[ ٦٧٠ ]
١٧٦٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُعْطُوا مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَكُونُ رَأْسَ مَالٍ»،
١٧٦٤ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، كَمَا كَانَ لَا يَرَى أَنْ يُعْطَاهَا مَنْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ. قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَارِمًا، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَشَبَّهَ سُفْيَانُ الْإِعْطَاءَ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ الْمُعْطَى. وَهَذَا مَذْهَبٌ فِيهِ قُدْوَةٌ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيَتَّبِعَهُ.
١٧٦٥ - وَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ غَيْرَ سُفْيَانَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَذْهَبُونَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَيْضًا فِي ⦗٦٧١⦘ تَشْبِيهِهِمْ مَا يُعْطَى بِالْمِلْكِ الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْوَقْتَ فِي ذَلِكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَقَالُوا: لَا يُعْطَى مِنْهَا الْوَاحِدُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ، كَمَا لَا تَحِلُّ لَهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ مِائَتَانِ.
١٧٦٦ - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ نَحْوٌ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ.
١٧٦٧ - فَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي هَذَا حَدٌّ مَعْلُومٌ، وَكَانَ يَقُولُ: أَرَى عَلَى الْمُعْطِي فِي ذَلِكَ الِاجْتِهَادَ، وَحُسْنَ النَّظَرِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ تَدَبَّرْنَا الْأَحَادِيثَ الْعَالِيَةَ، فَلَمْ نَجِدْهَا تُخْبِرُ فِي ذَلِكَ بِتَوْقِيتٍ، إِنَّمَا حَدَّتِ السُّنَّةُ مَا كَانَ مِلْكًا مُتَقَدِّمًا لِلْمُعْطِي مِنَ الْأُوقِيَّةِ، وَغَيْرِهَا قَبْلَ الْعَطِيَّةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ يُعْطَاهَا فَقِيرًا مَوْضِعًا لِلصَّدَقَةِ، فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ فِي الْآثَارِ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، بَلْ تَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ فِي الْإِكْثَارِ مِنْهَا وَالِاسْتِحْبَابِ لِذَلِكَ
[ ٦٧٠ ]
١٧٦٨ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: حَائِطِي الَّذِي بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا لِلَّهِ، وَاللَّهِ ⦗٦٧٢⦘ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُسِرَّهُ مَا أَعْلَنْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلْهُ فِي فُقَرَاءِ قَوْمِكَ»
١٧٦٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَجَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْحَائِطُ هُوَ الْمَخْرَفُ ذُو النَّخِيلِ وَالشَّجَرِ وَالزَّرْعِ، فَكَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَدْنَى قِيمَةٍ مِثْلَ هَذَا؟ وَقَدْ أَشْفَقَ أَبُو طَلْحَةَ أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يُخْفِيَهُ مِنْ شُهْرَتِهِ وَقَدْرِهِ، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْهُ إِلَّا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا.
١٧٧٠ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذِهِ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً، فَمَا سَبِيلُهَا وَسَبِيلُ الْفَرْضِ إِلَّا سَوَاءً؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِذَا كَانَ يَحْرُمُ كَثِيرُهَا عَلَى الْأَخْذِ فِي الْوَاجِبِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَتْمًا لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ، إِنَّهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّطَوُّعِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ لَهُمْ عَلَيْهِمْ لَأَضْيَقُ وَأَشَدُّ تَحْرِيمًا، وَلَئِنْ كَانَ لَهُمْ حَلَالًا، وَكَانَ الْمُعْطِي فِي النَّافِلَةِ مُحْسِنًا بَارًّا، إِنَّهُ فِي أَدَاءِ الْفَرِيضَةِ لَأَكْثَرُ إِحْسَانًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمِمَّا يُثْبِتُ لَنَا أَنَّ سَبِيلَ النَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ وَاحِدٌ، حَدِيثُ سَلْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
