٤٨- قَدْ تَقَدَّمَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ (٢) عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ الْعَبْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَخَرَجْتُ مُهَاجِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ يَسْجُدُونَ (٣) عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ إِلَهَهُمْ فِي السَّمَاءِ. وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ جَمِيعِهِمْ (٤) .
٤٩- وَكَذَلِكَ خَبَرُ الْعَبْدِ الأَسْوَدِ حِينَ انْتَهَى إِلَى أَصْحَابِ (رَسُولِ اللَّهِ) (٥) ﷺ، فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ؟ قَالُوا: نَعَمْ (٦) .
٥٠- وَكَذَلِكَ بِرِوَايِتِهِمُ الأَخْبَارَ الَّتِي رَوَوْهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا مُصَدِّقِينَ بِهَا، مُعْتَقِدِينَ صِحَّتَهَا، وَكَذَلِكَ جَوَابُ مَنْ سَأَلَ مِنْهُمْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: هُوَ فِي السَّمَاءِ.
٥١- وَذَكَرْنَا شِعْرَ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ الَّذِي أَنْشَدَهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ (٧) .
٥٢- وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الاسْتِيعَابِ: رُوِّينَا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رواحة مشى ليلة إِلَى أَمَةٍ لَهُ فَنَالَهَا، فَرَأَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَامَتْهُ، فَجَحَدَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاقْرَإِ الْقُرْآنَ، فَإِنَّ الْجُنُبَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ:
_________________
(١) في النسخ الأخرى زيادة "أجمعين"، وهذا العنوان يوجد في الأصل، ل (١٨) .
(٢) في النسخ الأخرى: "عنهم".
(٣) في النسخ الأخرى: "يسجدون بالأرض".
(٤) راجع ح رقم: (٧) .
(٥) في غير الأصل "النبي".
(٦) راجع ح رقم: (٦) .
(٧) الفقرتان "٥٠، ٥١" لا توجدان في الأصل. وراجع شعر حسان، وعباس بن مرداس تحت الرقمين (٢٣، ٢٤) .
[ ١٤٥ ]
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامٌ وَأَمْلَاكُ الإِلَهِ مُسَوَّمِينَا (١)
فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ (صَدَقَ اللَّهُ) (٢)، وَكَذَبَتْ عَيْنِي، وَكَانَتْ لَا تَحْفَظُ الْقُرْآنَ (٣) .
٥٣- وَأْخَبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ (٤)، أَنْبَا (أَبُو الْقَاسِمِ) (٥) الْحُسَيْنِيُّ، أَنْبَأَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيُّ، أَنْبَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ، أَنْبَأَ عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ جَارِيَةٌ، وَكَانَ يُكَاتِمُ (امْرَأَتَهُ) (٦) غَشَيَانَهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَاتَّهَمَتْهُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: اقرأ القرآن إذًا، فَقَالَ:
شهدت بإذن الله أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مِنْ عَلِ
وَأَنَّ أَبَا يَحْيَى وَيَحْيَى كِلَاهُمَا لَهُ عَمَلٌ مِنْ ربه متقبل
فقال: أَوْلَى لَكَ (٧) .
_________________
(١) هذا البيت لا يوجد في النسخ الأخرى.
(٢) في غير الأصل: "آمنت بالله".
(٣) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة ٢/٢٩٦. وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٢٧، طبع المكتب الإسلامي. وقال الألباني في تعليقه عليه: إسناده حسن، ولكنه موقوف. وأورده الذهبي في العلو ص ٤٢، وقال: روي عن وجوه مرسلة، منها يحيى بن أيوب المصري، حدثنا عمارة بن غزبة، عن قدامة بن محمد بن إبراهيم الحاطبي، فذكره، فهو منقطع.
(٤) في النسخ الأخرى: "أبو المعالي السلمي".
(٥) في (هـ)، و(ر): "أبو المعالي" وهو خطأ.
(٦) في النسخ الأخرى: "أهله".
(٧) أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ٨/٦٩٧. وهو من شعر لحسان بن ثابت تقدم ذكره تحت الرقم: (٢٣) .
[ ١٤٦ ]
٥٤- وَقَدِ اشْتُهِرَ شِعْرُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
مَجِّدُوا اللَّهَ وَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرَا
بِالْبِنَاءِ الأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ الْخَلْقَ وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرَا
شَرْجَعٌ مَا يَنَالُهُ بَصَرُ الْعَيْنِ تَرَى دُونَهُ الْمَلَائِكُ صُورَا (١)
وقال النَّبِيُّ ﷺ: آمَنَ شِعْرُهُ، وَكَفَرَ قَلْبُهُ (٢) .
