وأما شرطنا في نقله ما أودعناه كتابنا هذا من السنن: فإنا لم نحتج فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء"
الأول: العدالة في الدين بالستر الجميل.
والثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.
والثالث: العقل بما يحدث من الحديث.
والرابع: العلم بما يحيل من معاني ما يروي.
والخامس: المتعرى خبره عن التدليس فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبينا الكتاب على روايته وكل من تعرى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به.
والعدالة في الإنسان هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله لأنا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال أدانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها بل العدل من كان ظاهرا أحوله طاعة الله والذي يخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله.
[ ١ / ١٥١ ]
وقد يكون العدل الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به وهو غير صادق فيما يروي من الحديث لأن هذا شيء ليس يعرفه إلا من صناعته الحديث وليس كل معدل يعرف صناعة الحديث حتى يعدل العدل على الحقيقة في الرواية والدين معا.
والعقل بما يحدث من الحديث هو أن يعقل من اللغة بمقدار ما لا يزيل معاني الأخبار عن سننها ويعقل من صناعة الحديث ما لا يسند موقوفا أو يرفع مرسلا أو يصحف اسما.
والعلم بما يحيل من معاني ما يروي هو أن يعلم من الفقه بمقدار ما إذا أدى خبرا أو رواه من حفظه أو اختصره لم يحله عن معناه الذي أطلقه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى معنى آخر.
والمتعري خبره عن التدليس هو أن كون الخبر عن مثل من وصفنا نعته بهذه الخصال الخمس فيرويه عن مثله سماعا حتى ينتهي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب١ إلى الإسكندرية ولو نرو في كتابنا هذا إلا عن مائة وخمسين شيخا أقل أو أكثر ولعل معول كتابنا هذا يكون على نحو من عشرين شيخا ممن أردنا السنن عليهم واقتنعنا برواياتهم عن رواية غيرهم على الشرائط التي وصفناها وربما أروي في هذا الكتاب واحتج بمشايخ قد قدح فيهم بعض أئمتنا مثل سماك بن حرب وداود بن أبي هند ومحمد بن إسحاق بن يسار وحماد بن سلمة
_________________
(١) ١ ويقال لها أيضًا: إسفيجاب، بالفاء، ضبطها السمعاني وابن الأثير بكسر الهمزة، وضبطها ياقوت بفتحها، وتقع إلى الشمال من طشقند شرق نهر سيحون "سير داريا"، وهي اليوم ضمن جمهورية كازخستان كبرى جمهوريات الاتحاد السوفيتي.
[ ١ / ١٥٢ ]
وأبي بكر بن عياش وأضرابهم ممن تنكب عن رواياتهم بعض أئمتنا واحتج بهم البعض فمن صح عندي منهم بالبراهين الواضحة وصحة الاعتبار١ على سبيل الدين أنه ثقة احتججت به ولم أعرج على قول من قدح فيه ومن صح عندي بالدلائل النيرة والاعتبار الواضح على سبيل الدين أنه غير عدل لم أحتج به وإن وثقة بعض أئمتنا.
وإني سأمثل واحدا منهم وأتكلم عليه ليستدرك به المرء من هو مثله كأنا٢ جئنا إلى حماد بن سلمة فمثلناه وقلنا لمن ذب عمن ترك حديثه لم٣ استحق حماد بن سلمة ترك حديثه وكان رحمة الله ممن رحل وكتب وجمع وصنف وحفظ وذاكر ولزم الدين والورع الخفي والعبادة الدائمة والصلابة في السنة والطبق على أهل البدع ولم يشك عوام البصرة أنه كان مستجاب الدعوة ولم يكن في البصرة في زمانه أحد ممن نسب إلى العلم يعد من البدلاء غيره فمن اجتمع فيه هذه الخصال لم استحق مجانية روايته فإن قال لمخالفته الأقران فيما روى في الأحايين يقال له وهل في الدنيا محدث ثقة لم يخالف الأقران في بعض ما روى فإن استحق إنسان مجانبة جميع ما روى بمخالفته الأقران في بعض ما يروي لاستحق٤ كل محدث من الأئمة المرضيين أن يترك حديثه لمخالفتهم أقرانهم في بعض ما رووا.
