عن أبي ذر ﵁ أيضا: "أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به. إن بكل تسبيحة صدقة وبكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " رواه مسلم.
[ ٤٩ ]
المفردات:
ناسا: هم فقراء المهاجرون كما بين لي الرواية الأخرى من أصحاب رسول الله ﷺ: جمع صحب وهو من اجتمع بالنبي ﷺ بعد النبوة وقبل وفاته مؤمنا به ومات على ذلك. الدثور: جمع دثر وهو المال الكثير. بفضول أموالهم: من أمواله الفاضلة عن كفايتهم. بضع أحدكم: يطلق على الجماع وعلى الفرج نفسه، وزر: إثم.
الفوائد:
(١) حرص الصحابة في المسابقة والتنافس في الأعمال الصالحة.
(٢) إن الصدقة لا تختص بالمال بل ربما تكون في غيره أفضل.
(٣) فضيلة التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(٤) إحضار النية الصالحة جما المباحثات فقد تصير طاعات.
(٥) الترغيب في الجماع لما فيه من المنافع من البصر وكسر الشهوة عن الوقوع في المحرمات وتكثير الولد.
الموجز:
يرشدنا هذا الحديث أن ناسا من فقراء أصحاب النبي ﷺ لما رأوا الأغنياء من الصحابة يتصدقون بفضول أمواله وهم مع ذلك يصلون ويصومون كما يصلى هؤلاء ويصومون فساءهم ذلك لعجزهم عن الصدقة وسبق هؤلاء فشكوا إلى الرسول ﷺ فأخبرهم أن الصدقة ليست محصورة في المال بل تكون بالأعمال الصالحة ومن ذلك ذكر الله من التسبيح والتحميد والتهليل والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفي مواقعة الرجل زوجته صادقة لما في ذلك من المصالح الدينية
[ ٥٠ ]
والدنيوية كغض البصر وكسر الشهوة عن النظر والزنى وحصول النسل الذي به عمارة الدنيا وتكثير الأمة يوم القيامة لحث الرسول ﷺ على ذلك وينفع الولد والديه عند الحاجة في الدنيا والدعاء والقرب لهما بما ينفعهما في الآخرة وأن من تصدق بالأموال مع الأعمال الصالحة فإن ذلك من فضل الله عليه ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ . وفي هذا المعنى قال الشاعر:
من الله خافوا لا سواه فخافهم سواء جمادات الورى ودوابه
لقد شمروا في نيل كل عزيزة ومكرمة مما يطول حسابه
إلى أن جنوا ثمر الهوى بعدما جنى عليهم وصار الحب عذبا عذابه
[ ٥١ ]