_________________
(١) شرجع: أي طويل، وصورا: جمع أصور، وهو المائل العنق لنظره إلى العلو. انظر: اللسان، مادة: "شرجع"، و"صور". وانظر هذه الأبيات لأمية بن أبي الصلت في البداية والنهاية ٢/٢٢٩. وشرح الطحاوية ص ٢٤٩، واجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢١٨، والاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ضمن عقائد السلف ص ٢٤٠، وهي في ديوانه ص ٤٠٠.
(٢) أورده ابن كثير في البداية والنهاية ٢/٢٢٨، وقال: لا أعرف. وقد ورد في السنة لابن أبي عاصم بسنده عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره، قال: رجل وثور تحب رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد والشمس تطلع كل آخر ليلة صحراء تصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلها إلا معذبة وإلا تجلد قال النبي ﷺ: صدق. وعلق عليه الشيخ الألباني بقوله: إسناده ضعيف، ورجاله ثقات، والعلة عنعنة ابن إسحاق. انظر: السنة لابن أبي عاصم بتخريج الألباني، ح (٥٧٩)، ١/٢٥٦. والحديث أخرجه أحمد في المسند ١/٢٥٦، وابن خزيمة في التوحيد/ ٩٠، كلاهما بإسناد ابن أبي عاصم. وكان النبي ﷺ يستحسن شعر أمية، ويستزيد من إنشاده، لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث، ففي صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: ردفت رسول الله ﷺ يوما، فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيئا؟ قلت: نعم، قال: "هيه"، فأنشدته بيتا، فقال: "هيه"، ثم أنشدته بيتا، فقال: "هيه"، حتى أنشدته مائة بيت. مسلم كتاب الشعر، ح (٢٢٥٥)، ٤/١٧٦٨. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: "ألا كل شيء ما خلا الله باطل" وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم. البخاري، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر، ح (٦١٤٧)، ١٠/٥٣٧، ومسلم كتاب الشعر، ح (٢٢٥٦)، ٤/١٧٦٨. وفي هذا دليل على جواز سماع الشعر وإنشاده، إذا خلا من الفحش بشرط أن لا يكون غالبا على الإنسان، ومشغلا له عما هو أصلح وأهم. يقول الحافظ بن حجر: والذي يتحصل من كلام العلماء في حد الشعر الجائز أنه إذا لم يكثر منه في المسجد، وخلا من هجو، وعن الإغراق في المدح والكذب المحض، والتغزل بمعين لا يحل، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك. فتح الباري ١٠/٥٣٩. وأخرج الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام". الأدب المفرد ص ١٢٦.
[ ١٤٧ ]
٥٥- أَخْبَرَنَا الشيخ أبو الحسين عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ الْيُوسُفِيُّ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ (النَّرْسِيُّ) (١)، أَنْبَأَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْغَنْدَجَانِيُّ (٢)، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدَانَ، ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سَهْلٍ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَقَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ (٣) .
_________________
(١) في (م): "الرسي" وفي (هـ)، و(ر): "البرسي" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، والنرسي نسبة إلى "نرس"، وهو نهر من أنهار الكوفة، عليه عدة من القرى، ينسب إليه جماعة من مشاهير العلماء والمحدثين، منهم أبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون النرسي. وهو المذكور هنا. انظر: اللباب ٣/٣٠٦.
(٢) في (هـ)، و(ر): "العرجاني". وفي (م): "العبدجالي"، وكل ذلك خطأ. والغندجاني: هذه النسبة إلى غندجان، وهي مدينة من كور الأهواز. انظر: اللباب ٢/٣٩٠.
(٣) هذا الأثر لا يوجد في الأصل، وأثبته نثلا عن النسخ الأخرى، وقد أورده الذهبي في العلو، ص ٦٢، ونسبه إلى المصنف في هذا الكتاب، وقال: هذا حديث صحيح. أخرجه البخاري في تاريخه تعليقا. وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٢٠-٢١، بلفظ نحوه، وأصل القصة في البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه، ح (١٢٤١، ١٢٤٢)، ٣/١١٣. وكتاب فضائل الصحابة ح (٣٦٦٨)، ٨/١٤٥، وكلها عن عائشة، وابن عباس. وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس أيضا ١/٢٩، وابن هشام في السيرة عن أبي هريرة ﵁ ٤/٤٤٦.
