عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجفت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: " أوصيكم بتقوى الله ﷿ والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين. عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
المفردات:
وعظنا: نصحنا وذكرنا، موعظة: نونها لتعظيم شأنها، وجلت: خافت أشد الخوف، منها: من أجلها. ذرفت: سالت بالدموع، السمع والطاعة: لأولي الأمر، عليكم بسنتي: طريقتي الزموها وتمسكوا بها. ومن يعش منكم: من يطول عمره أو يبقى بعدي، الراشدين: الذين عرفوا الحق واتبعوه وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. عضوا عليها بالنواجذ: أواخر الأضراس والمراد المبالغة في التمسك بالسنة، بدعة: ما أحدث بغير دليل من الشرع. ضلالة: هلكة.
[ ٥٥ ]
الفوائد:
(١) المبالغة في الموعظة لما في ذلك من ترقيق القلوب وقبولها للحق.
(٢) الاعتماد على القرائن في بعض الأحوال.
(٣) إنه ينبغي سؤال الواعظ الزيادة من الوعظ والتخويف.
(٤) من أعلام النبوة إخباره ﷺ بما سيقع بعده من الاختلاف في أمته فوقع كما أخبر ﷺ.
(٥) الأمر بتقوى الله تعالى والسمع والطاعة لولاة الأمور ولو كانوا عبيدا ما لم يأمروا بمعصية، مبالغة في طاعتهم.
(٦) التمسك بالسنة والصبر على ما يصيب المتمسك من الأذى. في ذلك.
(٧) التحذير من ابتداع الأمور التي ليس لها أصل من الشرع.
(٨) شرف الخلفاء الراشدين وفضلهم واتباع سنتهم.
الموجز:
في هذا الحديث أن الرسول ﷺ وعظ يوما أصحابه موعظة سالت منها الدمع من العيون وخافت منها القلوب خوفا شديدا لشدة تأثيرها في النفوس ولما حاك في صدورهم من أنها موعظة مودع منه لأهل الدنيا فطلبوا منه الزيادة في الوصية فأوصاهم بتقوى الله ﷿ التي هي وصية الله الأولين والآخرين وأن يسمعوا ويطيعوا لولاة الأمور وأن يتمسكوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين وأن يبالغوا في التمسك بها بكل ممكن وبكل سبب وأن لا يتبعوا آراء أهل البدع والأهواء والمقاصد الفاسدة فإن من اتبع هؤلاء فقد ضل وخسر. ومما قيل في التقوى:
[ ٥٦ ]
إذا لم يلبس ثيابا من التقى تجرد عريانا وإن كان كاسيا
فخير خصال المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا
آخر:
فعليك بتقوى الله فالزمها تفز إن التقي هو البهي الأهيب
[ ٥٧ ]