[ ٦٧١ ]
١٧٧١ - قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِطَعَامٍ، فَقُلْتُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، وَأَنَا مَمْلُوكٌ. فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ هُوَ مَعَهُمْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِطَعَامٍ، فَقُلْتُ: هَذِهِ هَدِيَّةٌ، أَهْدَيْتُهَا لَكَ أُكْرِمُكَ بِهَا؛ فَإِنِّي لَا أَرَاكَ تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا، وَأَكَلَ مَعَهُمْ ⦗٦٧٣⦘ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَفَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ امْتَنَعَ أَنْ يَرْزَأَ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ إِسْلَامِ سَلْمَانَ. هَكَذَا هُوَ فِي حَدِيثٍ لَهُ طَوِيلٍ، فَابْتَغَى سَلْمَانُ أَنْ يَخْتَبِرَ نُبُوَّتَهُ بِذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ عَلِمَ شَوَاهِدَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَكَانَ مِنْهَا أَنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، فَأَيُّ زَكَاةٍ هَاهُنَا مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَقَدْ أَبَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ قَدْ وَجَدْنَا عَنْهُ مَعْنَى الصَّدَقَةِ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثٍ لَهُ آخَرَ وَمُمُيَّزًا مِنَ الْهِبَةِ
[ ٦٧٢ ]
١٧٧٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حُذَيْفَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَهُمْ هَدِيَّةٌ قَدْ جَاءُوا بِهَا، فَقَالَ لَهُمْ: «مَا هَذَا، أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَالْهَدِيَّةُ يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ الرَّسُولِ، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ» . فَقَالُوا: هَدِيَّةٌ. فَقَبَضَهَا مِنْهُمْ. ثُمَّ جَلَسُوا، فَشَغَلُوهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَمَا صَلَّى الظُّهْرَ إِلَّا عِنْدَ الْعَصْرِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الصَّدَقَةَ كُلُّ مَا يُرَادُ بِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ عُمُومًا، مِنْ غَيْرِ خُصُوصٍ وَلَا تَمْيِيزٍ بَيْنَ فَرْضٍ وَلَا نَافِلَةٍ، وَجَعَلَ الْهَدِيَّةَ سِوَى ذَلِكَ.
١٧٧٣ - فَهَذَا الَّذِي نَتَّبِعُهُ ﷺ بِهِ، إِنَّا لَا نُحِبُّ الصَّدَقَةَ لِغَنِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا، وَإِنَّمَا هَذَا اخْتِيَارٌ اخْتَارَهُ لَهُ مُنَزِّهًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ تَحْرِيمَ الْفَرِيضَةِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ. وَلِهَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي اقْتَصَصْنَاهَا.
١٧٧٤ - أَرَأَيْتَ رَجُلًا رَبَّ مِئِي أُلُوفٍ، لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِدِرْهَمٍ أَوْ رَغِيفٍ، لَا يُرِيدُ إِلَّا نَفْسَ الصَّدَقَةِ الَّتِي يُبْتَغَى بِهَا ثَوَابُ اللَّهِ ﷿، وَعَلِمَ بِذَلِكَ الْمُعْطَي ⦗٦٧٤⦘، أَكَانَ ذَلِكَ يَطِيبُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَكَذَلِكَ لِلْكَثِيرِ مِنْ إِعْطَاءِ الصَّامِتِ، وَالْعَقَارِ، وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهَا، إِذَا كَانَ يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ، بَلِ الْكَثِيرُ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْطِي إِنَّمَا قَصَدَ بِالْعَطِيَّةِ قَصْدَ الْهِبَةِ وَالنَّحْلِ بِقَلْبِهِ لِوَلَدِهِ، أَوْ لِأَقْرِبَائِهِ، أَوْ لِمَنْ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْنَبِيِّينَ، إِلَّا أَنَّهُ أَظْهَرَ الصَّدَقَةَ وَأَعْلَنَهَا لِيُؤَكِّدَهَا بِذَلِكَ لِلْمُعْطَى، وَلِأَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً لَهُ، فَلَا يَجُوزَ فِيهَا مَرْجِعٌ فِي الْحُكْمِ. كَانَ كَذَلِكَ فَهِيَ طَيِّبَةٌ لَهُ إِنْ شَاءَ.