[ ١٤٨ ]
٥٦- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، أَنْبَأَ حَمَدٌ، أَنْبَأَ أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شِبْلٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ رَكِبْتَ بِرْذَوْنًا، يَلْقَاكَ عُظَمَاءُ النَّاسِ، وَوُجُوهُهُمْ، فَقَالَ: لَا أَرَاكُمْ هَاهُنَا، إِنَّمَا الأَمْرُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ (١) .
٥٧- قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِّينَا مِنْ وُجُوهٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ خَرَجَ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَمَرَّ بِعَجُوزٍ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهَا وَتُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَبَسْتَ النَّاسَ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ، قَالَ: وَيْلُكَ، تَدْرِي مَنْ هِيَ؟ هَذِهِ امْرَأَةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْوَاهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّهَا وَقَفَتْ إِلَى اللَّيْلِ مَا فَارَقْتُهَا إِلَّا
_________________
(١) أورده الذهبي في العلو ص ٦٢، وقال: إسناده كالشمس. وقال الشيخ الألباني في المختصر ص ١٠٣: وهو إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/٤٧، وأبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه، برقم: (١٥٦٩١)، ورقم: (١٦٢٩٠)، ١٣/٤٠، ٢٦٣. والدارمي في الرد على الجهمية ص ٢١.
(٢) سورة المجادلة/ ١. العجوز المذكورة في هذا الأثر هي: خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت، وكانت قصتها مع زوجها سببا لنزول هذه الآية، راجع تفسير ابن كثير ٨/٦١. وفي هذا الحديث دليل على عظمة الله سبحانه، وأنه لا يخفى عليه شيء، وأن سمعه سبحانه وسع الأصوات كلها، وقصة خولة بنت ثعلبة من أعظم الأدلة وأصرحها على أن الله تعالى يسمع جميع الأصوات لا يخفى عنه شيء منها قرب أو بعد، وهذا يدل على أنه لا شبيه لله في صفاته، لأن هذا الأمر ليس إلا لله، أما المخلوق فإنه لا يسمع من الأصوات إلا ما كان في مجال سمعه قريبا منه، تهيأت له أسباب سماعه. ساق الإمام أحمد -﵀- بسنده إلى عائشة ﵂، قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه، وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (المجادلة: من الآية: ١) . مسند أحمد ٦/٤٦. ورواه البخاري في صحيحه تعليقا، انظر: كتاب التوحيد، باب "وكان الله سميعا بصيرا"، ١٣/٣٧٢. فالله تعالى في السماء، وخولة في الأرض في ناحية من نواحي منزل رسول الله ﷺ تساره بقصتها، وعائشة قريبة منهما لا تسمع ما يقولان، والله سبحانه فوق سمواته وسمع قولها وفرج كربتها، وهذا من كمال الخالق وعظمته، وعجز المخلوق وافتقاره، فسبحان الله كيف عميت أعين الجهمية عن مثل هذه الأدلة الصارخة، بل كيف تجرأوا على التلاعب بها، وتحريفها عن موردها الذي أراد الله تعالى منها؟!
[ ١٤٩ ]
لِلصَّلَاةِ ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَيْهَا (١) .
٥٨- وَرَوَى خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ ﵁ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ الْجَارُودُ العبدي، فإذا امرأة بَرِزَةٍ (٢) عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا فَرَدَّتْ ﵇، وَقَالَتْ: إِيهًا يَا عُمَرُ، عَهِدْتُكَ وَأَنْتَ تُسَمَّى عُمَيْرًا في سوق عطاظ، ترع الصِّبْيَانَ بِعَصَاكَ، فَلَمْ تَذْهَبِ الأَيَّامُ حتى سميت عمر (ثُمَّ لَمْ) (٣) تَذْهَبِ الأَيَّامُ حَتَّى سُمِّيتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ خَافَ الْوَعِيدَ قَرُبَ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ، وَمَنْ خَافَ الْمَوْتَ خَشِيَ الْفَوْتَ، فَقَالَ الْجَارُودُ: أَكْثَرْتِ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْهَا أَمَا تَعْرِفُهَا؟ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ الَّتِي سمع الله اللَّهُ قَوْلَهَا من فوق سمع سموات،
_________________
(١) هذا الأثر أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٢٦، وابن كثير في تفسيره ٨/٦١، وابن حجر في الإصابة ٧/٦٢٠.