فإن قال كان حماد يخطىء يقال له وفي الدنيا أحد بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يعرى عن الخطأ ولو جاز ترك حديث من أخطأ لجاز ترك حديث الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين لأنهم لم يكونوا بمعصومين.
فإن قال حماد قد كثر خطؤه له إن الكثرة اسم يشتمل على معان
_________________
(١) ١ على هامش الأصل "الاختيار". ٢ في نسخة دار الكتب "لأنا"، وكذلك في هامش الأصل. ٣ في نسخة دار الكتب "لمن" وهو خطأ. ٤ في نسخة دار الكتب "لا يستحق" وهو خطأ.
[ ١ / ١٥٣ ]
شتى ولا يستحق الإنسان ترك روايته حتى يكون منه من الخطأ ما يغلب صوابه فإذا فحش ذلك منه وغلب على صوابه استحق مجانية روايته وأما من كثر خطؤه ولم يغلب على صوابه فهو مقبول الرواية فيما لم يخطىء فيه واستحق مجانية ما أخطأ فيه فقط مثل شريك وهشيم وأبي بكر بن عياش وأضرابهم كانوا يخطئون فيكثرون فروى١ عنهم واحتج بهم في كتابه وحماد واحد من هؤلاء.
فإن قال كان حماد يدلس يقال له فإن قتادة وأبا إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وابن جريج والأعمش والثوري وهشيما كانوا يدلسون واحتججت بروايتهم فإن أوجب تدليس حماد في روايته ترك حديثه أوجب تدليس هؤلاء الأئمة ترك حديثهم.
فإن قال يروي عن جماعة حديثا واحدا بلفظ واحد من غير أن يميز بين ألفاظهم يقال له كَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والتابعون يؤدون الأخبار على المعاني بألفاظ متباينة وكذلك كان حماد يفعل كان يسمع الحديث عن أيوب وهشام وابن عون ويونس وخالد وقتادة عن بن سيرين فيتحرى المعنى ويجمع في اللفظ فإن أوجب ذلك منه ترك حديثه أوجب ذلك ترك حديث سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وأمثالهم من التابعين لأنهم كانوا يفعلون ذلك بل الإنصاف في النقلة الأخبار استعمال الاعتبار٢فيما رووا.
_________________
(١) ١ لم يذكر ابن حبان فاعل"روى" و"احتج" والظاهر أنه يعرض بالبخاري - ﵀ – لأنه أضرب عن رواية حماد فيما يحتج به. قال الحافظ في "التهذيب" ٣/١٣، ١٤وقد عرض ابن حبان بالبخاري لمجانبته حديث حماد بن سلمة حيث يقول: لم ينصف من عدل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفليح وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. ٢ الاعتبار: هو هيئة التوصل إلى الشاهد والمتابع، وسبر طرق الحديث لمعرفتهما، وقد نقل ابن الصلاح في "مقدمته" مثال ابن حبان لتوضيحه وتجليته.
[ ١ / ١٥٤ ]
وإني أمثل للاعتبار مثالا يستدرك به ما وراءه١وكأنا جئنا إلى حماد بن سلمة فرأيناه روى خبرا عن أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه والاعتبار بما روى غيره من أقرانه فيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر هل رواه أصحاب حماد عنه أو رجل واحد منهم وحده فإن وجد أصحابه قد رووه علم أن هذا قد حدث به حماد وإن وجد ذلك من رواية ضعيف عنه ألزق ذلك بذلك الراوي دونه فمتى صح أنه روى عن أيوب ما لم يتابع عليه يجب أن يتوقف فيه ولا يلزق به الوهن بل ينظر هل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل يرجع إليه وإن لم يوجد ما وصفنا نظر حينئذ هل روى أحد هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل وإن يوجد ما قلنا نظر هل روى أحد هَذَا الْخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غير أبي هريرة فإن وجد ذلك صح أن الخبر له أصل ومتى عدم ذلك والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة علم أن الخبر موضوع لا شك فيه وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه.