١٧٧٥ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَإِذَا اسْتَوَى أَمْرُ الصَّدَقَةِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ فِي مَخْرَجِهِمَا، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ إِعْطَاءُ الْكَثِيرِ مِنَ الزَّكَاةِ، كَمَا يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ التَّطَوُّعِ، إِذَا كَانَ الْمُعْطَوْنَ يَوْمَ يُعْطَوْنَهَا لَهَا مَوْضِعًا فِي الْفَاقَةِ وَالْخَلَّةِ، عَلَى مَذْهَبِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ فِي أَمْرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، إِذْ كَانَ مَا أَعْطَاهُمَا أَبُو طَلْحَةَ نَافِلَةً غَيْرَ فَرَضٍ. عَلَى أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا التَّوْسِعَةَ فِي الْإِعْطَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا
[ ٦٧٣ ]
١٧٧٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنِ الصَّعْقِ بْنِ حَزْنٍ، عَنْ فِيلِ بْنِ عَرَادَةَ، عَنْ جَرَادِ بْنِ شُبَيْطٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مُسْمِنٌ مُخْصِبٌ فِي الْعَيْنِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلَكْتُ وَهَلَكَ عِيَالِي. فَقَالَ عُمَرُ: يَجِيءُ أَحَدُهُمْ يَنِثُّ كَأَنَّهُ حَمِيتٌ، يَقُولُ: هَلَكْتُ وَهَلَكَ عِيَالِي. قَالَ: ثُمَّ قَرُبَ عُمَرُ يُحَدِّثُ عَنْ نَفْسِهِ ⦗٦٧٥⦘، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَأُخْتًا لِي نَرْعَى عَلَى أَبَوَيْنَا نَاضِحًا لَهُمَا، قَدْ أَلْبَسَتْنَا أُمُّنَا نُقْبَتَهَا، وَزَوَّدَتْنَا مِنَ الْهَبِيدِ يُمَيِّنَتَيْهَا، فَنَخْرُجُ بِنَاضِحِنَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَلْقَيْتُ النُّقْبَةَ إِلَى أُخْتِي، وَخَرَجْتُ أَسْعَى عُرْيَانًا، فَنَرْجِعُ إِلَى أُمِّنَا، وَقَدْ جَعَلَتْ لَنَا لَفِيتَةً مِنْ ذَلِكَ الْهَبِيدِ، فَيَا خِصْبَاهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ رُبَعَةً مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: فَخَرَجَتْ يَتْبَعُهَا ظِئْرَانِ لَهَا. قَالَ: فَمَا حَسَدْتُ أَحَدًا مَا حَسَدْتُ ذَلِكَ الرَّجُلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
⦗٦٧٦⦘
١٧٧٧ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فِيلُ بْنُ عَرَادَةَ، عَنْ جَرَادِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ عُمَرَ، نَحْوَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأَرَى عُمَرَ هَاهُنَا قَدْ أَعْطَى رَجُلًا وَاحِدًا ثَلَاثًا مِنَ الْإِبِلِ، وَهَذِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا ثَمَنَ مَالٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِيُغْنِيَهُ مِنَ الْعَيْلَةِ، حِينَ ذَكَرَ هَلَكَةَ عِيَالِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَأْيُهُ الْإِغْنَاءَ
[ ٦٧٤ ]
١٧٧٨ - قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِذَا أَعْطَيْتُمْ فَأَغْنُوا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ رُوِيَ مَا هُوَ أَجَلُّ مِنْ هَذَا
[ ٦٧٦ ]
١٧٧٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَيَزِيدُ، كِلَاهُمَا عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، قَالَ أَحَدُهُمَا: قَالَ عُمَرُ لِلسُّعَاةِ: «كَرِّرُوا عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ، وَإِنْ رَاحَ عَلَى أَحَدِهِمْ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» .
١٧٨٠ - وَقَالَ الْآخَرُ: قَالَ عُمَرُ: «لَأُكَرِّرَنَّ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ، وَإِنْ رَاحَ عَلَى أَحَدِهِمْ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ»
١٧٨١ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالَ، فَإِنْ يَكُنْ مَحْفُوظًا عَنْ عُمَرَ، فَلَيْسَ وَجْهُهُ عِنْدِي عَلَى مَا يَحْمِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مَنْ هُوَ مَالِكٌ لِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ. هَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلَا يُتَوَهَّمُ مِثْلُهُ عَلَى عُمَرَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ فِيمَا نَرَى هَذَا الْمَذْهَبَ الَّذِي ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا الْفَقِيرُ، وَإِنْ كَانَ مَا يُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ يَبْلُغُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، يَرُوحُ بِهَا عَلَيْهِ.
١٧٨٢ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأَمَّا التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فَلَا يَجُوزُ، أَنَّى يَكُونُ هَذَا وَالْفَرْضُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صَاحِبِ الْخَمْسِ مِنَ الْإِبِلِ بِهَا عَلَيْهِ شَاةٌ؟ فَكَيْفَ يُؤْخَذُ مِنْ صَاحِبِ الْخَمْسِ وَيُعْطَاهَا رَبُّ الْمِائَةِ؟ هَذَا يَسْتَحِيلُ، وَيَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ.