(٢) البرزة: الغفيفة الرزينة، التي يتحدث إليها الرجال فتبرز لهم، وهي كهلة قد خلا بها سن، فخرجت عن حد المحجوبات، أو لأنها تمتنع ممن كان يقصدها ويريدها لكمال عقلها، لا كالشواب الغرات اللآتي ينخدعن. منال الطالب ص ١٧٨.
(٣) في النسخ الأخري: "ولم".
[ ١٥٠ ]
فَعُمَرُ أَحَقُّ أَنْ يَسْمَعَ لَهَا (١) .
٥٩- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، أَنْبَأَ حَمَدٌ، أَنْبَأَ أَبُو نُعَيْمٍ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ، ثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ (مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ) (٢)، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كُنْتُ بِالْكُوفَةِ فِي دَارِ الإِمَارَةِ، دَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا نَوْفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِالْبَابِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَيَّ بِهِمْ، فَلَمَّا وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالُوا لَهُ: يَا عَلِيٌّ، صِفْ لَنَا رَبَّكَ هَذَا الذي هو فِي السَّمَاءِ كَيْفَ هُوَ؟ وَكَيْفَ كَانَ؟ وَمَتَّى كَانَ؟ وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَاسْتَوَى عَلِيٌّ جَالِسًا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، اسْمَعُوا مِنِّي وَلَا تُبَالُوا أَنْ لَا تَسْأَلُوا أَحَدًا غَيْرِي، إِنَّ رَبِّي ﷿ هُوَ الأَوَّلُ، لَمْ يُبْدَ مِمَّا، وَلَا مُمَازَجٌ مَعَ مَا، وَلَا حَالٌ وَهْمًا (وَلَا شَيْخٌ) (٣) يَنْقَضِي (٤) .
٦٠- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي، أنبأ هِبَةُ اللَّهِ، أَنْبَأَ كَوْهِيُّ بْنُ
_________________
(١) أخرجه ابن حجر في الإصابة ٧/٦٢٠، وقال: قال أبو عمر: هكذا في الخبر خولة بنت حكيم وهو وهم في اسم أبيها وخليد ضعيف سيء الحفظ.
(٢) هكذا في جميع النسخ، وعند الذهبي في العلو ص ٦٥: "عبد الرحمن بن إسحاق"، ولعله عبد الرحمن بن إسحاق أحد الضعفاء، هو ابن أخته. انظر: الميزان ٤/٢٦٥.
(٣) في الأصل: "شيح" بالباء الموحدة، والحاء المهملة. ولعل الأولى ما أثبتناه نقلا عن النسخ الأخرى.
(٤) أورده الذهبي في العلو ص ٦٥-٦٦، وقال: هذا حديث منكر إسناده غير ثابت. وأخرجه أبو نعيم بطوله، وقال: هذا حديث غريب من حديث النعمان، كذا رواه ابن إسحاق عنه مرسلا. حلية الأولياء ١/٧٢-٧٣. أقول: إذا كان الراوي عن النعمان هو محمد بن إسحاق صاحب المغازي فهو مدلس، وقد عنعن. وإذا كان عبد الرحمن بن إسحاق ابن أخت النعمان فهو ضعيف كما قال ابن حجر في التقريب ١/٤٧٢. فالإسناد ضعيف في كلا الحالين ولا تثبت به حجة.
[ ١٥١ ]
الْحَسَنِ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ هَارَونَ الْحَضْرَمِيُّ، أَنْبَأَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، ﵁، قَالَ: مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الْقُصْوَى وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَمَا بَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَالْمَاءِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ (١) .