هذا حكم الاعتبار بين النقلة في الروايات وقد اعتبرنا حديث شيخ شيح على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به وقبلنا ما رواه وأدخلناه في كتابنا هذا ومن صح عندنا أنه غير عدل بالاعتبار الذي وصفناه لم نحتج به وأدخلناه في كتاب المجروحين من المحدثين بأحد أسباب الجرح لأن الجرح في المجروحين على عشرين نوعا ذكرناها بفصولها في أول كتاب المجروحين بما أرجو الغنية فيها لِلْمُتَأَمِّلِ إِذَا تَأَمَّلَهَا فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تِكْرَارهَا في هذا الكتاب.
_________________
(١) ١ في الأصل "ما رواه" وهو خطأ، وما أثبتناه من نسخة دار الكتب.
[ ١ / ١٥٥ ]
فأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد١ لأنه ليس يوجد عن النبي ﷺ خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار كلها أخبار الآحاد وأن من تنكب عن قبول إخبار الآحاد فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد٢.
_________________
(١) ١ هذه الدعوى من المؤلف لا تسلم له، فإن المتواتر من الحديث- وهو ما نقله رواة كثيرون لا يمكن تواطئهم على الكذب عن مثلهم من أول الإسناد إلى آخره- موجود في كتب الحديث المتداولة المقطوع بصحة نسبتها إلى مؤلفيها. وأوضح مثال له حديث: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" فقد رواه أكثر من خمسة وسبعين صحابيًا. وللحافظ السيوطي - ﵀ – كتاب" الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة" جمع فيه ما رواه الصحابة عشرة فأكثر، مستوعبًا فيه كل حديثًا بأسانيده وطرقه وألفاظه، ثم لخصه في جزء سماه "الأزهار المتناثرة" اقتصر فيه على ذكر الحديث وعدة من رواه من الصحابة وعزوه إلى كل من أخرجه من الأئمة المشهورين. وقد زاد عددها على المائة، منها حديث الحوض، وحديث "المرء مع من أحب" وحديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف" وحديث "كل مسكر حرام" وللمحدث محمد بن جعفر الكتاني "نظم المتناثر في الحديث المتواتر" فيه ثلاث مئة حديث عدها من المتواتر. ٢ قال الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة" ص "٤١" بعد أن أورد هذا النص بسنده عن ابن حبان: ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان أقرب إلى الصواب. وقال الكوثري في تعليقه على "شروط الأئمة الخمسة" للحازمي ص"٤١": يوهم ظاهر كلام ابن حبان أنه ينفي وجود قسم العزيز من أقسام الحديث، ومن ثمة لم يقل الحازمي: إن ما ذكره هو الصواب. ويمكن أن يؤول كلام ابن حبان بأن مراده أن يكون لكل راو راويان فقط، من غير زيادة ولا نقصان، والزيادة غير مضرة في العزيز، وأما رواية اثنين عن اثنين، فمما لا يكاد يوجد.
[ ١ / ١٥٦ ]
وأما قبول الرفع في الأخبار فإنا نقبل ذلك عن كل شيخ اجتمع فيه الخصال الخمس التي ذكرتها فإن أرسل عدل خبرا وأسنده عدل آخر قبلنا خبر من أسند لأنه أتى بزيادة حفظها ما لم يحفظ غيره ممن هو مثله في الإتقان فإن أرسله عدلان وأسنده عدلان قبلت رواية العدلين اللذين أسنداه على الشرط الأول وهكذا الحكم فيه كثر العدد فيه أو قل فإن أرسله خمسة من العدول وأسنده عدلان نظرت حينئذ إلى من فوقه بالاعتبار وحكمت لمن يجب كأنا جئنا إلى خبر رواة نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اتفق مالك وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وعبد الله بن عون وأيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر ورفعوه وأرسله أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية وهؤلاء كلهم ثقات أو١ أسند هذان وأرسل أولئك اعتبرت فوق نافع هل روى هذا الخبر عن ابن عمر أحد من الثقات غير نافع مرفوعا أو من فوقه على حسب ما وصفنا فإذا وجد قبلنا خبر من أتى بالزيادة في روايته على حسب ما وصفنا.
