البخاري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - قال: "إِنَّ اللهَ لاَ ينزعُ العلمَ بعدَ أَنْ أعطاكمُوهُ انتزاعًا، ولكن ينتزِعَهُ منهُمْ معْ قبضِ العلماءِ
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) وابن حبان (١٤٩٨) والطبراني في الكبير (١١٢٧٤) والدارقطني (٤/ ١٧٠ - ١٧١) والحاكم (٢/ ١٩٨) والبيهقي (٧/ ٣٥٦) وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(٢) لعله يقصد السنن والإجماع والاختلاف أو مختصره الأوسط؛ لأنه ليس في كتاب الإجماع المطبوع.
(٣) رواه البخاري (٧٣٥٥).
[ ١ / ١١٥ ]
بعلمِهم، فَيبقَى نَاسٌ يستفتونَ فيَفتونَ برأيِهِمْ، فيضِلُّونَ ويُضِلُّونَ" (١).
ذكر قاسم بن أصبغ عن جبارة بن المغلس قال: حدثنا حماد بن يحيى الأبح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تعملُ هذهِ الأمّةُ برهةً بكتابِ اللهِ، ثُمَّ تعملُ برهةً بسنةِ رسولِ اللهِ، ثُمَّ تعملُ بعدَ ذَلكَ بالرَّأْيِ، فَإِذَا عَمِلُوا بالرأْيِ ضَلُّوا" (٢).
قال أبو أحمد بن عدي: وذكر هذا الحديث من حديث حماد بن يحيى الأبح روى عن الزهري حديثًا معضلًا، يعني هذا الحديث، وذكر قول البخاري في حماد هذا رُبَّما يهم في الشيء، وذكر أيضًا توثيق يحيى بن معين لحماد ومرة قال: ليس به بأس (٣).
قال أبو أحمد هو ممن يكتب حديثه.
وذكر ابن أبي حاتم حمادًا هذا وقال: سألت أبي عنه فقال: لا بأس به.
وقال فيه أحمد بن حنبل صالح الحديث ما أرى به بأسًا.
وقال أبو زرعة حماد ليس بالقوي (٤)، وجنادة هذا متروك.
وأحسن مما سمعت فيه أنه لم يكن ممن يتعمد الكذب، إنما كان يُوضَعُ الحديث، فيحدث به، وقد روى هذا الحديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن الزهري، وهو متروك أيضًا، ذكر حديث الوقاصي أبو عمر بن عبد البر (٥).
وذكر أبو أحمد من حديث سويد بن سعيد الأنباري قال: نا ابن أبي
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٠ و٧٣٠٧) وهذا لفظ الرواية الثانية.
(٢) انظر التعليق على المعتبر (ص ٢٢٦) للزركشي. وهو حديث ضعيف. ورواه ابن عدى (٢/ ٦٦٣ و٥/ ١٨٠٩).
(٣) انظر ترجمة حماد هذا من الكامل (٢/ ٦٦٣ - ٦٦٥) ولم ينقل قول البخارى فيه أنه يهم، وربما وقع من النساخ أو من الطبع.
(٤) غير موجود.
(٥) جامع بيان العلم (٢/ ١٦٣) لابن عبد البر.
[ ١ / ١١٦ ]
الرجال، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: "منْ قَالَ فِي دينِنَا برأيِهِ فاقتلُوهُ" (١).
قال: وهذا الحديث تلون فيه حميد فمرة رواه هكذا عن ابن أبي الرجال، عن عبد العزيز بن أبي رواد، ومرة. رواه عن إسحاق بن نجيح، عن ابن أبي رواد، وهذا الحديث هو الذي قال بسببه يحيى بن معين في سويد بن سعيد: لو وجدت سيفًا ودرقة لغزوت سويدًا إلى الأنبار من أجل روايته هذا الحديث عن ابن أبي الرجال، وابن أبي الرجال اسمه عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز بن أبي الرجال وهو ثقة عند الناس (٢).
وقال أبو حاتم في سويد: كان يكثر من التدليس وكان صدوقًا (٣).
وقال البخاري: سويد هذا توفي سنة أربعين ومئتين وقد كان يتلقن ما ليس من حديثه وفيه نظر (٤)، وضعفه الشيباني، وأما إسحاق بن نجيح فمتروك عندهم.
وذكر أبو عمر أيضًا من حديث سليمان بن بزيع الاسكندري قال: نا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب، قال: قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل به القرآن، ولم نسمع منك فيه شيئًا قال: "اجمعُوا لَهُ العابدينَ منَ المُؤمنينَ، واجعلُوهُ شورَى بَينكُمْ، ولاَ تقضُوا فيهِ بِرَأيٍ وَاحدٍ".
قال أبو عمر لا يعرف هذا من حديث مالك، ولا من حديث غيره، وسليمان بن بزيع ليس بقوي (٥).
