت صلاةٌ في المسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام –وهي خمس صلوات- عمر مئتي سنة وسبعٍ وسبعين سنةً وتسعة أشهر وعشر ليال.
وقد روينا هذا الحديث من حديث عبد الله بن الزبير ﵄ بزيادة حسنةٍ.
فأخبرنا الحسن بن محمد قراءةً ﵀، أنبأنا أبو الطاهر الحافظ، أخبرنا محمد بن عبد السلام بن أحمد الأنصاري، أخبرنا
[ ٣٨ ]
الحسن بن أحمد بن إبراهيم أبو علي، أخبرنا القاضي أبو بكر مكرم بن أحمد بن محمد البزاز، حدثنا أحمد بن عبيد الله النرسي، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا الربيع بن صبيح، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:
«صلاة في مسجدي [هذا] أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف» .
قال الربيع: فقلت لعطاء: أرأيت هذا الفضل الذي جاء عن النبي ﷺ في المسجد الحرام خاصةً، أو في الحرم كله؟ قال: بل في الحرم كله، قال: «الحرم كله مسجد» .
وأخبرنا الحسن بن علي بن الحسين، أخبرنا أبو القاسم الحسين، أخبرنا الخطيب أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد
[ ٣٩ ]
السلمي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عوف، أخبرنا أبو القاسم الفضل بن جعفر بن محمد التميمي، حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، حدثنا محمد بن يزيد الأزدي، حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن سعيد بن بشير، عن إسماعيل بن
[ ٤٠ ]