وفي الجملة يجب أن يعتبر العدالة في نقلة الأخبار فإذا صحت العدالة في واحد منهم قبل منه ما روى من المسند وإن أوقفه غيره والمرفوع وإن أرسله غيره من الثقات إذ العدالة لا توجب غيره فيكون الإرسال والرفع عن ثقتين مقبولين والمسند والموقوف عن عدلين يقبلان على الشرط الذي وصفناه٢.
_________________
(١) ١ في نسخة دار الكتب: "وأسند" وهو خطأ. ٢ اختلف هل العلم إذا وصل الحديث ثقة وأرسله آخر: هل الحكم لمن وصل أو لمن أرسل، أو للأكثر، أو للأحفظ؟ على أربعة أقوال. الأول: إن الحكم لمن وصل، وهذا هو المشهور، وهو الذي جرى عليه ابن حبان هنا وصححه الخطيب في "الكفاية" ٥٨١، والعراقي، وقال ابن الصلاح: وهو الصحيح في الفقه وأصوله، وحكى عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .=
[ ١ / ١٥٧ ]
_________________
(١) =الثاني: إن الحكم لمن أرسل، حكاه الخطيب عن أكثر أصحاب الحديث. الثالث: إن الحكم للأكثر، فإن كان من أرسله أكثر ممن وصله، فالحكم للإرسال، والعكس. الرابع: إن الحكم للأحفظ. وقد تعقب القول الأول ابن دقيق العيد، فقال: من حكى من أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مسند ومرسل، أو رافع وواقف،، ناقص وزائد، أن الحكم للزائد لم يصب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونًا مطردًا وبمراجعة أحكامهم الجزئية تعرف صواب ما نقول –وبهذا جزم الحافظ العلائي في "جامع التحصيل" فقال: كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهم، أنه لا يحكم في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر على الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في حديث وقول البخاري" الزيادة من الثقة مقبولة" إنما قاله حين سئل عن حديث "لا نكاح إلا بولي" وقد أرسله شعبة وسفيان – وهما جبلان في الحفظ، وأسنده إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي في آخرين، فقال البخاري: "الزيادة من الثقة مقبولة" وحكم لمن وصله. فالبخاري - ﵀ – لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم للاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول، منها أن يونس بن أبي إسحاق وابنه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم، وقد وافقهم على ذلك أبو عوانة، وشريك النخعي، وزهير بن أمية، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه، وسماعهم إياه من لفظه، وأما رواية من أرسله – وهما شعبة وسفيان – فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد … ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضًا في محل واحد. هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين مع أن الشافعي يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. فتبين أن ترجيخ البخاري وصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل، بل بما ظهر من قرائن الترجيح ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه للإرسال في مواضع أخرى، مثاله: ما رواه الثوري، عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أم سلمة قالت: إن النبي ﵌ قال لها: "إن شئت سبعت لك" ورواه مالك عن عبيد الله بن أبي بكر بن الحارث أن النبي ﵌ قال لأم سلمة … قال البخاري في "تاريخه": الصواب قول مالك مع إرساله. فصوب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له، وصوب الوصل هناك لقرينة ظهرت له، فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك. انظر "شرح الألفية" ١/١٦٥ وما بعدها للسخاوي، وشرح علل الترمذي ١/٤٢٦ وما بعدها. وبهذا تعلم خطأ من قوى القول الأول على إطلاقه ممن يتعاطى صناعة الحديث في عصرنا هذا، واتخذه قاعدة مطردة في كل حديث اختلف ثقتان في وصله وإرساله.