_________________
(١) رواه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٢٥ و٤/ ١٥٩٥).
(٢) الكامل لأبي أحمد بن عدي (٤/ ١٥٩٦).
(٣) الجرح والتعديل (٢/ ١/ ٢٤٠).
(٤) التاريخ الصغير (٢/ ٣٧٣) للبخاري.
(٥) جامع بيان العلم (٢/ ٧٣ - ٧٤) ونص كلامه: هذا حديث لا يعرف من حديث مالك =
[ ١ / ١١٧ ]
وقد ذكر هذا الحديث قاسم بن أصبغ وأحمد بن خالد في مسنده.
وذكر أبو بكر البزار عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ستفتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بضعٍ وسبعينَ فِرقةٍ، أَعظمُهَا فتنَةً عَلى أمَّتِي قومٌ يقيسونَ الأمرَ برأيهِمْ فيحرِّمُونَ الحَلالَ، وَيحلِّلونَ الحَرامَ" (١).
في إسناده نعيم بن حماد رواه عن عيسى بن يونس، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه عن عوف.
وتفرد به فيما ذكر البزار قال: ولم يتابع على هذا. انتهى كلام أبي بكر.
قد كان هذا الحديث يعرف بنعيم بن حماد، ويذكر أنه تفرد به كما قال أبو بكر، حتى رواه سويد بن سعيد الأنباري، وكان كثير التدليس، وعبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك، وكلاهما رواه عن عيسى بن يونس، كما رواه نعيم بإسناده.
ورواه أيضًا ابن أخي عيسى بن يونس، عن عمه، واتهم به، وأما نعيم بن حماد فقد تكلم فيه، واتهم بوضع هذا الحديث، وقيل: إنه كان يضع أحاديث في تقوية السنة، وحكايات عن العلماء في ثبت أبي حنيفة مزورة كذبًا، وكان صليبًا في السنة ضابطًا عليها، ومات محبوسًا أيام المحنة، إذ كان الناس يطالبون بأن يقولوا: بأن القرآن مخلوق، وقد كان أحمد بن حنبل يقول فيه: لقد كان من الثقات.
_________________
(١) = إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عندهم، ولا في حديث غيره، وإبراهيم البرقي وسليمان بن بزيع ليسا بالقويين، ولا ممن يحتج به، ولا يعول عليه. وانظر لسان الميزان (٣/ ٧٨).
(٢) رواه البزار (١٧٢ كشف الأستار) وانظر التعليق على المعجم الكبير (١٨/ ٥٠) للطبراني.
[ ١ / ١١٨ ]
قال أبو أحمد: روى هذا الحديث أيضًا عيسى بن يونس، أبو صالح الخراساني شيخ من قدماء أصحاب الحديث (١).
وقال فيه أبو أحمد شيخًا من قدماء أصحاب الحديث، ولا أعلم هذا الشيخ إلا إسحاق بن نجيح الملطي الذي ذكره أبو أحمد الحاكم في الكنى، وهو المذكور فيما تقدم من هذا الباب والله أعلم.
وروى إسماعيل بن خالد المخزومي قال: نا مالك بن أنس عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "لَمْ يَزلْ أَمرُ بَنِي إِسرائيلَ مُعتَدلًا، حتَّى كثُرَ فيهِمِ المولدونَ أبناءَ سبَايا الأُمَمِ، فقاسُوا مَا لَمْ يكنْ بِمَا كَانَ، فَضلُّوا وأَضَلُّوا".
ذكره أبو بكر الخطيب، قال: وإسماعيل بن خالد ضعيف، ولا يثبت عن مالك نقلته من كتاب أبي محمد الوشاطي، ومن طريقه رويته (٢).
أبو داود، عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت فيها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كان هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا، فقال: "أُوصيكُمْ بِتقوَى اللهِ، والسمعِ والطَاعةِ، وإِنْ عَبدًا حَبشيًا فإنّه منْ يَعِشْ منكُمْ بَعدِي، فسَيَرى اختلافًا كثيرًا، فَعليكُمْ بسنّتِي وسنّةِ الخُلفاءِ المَهدِّيينَ الراشدينَ، تمسّكُوا بِهَا، وعضُّوا عَلَيها بالنواجذِ وإياكُمْ ومحدثَاتِ الأُمور، فَإِنَّ كل محدثةٍ بِدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضَلالَةٌ (٣).
_________________
(١) انظر الكامل (٣/ ١٢٦٤ - ١٢٦٥).
(٢) وبعد أن نقل كلام المصنف هذا الحافظ في لسان الميزان (١/ ٤٠٢) قال: وقد انقلب عليه أو على غيره، وإنما هو خالد بن إسماعيل.
(٣) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وانظر التعليق على المعجم الكبير (١٨/ ٢٤٥ - ٢٤٩).
[ ١ / ١١٩ ]