عن أبي مسعود بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت" رواه البخاري.
المفردات:
أدرك الناس: توارثوه قرنا بعد قرن. أدرك: بمعنى بلغ، من كلام النبوة الأولى: التي قبل نبينا ﷺ، إذا لم تستح: الحياء خلق يحث على فعل الجميل وترك القبيح، وله تعاريف غير ذلك، فافعل ما شئت: أي شيء تريد.
[ ٣٩ ]
الفوائد:
(١) شرف الحياء لأنه ما من نبي إلا وقد حث عليه ولم ينسخ.
(٢) إن الحياء هو الذي يكف الإنسان ويردعه عن المعاصي وعن تعاطى كل قبيح شرعا.
(٣) إن من لم يتصف بالحياء فإنه يفعل ما يشاء سواء خيرا أو شرا.
فائدة:
قال أحد العلماء: هذا الحديث يتضمن الأحكام الخمسة في قوله: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، لأن فعل الإنسان إما أن يستحي منه أولا، فالأول الحرام والمكروه، والثاني الواجب والمستحب والمباح، ولذا قيل إن هذا الحديث عليه مدار الإسلام.
الموجز:
يبين لنا هذا الحديث أن الحياء لم يزل ممدوحا مستحسنا مأمورا به في الشرائع، فلم ينسخ كما نسخ غيره لأن السليم يستحسنه ويرغب فيه لأن الحياء لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه، ومن حرم الحياء فقد حرم خيرا كثيرا، وإذا لم يكن لدى الإنسان حياء يدفعه إلى فعل الجميل ومكارم الأخلاق، ويباعده عن كل قبيح وسير، ء، فليفعل ما تأمره به نفسه الأمارة بالسوء أيا كان فإن الله مجازيه على فعله؟ ويكون الأمر هنا لتهديد، كما في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ويحتمل معنى آخر، وهو إذا أردت أن تفعل شيئا فإن كان مما لا تستحي من فعله بأن يعاقبك الله عليه ولا من الناس بأن يذموك على فعله فافعل ما شئت لأنه مباح لك وإلا فلا.
[ ٤٠ ]
شعر:
ومما قيل في ذم من لم يستح:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستح فاصنع ما تشاء
والله ما في العيش خير ولا دنيا إذا ذهب الحياء
ولآخر:
إذا لا تصن عرضا ولم تخش خالقا وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع
آخر:
ورب قبيحة ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياء
فكان هو الدواء لها ولكن إذا ذهب الحياء فلا دواء
[ ٤١ ]