[ ١ / ١٥٨ ]
وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئا منها إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويعلمه حتى لا يشك فيه أنه أزاله عن سننه أو غيّره عن معناه أم لا لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين فإذا رفع محدث خبرا وكان الغالب عليه الفقه لم أقبل رفعه إلا من كتابه لأنه لا يعلم المسند من المرسل ولا الموقوف من المنقطع وإنما همته إحكام المتن فقط وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر لأن الغالب عليه إحكام إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ إلا من كتابه هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ١.
_________________
(١) ١ وهذا التقسيم مما انفرد به ابن حبان ولم يسبق إليهن وقد جاء في "شرح النخبة" للمناوي ورقة ٦٩/٢ والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كابن مهدي ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وابي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة. وانظر "شرح العلل" لابن رجب ٢/ ٧١٨،٧١٩.
[ ١ / ١٥٩ ]
وأما المنتحلون المذاهب من الرواة مثل الإرجاء والترفض وما أشبههما فإنا نحتج بأخبارهم إذا كانوا ثقات على الشرط الذي وصفناه ونكل مذاهبهم وما تقلدوه فيما بينهم وبين خالقهم إلى الله جل وعلا إلا أن يكونوا دعاة إلى ما انتحلوا فإن الداعي إلى مذهبه والذاب عنه حتى يصير إماما فيه وإن كان ثقة ثم روينا عنه جعلنا للأتباع لمذهبه طريقا وسوغنا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله فالاحتياط ترك رواية الأئمة الدعاة منهم والاحتجاج بالرواة الثقات منهم على حسب ما وصفناه.
ولو عمدنا إلى ترك حديث الأعمش وأبي إسحاق وعبد الملك بن عمير وأضرابهم لما انتحلوا وإلى قتادة وسعيد بن أبي عروبة وابن أبي ذئب وأسنانهم لما تقلدوا إلى عمر بن درّ وإبراهيم التيمي ومسعر بن كدام وأقرانهم لما اختاروا فتركنا حديثهم لمذاهبهم لكان ذلك ذريعة إلى ترك السنن كلها حتى لا يحصل في أيدينا من السنن إلا الشيء اليسير وإذا استعملنا ما وصفنا أعنا على دحض السنن وطمسها بل الاحتياط في قبول رواياتهم الأصل الذي وصفناه دون رفض ما رووه جملة١.
_________________
(١) ١ العبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته، والثقة بدينه وخلقه، والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرًا من أهل البدع موضعًا للثقة والاطمئنان وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرًا منهم لا يوثق بأي شيء يرويه، وقد نقل السيوطي في "التدريب" ١/٣٢٥ عن الحافظ العراقي أنه اعترض على اشتراط "أن لا يكون داعية" بأن الشيخين احتجا بالدعاة مثل عمران بن حطان وغيره، ثم ذكر السيوطي أسماء من رمي ببدعة ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما، فبلغ عدد الموسومين بالإرجاء أربعة عشر، ومن رمي بالنصب سبعة، ومن رمي بالتشيع خمسة وعشرين، ومن رمي بالقدر ثلاثين، ومن رمي برأي جهم واحدًا، ومن رمي برأي الحرورية – وهم الخوارج – اثنين، ومن رمي بالوقف واحدًا، ومن رمي بالحرورية من الخوارج القعدية واحدًا. فبلغ مجموعهم واحدًا وثمانين رجلًا.
[ ١ / ١٦٠ ]
وأما المختلطون في أواخر أعمارهم مثل الجريري وسعيد بن أبي عروبة وأشبههما فإنا نروي عنهم في كتابنا هذا ونحتج بما رووا إلا إنا لا نعتمد من حديثهم إلا ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم وما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى لأن حكمهم وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم وحمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم حكم الثقة إذا أخطأ أن الواجب ترك خطئه إذا علم والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطىء فيه وكذلك حكم هؤلاء الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين كان سمعاهم منهم قبل الاختلاط سواء.
وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقين١ وأهل الورع في الدين لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يبين السماع فيه وإن كان ثقة لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها لأنه لا يدري لعل هذا المدلس دلس هذا الخبر عن ضعيف يهي الخبر بذكره إذا عرف اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلس قط إلا عن ثقة فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه والحكم في قبول روايته لهذه العلة وإن لم يبين السماع فيها كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يسمع منه.
وإنما قبلنا أخبار أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا رووها عن النبي ﷺ وإن لم يبينوا السماع في كل ما رووا وبيقين نعلم أن أحدهم ربما سمع الخبر عن
_________________
(١) ١ في نسخة دار الكتب "المتقنين".
[ ١ / ١٦١ ]
صحابي آخر ورواه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غير ذكر ذلك الذي سمعه منه لأنهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين كلهم أئمة سادة قادة عدول نزه الله ﷿ أَقْدَارَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عن أن يلزق بهم الوهن وفي قوله ﷺ: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، أعظم الدليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير مجروح ولا ضعيف إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله ﷺ وقال ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفا.
فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر١.
_________________
(١) ١ التدليس قسمان: تدليس الإسناد وهو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عن من عاصره ولم يلقه أنه سمع منه كأن يقول: عن فلان، أو قال فلان، أو نحو ذلك من الصيغ التي لا تقتضي السماع، والصحيح في حكم هذا القسم من التدليس ما ذهب إليه المؤلف وهو الذي اختاره علماء الحديث: إن ما رواه المدلس الثقة بلفظ محتمل – لم يصرح فيه بالسماع- لا يقبل، بل يكون منقطعًا، وما صرح فيه بالسماع يقبل. والقسم الثاني من التدليس: تدليس الشيوخ: وهو أن يأتي باسم الشيخ أو كنيته على خلاف المشهور تعمية لأمره، وتوعيرًا للوقوف على حاله. قال الحافظ ابن كثير: ويختلف ذلك باختلاف المقاصد، فتارة يكره كما إذا كان أصغر سنًا منه، أو نازل الرواية، ونحو ذلك، وتارة يحرم كما إذا كان غير ثقة، فدلسه لئلا يعرف حاله أو أوهم أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسم وكبنيته. قال الحاكم في "علوم الحديث" ص "١١١": أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم، وكذلك أهل خراسان والجبال وإصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا يعلم أحد من أئمتهم دلس، وأكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة، ونفر يسير من أهل البصرة، فأما أهل بغداد، فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس إلا أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها. وقد ألف الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي المتوفى سنة ٨٤١هـ رسالة التدليس والمدلسين طبعت في حلب، وكذلك الحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢هـ ألف رسالة طبعت في مصر، وللحافظ العلائي المتوفى سنة ٧٦١مبحث مطول في التدليس وأقسامه، والمدلسين وطبقاتهم في كتابه النفيس "جامع التحصيل" فانظره فيه من ص١١٠ إلى ص ١٤٢..
[ ١ / ١٦٢ ]
وإنا نملي بعد هذا التقسيم وذكر الأنواع وصف شرائط الكتاب قسما قسما ونوعا نوعا بما فيه من الحديث على الشرائط التي وصفناها في نقلها من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها إن قضى الله ذلك وشاءه وأتنكب عن ذكر المعاد فيه إلا في موضعين إما لزيادة لفظة لا أجد منها بدا أو للاستشهاد به على معنى في خبر ثان فأما في غير هاتين الحالتين فإني أتنكب ذكر المعاد في هذا الكتاب.
جعلنا الله ممن أسبل عليه جلابيب الستر في الدنيا واتصل ذلك بالعفو عن جناياته في العقبي إنه الفعال لما يريد.
انتهى كلام الشيخ ﵀ في الخطبة.