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٠٥، والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٥٠١، وابن أبي زمنين في أصول السنة، ح (٣٩)، ١/٣٠٩، والذهبي في العلو ص ٦٤، والدارمي في الرد على الجهمية ص ٢١، والرد على بشر المريسي ص ٧٣، واللآلكائي في السنة، ح (٦٥٩)، ٢/٣٩٥. وقد أورد البيهقي حديث أبي هريرة مرفوعا بهذا المعنى ص ٥٠٥ من الأسماء والصفات. وحديث ابن مسعود هذا ضعيف بهذا الإسناد، لأن فيه الحسن بن جعفر قال الحافظ: ضعيف. التقريب ١/١٦٤. وفيه عاصم بن بهدلة فيه مقال تقدم إيضاحه. وما أورده المصنف هنا إنما هو بعض قثول ابن مسعود ففيه أنه قال: ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وهو عند ابن خزيمة وغيره وذكروا بقية الخبر بنحو ما عند المصنف هنا. وقد تقدم في حديث العباس بن عبد المطلب، رقم: (١٥)، أن بعد ما بين كل سماء وأخرى إما اثنتين أو ثلاث وسبعون سنة. إلا أن هذه الرواية عن ابن مسعود أشهر بين الناس كما قال الحافظ البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، إلا أن ما يظهر من تعارض بين الروايتين يندفع بما قاله الإمام ابن خزيمة -﵀-: ولعله يخطر ببال بعض مقتبسي العلم أن خبر العباس بن عبد المطلب عن النبي ﷺ في بعد ما بين السماء إلى التي تليها خلاف خبر ابن مسعود، وليس كذلك هو عندنا، إذ العلم محيط أن السير يختلف باختلاف سير الدواب من الخيل والهجن والبغال، والحمير، والإبل، وسابق بني آدم يختلف أيضا، فجائز أن يكون النبي ﷺ أراد بقوله: بعد ما بينهما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، أي يسير جواد الركاب من الخيل، وابن مسعود أراد مسيرة الرجال من بني آدم، أو مسيرة البغال والحمر والهجن من البراذين، أو غير الجواد من الخيل، فلا يكون أحد الخبرين مخالفا للخبر الآخر، وهذا مذهبنا في جميع العلوم، أن كل خبرين يجوز أن يؤلف بينهما في المعنى لم يجز أن يقال: هما متضادان، متهاتران، على قد بيناه في كتبنا. التوحيد ص ١٠٨، ويوافق البيهقي على هذا فيقول: ويحتمل أن يختلف ذلك باختلاف قوة السير وضعفه، وخفته وثقله، فيكون يسير القوي أقل، وبسير الضعيف أكثر، الأسماء والصفات ص ٥٠٦. أقول: وإذا صح الخبران فإن الأمر فيهما كما تقدم، ويزيد الأمر وضوحا بوسائل النقل المعاصرة، فقد جدت السيارات، والطائرات والمراكب الفضائية على اختلاف سرعتها، فليس الجمع بين مثل هذين الخبرين مستعصيا لاتضاح صحة ما قاله الأئمة في ذلك.
[ ١٥٢ ]
٦١- وَأْخَبَرَنَا (أَبُو بَكْرٍ) (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، (قَالَ) (٢) أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الطَّرَيْثِيثِيُّ (٣)، أَنْبَأَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ (٤)، أَنْبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ سَلَامَةَ، ثَنَا أَبُو ثَوْبَانَ مِرْدَادُ بْنُ جَمِيلٍ، أَنْبَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ بن إِبْرَاهِيمَ الْجَدِّيُّ (٥)، أَنْبَأَ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ارْحَمْ مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ (٦) .
٦٢- أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النقور (قال) (٧) أنبأنا أَبُو بَكْرٍ الطُّرَيْثِيثِيُّ، (قَالَ) (٨)، ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ (٩)، أَنْبَأَ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ، أَنْبَأَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ثَنَا
_________________
(١) الكنية لا توجد في النسخ الأخرى.
(٢) "قال" لا توجد في غير الأصل.
(٣) في النسخ الأخرى: "أحمد بن علي" وهو اسمه.
(٤) في النسخ الأخرى: "هبة الله".
(٥) قال ابن الأثير: الجدي، بضم الجيم وتشديد الدال المكسورة المهملة، هذه النسبة إلى جدة، وهي بليدة بساحل مكة، ينسب إليها عبد الملك بن إبراهيم الجدي وغيره. اللباب ١/٢٦٤.
(٦) هذا الحديث تقدم مرفوعا، برقم: (٨)، وقد رواه موقوفا اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ح (٦٥٧)، ٢/٣٩٥. والذهبي في العلو ص ٢٠، وقال: ورواه عمار بن زريق عن أبي إسحاق مرفوعا، والواقف أصح، مع أن رواية أبي عبيدة عن والده فيها إرسال. راجع ما ذكرته فيما تقدم تحت الرقم المشار إليه آنفا.
(٧) لا توجد في غير الأصل.
(٨) لا توجد في غير الأصل.
(٩) هو الطبري كما في النسخ الأخرى.
