٣٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ حَدَّثَنَا بن أَبِي السَّرِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أول ما بدىء بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ يَرَاهَا فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ لَهُ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَأْتِي حراءكتاب الوحي
[ ١ / ٢١٦ ]
فَيَتَحَنَّثُ١ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعِدَّةِ٢ ويتزود ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ٣ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ فَقَالَ: اقْرَأْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَقُلْتُ: "مَا أَنَا بقارىء"٤ قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ٥ ثُمَّ أَرْسَلَنِي" فَقَالَ لِي: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أنا بقارىء فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني
_________________
(١) ١ هي بمعنى يتحنف، أي يتبع الحنيفية، وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم، وقد وقع في رواية بن هشام في "السيرة" يتحنف بالفاء. أو التحنث: إلقاء الحنث وهو الإثم، كما قيل: يتأثم ويتحرج. "الفتح" ١/٢٣. ٢ قوله: "وهو التعبد" قال الحافظ في الفتح: هذا مدرج في الخبر، وهو من تفسير الزهري كما جزم به الطيبي ولم يذكر دليله. ٣ أي: جاءه الحق بغتة. ٤ أي: ما أُحسُن القراءة، وذكر الطيبي أن هذا التركيب يفيد التقوية والتأكيد، والتقدير: لست بقارئ البتة، فإن قيل: لم كرر ذلك ثلاثا؟ أجاب أبو شامة بأن يحمل قوله أولًا: "ما أنا بقارئ" على الامتناع، وثانيًا على الأخبار بالنفي المحض، وثالثًا على الاستفهام، قال ابن حجر: ويؤيده أن في رواية أبي الأسود في "مغازيه" عن عروة أنه قال: "كيف أقرأ؟ " وفي رواية عبيد بن عمير عن ابن إسحاق: "ماذا أقرأ؟ " وفي مرسل الزهري في "دلائل" البيهقي: "كيف أقرأ؟ " وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية. والله أعلم "فتح" ١/٢٤. ٥ فغطني بغين معجمة وطاء مهملة، وفي رواية الطبري بتاء مثناة من فوق، كأنه أراد ضمني وعصرني، والغط: حبس النَّفَس، ومنه غطه في الماء، أو أراد: غمني، ومنه الخنق. وقوله: "حتى بلغ مني الجهد" روي بفتح الدال والنصب، أي بلغ الغطُّ مني غايةَ وسعي، وروي بالضم والرفع، أي بلغ مني الجهدُ مبلغه. ورجح ابن حجر رواية الرفع. انظر ما ذكره في "الفتح" ١٢/٣٥٧، ٣٥٨.
[ ١ / ٢١٧ ]
الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ " قَالَ: فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ١ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي" فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ثُمَّ قَالَ: "يَا خَدِيجَةُ مَا لِي" وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ وَقَالَ: "قَدْ خَشِيتُهُ عَلَيَّ" فَقَالَتْ: كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَكَانَ أَخَا أَبِيهَا٢ وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ فَيَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ٣ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِي مَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي أَكُونُ فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمُخْرِجِيَّ٤هُمْ" قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ أحد
_________________
(١) ١ هي جمع بادرة، وهي لحمة ما بين المنكب والعنق. ٢ عند البخاري: "ابن عم خديجة" وعند عبد الرزاق، ومسلم وابن عساكر –وهي إحدى روايات البخاري- "وهو ابن عم خديجة أخي أبيها". ٣ مثله في رواية مسلم، والصواب: "يا ابن عم" وهي رواية عبد الرزاق والخاري ورواية أخرى عند مسلم، قال الحافظ في "الفتح" ١/٢٥ هذا النداء على حقيقته ووقع في مسلم "يا عم" وهو وهم؛ لأنه وإن كان صحيحا لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد، ومخرجها واحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعين الحمل على الحقيقة. ٤ عند البخاري ومسلم: أوَ مُخْرِجيَّ، بإدخال ألف الاستفهام فأشعر بأن الاستفهام على سبيل الإنكار أو التفجع. "الفتح" ١٢/٣٥٩.
[ ١ / ٢١٨ ]
قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَأُوذِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [فِيمَا بَلَغَنَا] ١حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مرارا لكي يتردى من رؤوس شَوَاهِقِ الْجِبَالِ فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ كَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهَا تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقَرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ فَإِذَا طَالَ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ الْجَبَلِ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فيقول له مثل ذلك"٢. [١:٣]
_________________
(١) ١ ما بين معقوفتين سقط من "الإحسان" و"التقاسيم"، وهو ثابت عند عبد الرزاق والبخاري، وغيرهما. قال الحافظ في "الفتح" ١٢/٣٥٩: القائل: "فيما بلغنا" هو الزهري، ومعنى الكلام: أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ في هذه القصة. وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا. ومعلوم أن بلاغات الزهري واهية. ٢ حديث صحيح. ابن أبي السَّري قد توبع عليه، وباقي السند على شرطهما، وهو في "مصنف عبد الرزاق" "٩٧١٩"، ومن طريقه أخرجه أحمد ٦/٢٣٢-٢٣٣، والبخاري "٤٩٥٦" في التفسير، و"٦٩٨٢" في التعبير، ومسلم "١٦٠" "٢٥٣" في الإيمان: باب بدء الوحي برسول الله، وأبو عوانة في "مسنده" ١/١١٣، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٢/١٣٥-١٣٦، وأبو نعيم في "دلائل النبوة"١/٢٧٥-٢٧٧، والآجري في "الشريعة" ص٤٣٩-٤٤٠. وأخرجه الطيالسي "١٤٦٧"، والبخاري "٣" في بدء الوحي، و"٣٣٩٢" في حديث الأنبياء، و"٤٩٥٣" و"٤٩٥٧" في التفسير، و"٦٩٨٢" في التعبير، ومسلم "١٦٠" "٢٥٤"، والطبري في "تفسيره" ٣٠/١٦و١٦٢، وأبو عوانة ١/١١٠و١١٣، والبغوي في "شرح السنة" "٣٧٣٥" من طرق عن الزهري، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٢١٩ ]