⦗٦٧٧⦘
١٧٨٣ - فَأَرَى عُمَرَ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَا عَلَيْهِ قَدْ تَوَسَّعَ فِي الْإِعْطَاءِ حَتَّى بَلَغَ الْمِائَةَ، وَهَذَا مِنْ نَفْسِ الْفَرِيضَةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّهُ نَافِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَدَقَاتِ الْمَوَاشِي. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ التَّابِعِينَ يَأْخُذُ بِنَحْوِ هَذَا، وَيُؤْثِرُ الْإِكْثَارَ عَلَى الْإِقْلَالِ
[ ٦٧٦ ]
١٧٨٤ - قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: إِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَبَرَهُمْ، فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْعِتْقِ
[ ٦٧٧ ]
١٧٨٥ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَعْتِقْ مِنْ زَكَاةِ مَالِكَ
[ ٦٧٧ ]
١٧٨٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ الْأَشْرَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ «كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فِي الْحَجِّ، وَأَنْ يُعْتِقَ مِنْهُ الرَّقَبَةَ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأَدْنَى مَا يَكُونُ قِيمَةُ الرَّقَبَةِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَقَدْ أَرْخَصَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْ زَكَاتِهِ لِوَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَا يَأْخُذُ بِهَذَا، وَلَمْ يَكْرَهْهُ لِكَثْرَةِ الْقِيمَةِ. وَإِنَّمَا أَكْرَهُهُ لِأَنَّهُ يَجُرُّ وَلَاءَهُ بِالْعِتْقِ إِلَى نَفْسِهِ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ.
⦗٦٧٨⦘
١٧٨٧ - فَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ دُلَيًا عَلَى أَنَّ مَبْلَغَ مَا يُعْطَاهُ أَهْلُ الْحَاجَةِ مِنَ الزَّكَاةِ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعْطَى غَارِمًا، بَلْ فِيهِ الْمَحَبَّةُ وَالْفَضْلُ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ النَّظَرِ مِنَ الْمُعْطِي، بِلَا مُحَابَاةٍ وَلَا إِيثَارِ هَوًى، كَرَجُلٍ رَأَى أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ صَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلَ فَقْرٍ وَمَسْكَنَةٍ، وَهُوَ ذُو مَالٍ كَثِيرٍ، وَلَا مَنْزِلَ لِهَؤُلَاءِ يُؤْوِيهِمْ وَيَسْتُرُ خَلَّتَهُمْ، فَاشْتَرَى مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ مَسْكَنًا يُكِنُّهُمْ مِنْ كَلَبِ الشِّتَاءِ وَحَرِّ الشَّمْسِ، أَوْ كَانُوا عُرَاةً لَا كِسْوَةَ لَهُمْ، فَكَسَاهُمْ مَا يَسْتُرُ عَوْرَاتِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ، وَيَقِيهِمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، أَوْ رَأَى مَمْلُوكًا عِنْدَ مَلِيكِ سُوءٍ قَدِ اضْطَهَدَهُ وَأَسَاءَ مِلْكَتَهُ، فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ رِقِّهِ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ، أَوْ مَرَّ بِهِ ابْنُ سَبِيلٍ بَعِيدُ الشُّقَّةِ، نَائِي الدَّارِ، قَدِ انْقُطِعَ بِهِ، فَحَمَلَهُ إِلَى وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ بِكِرَاءٍ أَوْ شِرَاءٍ. هَذِهِ الْخِلَالُ وَمَا أَشْبَهَهَا الَّتِي لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ، فَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُ الْفَاعِلِ أَنْ يَجْعَلَهَا نَافِلَةً، فَجَعَلَهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، أَمَا يَكُونُ هَذَا مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ؟ بَلَى، ثُمَّ يَكُونُ إِنْ شَاءَ مُحْسِنًا. وَإِنِّي لَخَائِفٌ عَلَى مَنْ صَدَّ مِثْلَهُ عَنْ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُودُ بِالتَّطَوُّعِ، وَهَذَا يَمْنَعُهُ بِفُتْيَاهُ مِنَ الْفَرِيضَةِ، فَتَضِيعُ الْحُقُوقُ، وَيَعْطَبُ أَهْلُهَا
[ ٦٧٧ ]