[ ١٥٣ ]
إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَنْبَسِ، ثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا يَقُولُونَ بِالْقَدَرِ، فَقَالَ: يُكَذِّبُونَ بِالْكِتَابِ، لَئِنْ أَخَذْتُ بشعر أحدهم لأنصونه (١)، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، فَخَلَقَ الْخَلْقَ، وَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا يَجْرِي النَّاسُ عَلَى أَمْرٍ فُرِغَ مِنْهُ (٢) .
_________________
(١) لأنصونه: أي لأخذن بناصيته، يقال: تناصى القوم تآخذوا بالنواصي في الخصومة. انظر: اللسان، مادة: "نصا". والنواصي جمع ناصية وهي شعر مقدمة الرأس. منال الطالب ص ٥٧. وفي النسخ الأخرى: "لأنضونه"، ومعناه لأقطعنه وألقيه عنه.
(٢) أخرجه الآجري في الشريعة ص ٢٩٣، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ح (٦٦٠)، ٢/٣٩٦. والدارمي في الرد على الجهمية ص ١٢، والذهبي في العلو ص ٤٨، وقال الألباني في المختصر ص ٩٥: صحيح الإسناد، وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٧٠، وعزاه إلى الطبري في شرح السنة. وفي هذا الحديث دلالة على وجوب الإيمان بالقدر، وهو الركن السادس من أركان الإيمان التي نص عليها حديث جبريل المشهور. والذي عليه أهل السنة والجماعة أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالف أفعال العباد، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القمر/ ٤٩، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ الفرقان/ ٢، وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كونا، ولا يرضاه دينا. وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر، وإنما قالوا هذا لئلا يقولوا شاء الكفر من الكافر وعذبه عليه، ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإنهم هربوا من شيء فوقعوا في ما هو شر منه، فإنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، فإن الله شاء الإيمان منه -على قولهم- والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى!! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل. انظر: شرح الطحاوية ص ٢١٥. والخوض في القدر من الأمور الخطيرة التي نهى السلف عنها، لأن القدر سر الله في خلقه، فلا يجوز التعمق فيه، والسلامة في الإيمان به جملة، وعدم الخوض في جزئياته التي خاض فيها المبتدعة، فوقعوا في الزيغ والضلال. راجع المزيد من الكلام في مسائل القدر ومناقشة القدرية في مذاهبهم: كتاب الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري ص ٣٩-٦٤، وكتاب القدر للإمام ابن تيمية -﵀- ضمن مجموع الفتاوى.
[ ١٥٤ ]
٦٣- قَالَ (١): وَأَخْبَرَنَا بْنُ مُحَمَّدٍ (أَخْبَرَنَا) (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، ثَنَا (شِيرُوَيْهُ) (٣)، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ (٤)، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَسْتَطِعْ (أَنْ يَقُولَ) (٥) مِنْ فَوْقِهِمْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مِنْ فَوْقِهِمْ (٦) .
٦٤- وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تَفَكَّرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ، فإن بين السموات السَّبْعِ إِلَى كُرْسِيِّهِ سَبْعَةُ آلَافِ نُورٍ، وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ ﵎ (٧) .
_________________
(١) القائل هو اللالكائي. وفي النسخ الأخرى: "أخبرنا أبو بكر، أنبأ أبو بكر، أنبأ أبو القاسم، أنبأ أحمد بن حمد ".
(٢) في النسخ الأخرى: أنبأ. وما في الأصل موافق لما عند اللالكائي.
(٣) هكذا في جميع النسخ، وعند اللالكائي: "ابن شيرويه"، ولعله الصواب.
(٤) سورة الأعراف/ ١٧.
(٥) "أن يقول" لا توجد في الأصل، وهي في النسخ الأخرى وعند اللالكائي.
(٦) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ح (٦٦١)، ٢/٣٩٦-٣٩٧. والطبري في تفسيره ٨/٣٧، وابن كثير ٣/٣٩١، وكلاهما بلفظ: "ولم يقل من فوقهم، لأن الرحمة تنزل من فوقهم".
(٧) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص ٥٣٠، وأبو جعفر بن أبي شيبة في كتاب العرش، رقم: (١٦)، ص ٥٩. وذكره السيوطي في الجامع الكبير ١/٤٧٧، والصغير ١/٥١٤، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وقال: غريب ذكر ذلك السيوطي في الكبير، وأبو الشيخ في كتاب العظمة، رقم: (٢)، و(٢٢) . وذكره الإمام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ٦/٢٠٣، وعزاه إلى العسال في كتاب المعرفة. وذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٦٩. وأورده الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٩٦، وقال: هذا إسناد ضعيف، عطاء كان اختلط. قلت: وهو كما قال، لأن عطاء بن السائب قال فيه الحافظ: صدوق اختلط. التقريب ٢/٢٢.
