تفرَّدَ الإمامُ ابنُ دقيقِ العيد في عُلوم كثيرة، فكانَ حافظًا مُكْثِرًا، إلا أنَّ الروايةَ عَسُرت عليه لقلَّة تحديثه، فإنَّه كان شديدَ التحرِّي في ذلك (١)، وكان خبيرًا بصناعة الحديث، وهو إمامُ الدنيا في فِقه الحديث والاستنباط (٢).
قال الذَّهبيُّ: أربعةٌ تعاصروا: التقيُّ ابنُ دقيق العيد، والشَّرف الدِّمياطي، والتقيُّ ابنُ تَيمية، والجمال المِزِّيُّ، قال الذهبيُّ: أعلمُهم بعلل الحديث والاستنباطِ ابنُ دقيقِ العيد، وأعلمهم بالأنساب الدِّمياطي، وأحفظُهم للمتون ابنُ تيمية، وأعلمُهم بالرجال المِزِّيُّ (٣).
وكان -﵀- يحقِّقُ المذهبينِ المالكيَّ والشافعيَّ تحقيقًا عظيمًا،
_________________
(١) انظر: طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (٩/ ٢١٢).
(٢) المرجع السابق، (٩/ ٢٤٤).
(٣) نقله السيوطي في "تدريب الراوي" (٢/ ٤٥٥) فقال: رأيت في "تذكرة" صاحبنا الحافظ جمال الدين سبط ابن حجر، فذكره.
[ ١٨ ]
وله اليدُ الطُّولى في الفُروع والأصول، وفي تصانيفه من الفُروع الغريبة والوجوهِ والأقاويل ما ليس في كثيرٍ من المبسوطات، ولا يعرفه كثيرٌ من النَّقَلة (١)، وكان لا يَسْلُكُ المِراءَ في بحثه، بل يتكلَّمُ كلماتٍ يسيرةً بسكينةٍ ولا يُراجَع (٢).
وكان -﵀- في نقده وتدقيقه لا يُوازى، حتى قال الشيخُ صَدْرُ الدينِ بنُ الوَكيل: إذا نَقَد وحرَّر فلا يَوفِيه أحد (٣). فإنَّه كان -﵀- صحيحَ الذِّهن، كما قال علاءُ الدينِ الباجي (٤).
وله - مع ذلك - النَّظمُ الفائق، المشتملُ على المعنى البديع واللفظِ الرَّائق، السَّهلِ المُمْتنع، والمَنْهجِ المُسْتَعْذَبِ المَنْبع، والذي يَصْبو إليه كلُّ فاضل، ويستحسِنُه كلُّ أديب كامل.
وله أيضًا نثرٌ أحسنُ من الدُّرر، ونظمٌ أبهجُ مِنْ عقود الجوهر، ولو لم يكن له إلا ما تضمَّنته خطبةُ "شرح الإلمام"، لشُهِدَ له من الأدبِ بأوفر الأقسام (٥).
قال الأُدفُوي: رأيتُ خزانةَ المدرسة "النّجيبة" بقُوص، فيها جملةُ كتب؛ من جملتها: "عيون الأدلة" لابنِ القَصَّار في نحوٍ من ثلاثينَ مُجلدة،
_________________
(١) انظر: "الطالع السعيد" للأدفوي (ص: ٥٨٠).
(٢) انظر: "الدرر الكامنة" لابن حجر (٥/ ٣٤٩).
(٣) انظر: "الطالع السعيد" للأدفوي (ص: ٥٨١).
(٤) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٥) المرجع السابق، (ص: ٥٨٧، ٥٨٩).
[ ١٩ ]
وعليها علاماتٌ له، وكذلك رأيتُ كتبَ المدرسةِ "السابقية"؛ رأيت على "السننِ الكبير" للبيهقيِّ فيها في كلِّ مجلدة علامةٌ، وفيها "تاريخ الخطيب" كذلك، و"معجم الطَّبراني الكبير"، و"البسيط" للواحدي، وغير ذلك (١).
وأخبر الشيخُ الفقيهُ سِراجُ الدين الدَّندري: أنَّه لمَّا ظَهَر "الشرح الكبير" -وهو فتحُ العزيز في شرح الوجيز- للرافعي، اشتراهُ بألف دِرْهم، وصار يُصلِّي الفرائضَ فقط، واشتغلَ بالمطالعة، إلى أنْ أنهاهُ مطالعةً (٢).
وكان -﵀- يقول: ما خَرَجتُ من باب من أبواب الفقه واحتجت أنَّ أعودَ إليه (٣).
* * *