ثم قال في آخر القسم الأول فَهَذَا آخِرُ جَوَامِعِ أَنْوَاعِ الْأَمْرِ عَنِ الْمُصْطَفَى ﷺ ذَكَرْنَاهَا بِفُصُولِهَا وَأَنْوَاعِ تَقَاسِيمِهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْأَوَامِرِ أَحَادِيثُ بَدَّدْنَاهَا فِي سَائِرِ الْأَقْسَامِ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ بِهَا أَشْبَهُ كَمَا بَدَّدْنَا مِنْهَا فِي الْأَوَامِرِ لِلْبُغْيَةِ فِي الْقَصْدِ فِيهَا.
وَإِنَّمَا نُمْلِي بَعْدَ هَذَا القسم الثاني الذي هو النَّوَاهِي بِتَفْصِيلِهَا وَتَقْسِيمِهَا عَلَى حَسَبِ مَا أَمْلَيْنَا الْأَوَامِرَ إِنْ قَضَى اللَّهُ ذَلِكَ وَشَاءَهُ.
جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ أَغْضَى فِي الْحُكْمِ فِي دِينِ اللَّهِ عَنْ أَهْوَاءِ الْمُتَكَلِّفِينَ وَلَمْ يُعَرِّجْ فِي النَّوَازِلِ عَلَى آرَاءِ الْمُقَلِّدِينَ مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمَعْكُوسَةِ والآراء المنحوس إنه خير مسؤول.
[ ١ / ١٦٣ ]
وقال في آخر القسم الثاني فهذا آخر جوامع أنواع النَّوَاهِيَ عَنِ الْمُصْطَفَى ﷺ فصلناها بفصولها ليعرف تفصيل الخطاب مِنَ الْمُصْطَفَى ﷺ لِأُمَّتِهِ وقد بقي من النواهي أحاديث كثيرة بددناها في سائر الأقسام كما بددنا في النواهي سواء على حسب مَا أَصَّلْنَا الْكِتَابَ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا نُمْلِي بَعْدَ هذا القسم الثالث من أقسام السنن الذي هو إِخْبَارِ الْمُصْطَفَى ﷺ عَمَّا احتيج إلى معرفتها بفصولها فصلا إن الله يسر ذلك وسهله.
جعلنا الله من المتبعين للسنن كيف ما دارت والمتباعدين عن الأهواء حيث ما مالت إنه خير مسؤول وأفضل مأمول.
وقال في آخر القسم الثالث فهذا آخر أنواع الإخبار عما احتيج إلى معرفتها من السنن قد أمليناها وقد بقي من هذا القسم أحاديث كثيرة بَدَّدْنَاهَا فِي سَائِرِ الْأَقْسَامِ كَمَا بَدَّدْنَا مِنْهَا في هذا القسم للاستشهاد على الجمع بين خبرين متضادين في الظاهر والكشف عن معنى شيء تَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُحْكِمْ صِنَاعَةَ العلم فأحال السنة عن معناها التي أطلقها المصطفى ﷺ.
وإنا نملي بعد هذا القسم الرابع من أقسام السنن الذي هو الإباحات التي أبيح ارتكابها إن الله قضى بذلك وشاء.
جعلنا الله ممن آثر المصطفى ﷺ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ أمته وانخضع لقبول ما ورد عليه من سنته بترك ما يشتمل عليه القلب من اللذات وتحتوي عليه النفس من الشهوات من المحدثات الفاضحة والمخترعات الداحضة أنه خير مسؤول.