[ ١٥٥ ]
٦٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ أَنْبَأَ أَبُو الْفَضْلِ (١) حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَنْبَأَ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ (٢)، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، قال: ثنا الحسن بن سُفْيَانُ، قَالَ (٣): ثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جُنَادٍ (٤)، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ (٥)، قَالَ: اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى عَائِشَةَ (وَهِيَ تَمُوتُ) (٦)، فَقَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي بِتَزْكِيَتِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن أَبِي بَكْرٍ (٧) يَا أُمَّتَاهُ، إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ (صَالِحِ) (٨) بَنِيكِ، جَاءَ يَعُودُكِ، قَالَتْ: فَأْذَنْ لَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، (أَبْشِرِي) (٩) فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيْ مُحَمَّدًا وَالأَحِبَّةَ إِلَّا أَنْ يُفَارِقَ رُوحُكِ جَسَدَكِ، كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ
_________________
(١) "أبو الفضل" لا يوجد إلا في الأصل.
(٢) في النسخ الأخرى اقتصرت على كنيته: "أبو نعيم".
(٣) كلمة "قال" الواردة في جميع السند لا توجد إلا في الأصل.
(٤) في النسخ الأخرى: "القاسم بن خلاد" وما في الأصل موافق لما عند أبي نعيم في الحلية.
(٥) في (م): "عن أبي مليكة" بدون "بن".
(٦) ما بين القوسين من (هـ)، و(ر) .
(٧) في النسخ الأخرى: "القاسم بن محمد" وهو ابن أبي بكر الصديق، وعائشة عمته، كما في التهذيب ٨/٣٣٣، وعند الحاكم: "فقال لها بنو أخيها" بدون اسم.
(٨) في (م) صالحي، وفي (هـ)، و(ر) "مصالح".
(٩) في الأصل: "اشترى" وما أثبته من النسخ الأخرى.
[ ١٥٦ ]
اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، (قَالَتْ) (١): أَيْضًا، قَالَ: هَلَكَتْ قِلَادَتُكِ بِالأَبْوَاءِ (٢)، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْتَقِطُهَا، فلم يجدوا (٣) ماء فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤)، فَكَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِكِ وَبَرَكَتِكِ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الرُّخْصَةِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ مِسْطَحٍ مَا كَانَ (٥) فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، فَلَيْسَ مَسْجِدٌ يُذْكَرُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ إِلَّا وَشَأْنُكِ يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ (٦) .
٦٦- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي (٧)، أَنْبَأَ حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ (٨)، أَنْبَأَ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ
_________________
(١) في (م): وقال. وفي (هـ)، و(ر): قال.
(٢) الأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، وبها قبر آمنة بنت وهب أم النبي ﷺ. انظر: معجم البلدان ١/٧٩.
(٣) في النسخ الأخرى: "يجد".
(٤) سورة المائدة/ ٦.
(٥) مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي. كان اسمه عوفا، وأما مسطح فهو لقبه، وأمه بنت خالة أبي بكر، كان من خاض مع أهل الإفك في أمر عائشة ﵂، فأنزل الله تعالى في براءتها عشر آيات من أول سورة النور، فجلد رسول الله ﷺ مسطحا ومن خاض معه في أمر الإفك حد القذف امتثالا لأمر الله تعالى. انظر: تفسير ابن كثير ٦/١٩، والإصابة ٦/٩٣.
(٦) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/٤٥، والدارمي في الرد على الجهمية ص ٢٢، والرد على بشر المريسي ص ١٥، عن ابن أبي مليكة، أنه حدثه ذكوان حاجب عائشة ﵂ أن ابن عباس ﵄ دخل على عائشة وهي تموت وليس فيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر ولا غيره. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ٨/٩٣-٩٤. وأخرجه أيضا الحاكم في مستدركه ٤/٨، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(٧) في النسخ الأخرى: "محمد" فقط.
(٨) في النسخ الأخرى: "حمد".
[ ١٥٧ ]
عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ (١)، ثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ حَبْلَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ محمد بن الصالح، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ (٢)، قَالَ: ثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي مِنَ السَّمَاءِ، وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا خُبْزًا وَلَحْمًا. وَفِي لَفْظٍ تقول: زوجكن أهليكن، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ (٣) .
٦٧- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ (٤)، أَنْبَأَ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (٥)، ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا أَبُو كِنَانَةَ مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ الأَنْصَارِيُّ، ثَنَا أَبُو عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، فِي قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قَالَتْ: الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالإِقْرَارُ بِهِ إِيَمَانٌ، وَالْجُحُودُ بِهِ كُفْرٌ (٦) .
_________________
(١) في النسخ الأخرى: "أبو نعيم" فقط.
(٢) العنقزي: بفتح العين، وسكون النون، وفتح القاف، وفي آخرها زاي، هذه النسبة إلى النعقز، نوع من النبات، كان يزرعه أو يبيعه، فنسب إليه. انظر: اللباب ٢/٣٦٢.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب "وكان عرشه على الماء" ح (٧٤٢٠)، و(٧٤٢١)، ٢/٤٠٣-٤٠٤. والترمذي في كتاب التفسير ح (٣٢١٣)، ٥/٣٥٤-٣٥٥. وأبو نعيم في الحلية ٢/٥٢. وابن سعد في الطبقات ٨/١٠٣، ١٠٦. والذهبي في العلو ص ٢٠.
(٤) في النسخ الأخرى: "أنبأ الطريثيثي".
(٥) "عبيد الله بن محمد" ساقط من السند الذهبي.
(٦) هذا القول ينسب إلى جماعة مثل مالك، وربيعة الرأي كما سيأتي. أخرجه عن أم سلمة اللالكائي في السنة رقم: (٦٦٣)، ٢/٣٩٧، وأشار إلى هذه الرواية ابن حجر في الفتح ١٣/٤٠٦. وشيخ الإسلام في الفتاوى ٥/٣٦٥، حيث قال بعد أن ذكر قول مالك في الاستواء: وقد روى هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفا ومرفوعا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه. وأخرجه الإمام الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرة ١/١١٠،
[ ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأورده الذهبي في العلو ص ٦٥، وقال: فأما عن أم سلمة فلا يصح لأن أبا كنانة ليس بثقة، وأبو عمير لا أعرفه. انظر ترجمة أبي كنانة في الميزان ٣/٤٨٥. أقول: يتشبث بعض المبتدعة بمثل ما روي عن أم سلمة، وما سيأتي مما هو ثابت عن ربيعة وعن الإمام مالك في إسناد رأيهم القائل بأن مذهب السلف هو التفويض، ويقولون: إنه لا معنى لهذه العبارات وأمثالها مما روي عن السلف إلا أنهم يرون التفويض في صفة الاستواء وغيرها من الصفات، والتفويض يعني أن نؤمن بالألفاظ ونتوقف عن معرفة المعنى، إذ لا سبيل لنا إليه -على حد زعمهم-. وممن ذهب إلى القول بأن مذهبهم التفويض السيوطي، حيث قال: وجمهور أهل السنة منهم السلف، وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها. ونقل السيوطي الرأي نفسه عن الرازي. انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/٦. وممن نسب التفويض إلى السلف الزرقاني في مناهل العرفان حيث قال: مذهب السلف ويسمى مذهب التفويض وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده، بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة. انظر: مناهل العرفان ٢/١٨٢-١٨٣. إلا أن هذا الادعاء باطل، فعبارتهم المأثورة عنهم في إثبات الصفات الإخبارية عامة، وصفة الاستواء خاصة إنما تدل على الإثبات الحقيقي لتلك الصفة، وفق ما تضمنه النص المثبت للصفة من معنى، مع الجزم بعد المشابهة في ذلك بين الخالق والمخلوق. وهذا هو مذهب السلف القويم، وما قيل سوى هذا إنما هولي لعباراتهم وتحميل لها بما لا تدل عليه من أجل إسناد المبتدع لبدعته بما هو أوهى وأوهن من خيط العنكبوت. يقول الإمام ابن تيمية موضحا بطلان هذه الادعاء: وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعا، مثل أن الله فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم.. علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك إلى أن قال -﵀-: ما رأيت أحدا منهم نفاها، وإنما ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، مع إنكارهم على من نفى الصفات أيضا. الحموية الكبرى ضمن مجموعة الرسائل الكبرى ١/٤٧٠-٤٧١.
[ ١٥٩ ]