وقال القسم الرابع فَهَذَا آخِرُ جَوَامِعِ الْإِبَاحَاتِ عَنِ الْمُصْطَفَى ﷺ أَمْلَيْنَاهَا بِفُصُولِهَا وَقَدْ بَقِيَ من هَذَا الْقِسْمِ أَحَادِيثُ بَدَّدْنَاهَا فِي سَائِرِ الْأَقْسَامِ كَمَا بَدَّدْنَا مِنْهَا فِي هَذَا الْقِسْمِ عَلَى مَا أَصَّلْنَا الْكِتَابَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا نُمْلِي بَعْدَ هذا
[ ١ / ١٦٤ ]
الْقِسْمِ الْقِسْمَ الْخَامِسَ مِنْ أَقْسَامِ السُّنَنِ الَّتِي هي أفعال النبي ﷺ بِفُصُولِهَا وَأَنْوَاعِهَا إِنِ اللَّهُ قَضَى ذَلِكَ وَشَاءَهُ.
جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ هدي لسبل الرشاد ووفق لسلوك السداد في جمع وتشمر فِي جَمْعِ السُّنَنِ وَالْأَخْبَارِ وَتَفَقَّهَ فِي صَحِيحِ الْآثَارِ وَآثَرَ مَا يُقَرِّبُ إِلَى الْبَارِي جَلَّ وعلا من الأعمال على ما يباعد عنه في الأحوال إنه خير مسؤول.
ثم قال في آخر الكتاب فهذا آخر أنواع السنن قد فصلناها على حسب ما أصلنا الكتاب عليه من تقاسيمها وليس في الأنواع التي ذكرناها من أول الكتاب إلى لآخره نوع يستقصى لأنا لو ذكرنا كل نوع بما فيه من السنن لصار الكتاب أكثره معادا لأن كل نوع منها يدخل جوامعه في سائر الأنواع فاقتصرنا على ذكر الأنمى١ من كل نوع لنستدرك به ما وراءه منها وكشفنا عما أشكل من ألفاظها وفصلنا عما يجب أن يوقف على معانيها على حسب ما سهل الله ويسره وله الحمد على ذلك.
وقد تركنا من الأخبار المروية أخبار كثيرة من أجل ناقليها وإن كانت تلك الأخبار مشاهير تداولها الناس فمن أحب الوقوف على السبب الذي من أجله تركتها نظر في كتاب المجروحين من المحدثين من كتبنا يجد فيه التفصيل لكل شيخ تركنا حديثه ما يشفي صدره وينفي الريب عن خلده إن وفقه الله جل وعلا لذلك وطلب سلوك الصواب فيه دون متابعة النفس لشهواتها ومساعدته إياها في لذاتها.
وقد احتججنا في كتابنا هذا بجماعة قد قدح فيهم بعض أئمتنا فمن أحب الوقوف على تفصيل أسماءهم فلينظر في الكتاب المختصر من تاريخ
_________________
(١) ١ معناها: الأرفع والأظهر في معناه وبابه، يقال: نمى الحديث ينمي، أي: ارتفع، ونميته: أي رفعته، ولا يقال إلا في رفع الحديث بالخبر، ويستعمل رباعيه "أنمى" في رفع الحديث بالشر على وجه الإشاعة والنميمة.
[ ١ / ١٦٥ ]
الثقات يجد فيه الأصول التي بنينا ذلك الكتاب عليها حتى لا يعرج على قدح قادح في محدث على الإطلاق من غير كشف عن حقيقة وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها.
وإنما نملي بعد هذا علل الأخبار ونذكر كل مروي صح أو لم يصح بما فيه من العلل إن يسر الله ذلك وسهله.
جعلنا الله ممن سلك مسالك أولي النهى في أسباب الأعمال دون التعرج على الأوصاف والأقوال فارتقى على سلالم أهل الولايات بالطاعات التعرج على الأوصاف والأقوال فارتقى على سلالم أهل الولايات بالطاعات والانقلاع بكل الكل عن المزجورات١ حتى تفضل عليه بقبول ما يأتي من الحسنات والتجاوز عما يرتكب من الحوبات إنه خير مسؤول وأفضل الحسنات والتجاوز عما يرتكب من الحوبات إنه خير مسئول وأفضل مأمول انتهى كلامه أولا وآخرا ﵀ بمنه وكرمه.
_________________
(١) ١ على هامش الأصل "المحظورات" نسخة.
[ ١ / ١٦٦ ]