نشأ الإمامُ ابنُ دقيقِ العيد في أسرة علميَّة، مشهورةٍ بالتديُّن والصلاح؛ فأبوه الشيخُ مجدُ الدِّين أبو الحسن علي، جَمَعَ بين العلم والعمل،
_________________
(١) = وانظر مقدمتَي تحقيق "الاقتراح في بيان الاصطلاح"، للدكتور عامر حسن صبري، و"الإمام في معرفة أحاديث الأحكام" للشيخ سعد بن عبد اللَّه آل حميد.
(٢) نسبة إلى مدينة قوص من مدن الصعيد في جنوب مصر.
(٣) قال الذهبي في "المعجم المختص" (ص: ١٦٩): فيما بلغنا. وقال الحافظ في "الدرر الكامنة" (٥/ ٣٥٠): ويُذْكَر ذلك.
(٤) قال الأُدفُوي في "الطالع السعيد" (ص: ٤٣٥) في ترجمة والد الإمام ابن دقيق: الشيخ مجد الدين علي: وسبب تسمية جده -يعني: مطيعًا-: دقيق العيد: أنَّه كان عليه يوم عيد طيلسان شديد البياض، فقال بعضهم: كأنه دقيق العيد، فلقب به ﵀.
[ ١٤ ]
والعبادة، والوَرع والتقوى، والزَّهَادة والإحسان إلى الخلائق مع اختلافهم، وبَذْلِ المجهود في اجتماع قلوبهم وائتلافهم، وقد ارتحل إليه الناسُ من سائر الأقطار، وقَصَدوه من كلِّ النواحي والأمصار (١).
أما أمُّه: فهي بنتُ الشيخِ الصَّالحِ تقيِّ الدين مُظَفَّر بنِ عبد اللَّه المشهورِ بالمُقْترَح.
قال الأُدفُوي: فأصلاهُ كريمانِ، وأبواهُ عظيمانِ.
وقد ذَكَر والدُه: أنَّه أخذه عند ولادته وطاف به الكعبةَ، وجعل يدعو اللهَ أنْ يجعلَه عالمًا عاملًا.
ابتدأ الشيخُ بقراءة القرآن العظيم، حتى حَصَلَ منه على حظٍّ جسيم، ونشأ بقُوص على حالة واحدة من الصَّمت والاشتغال بالعلوم، ولُزومِ الصيانة والديانة، فاشتغل بالفقهِ على مذهب الإمامين مالك والشافعيِّ على والده، وكان قد اشتغل بمذهب الشافعيِّ أيضًا على تلميذ والده الشيخِ بهاء الدين هِبَةِ اللَّه القِفْطي، وكان يقول: البهاءُ مُعلِّمي.
وقرأ الأصولَ على والده، ثم سَمعَ بمِصْر والشام والحِجاز، على تحرٍّ في ذلك واحتِراز، فرحلَ إلى القاهرة؛ فقرأ على شيخِ الإسلام العزِّ ابنِ عبد السلام، وقرأ العربيةَ على الشيخ شرفِ الدِّين محمد بن أبي الفَضْل المُرْسِي، وغيره.
ثم ارتحل في طلب الحديث إلى دمشقَ والإسكندريَّة وغيرهما، وسمع
_________________
(١) انظر: "الطالع السعيد" للأدفوي (ص: ٤٢٤)، و"مرآة الجنان" لليافعي (٤/ ١٦٦)، وكان قد توفي ﵀ سنة (٦٦٧ هـ).
[ ١٥ ]
الحديثَ من والده، والشيخِ الحافظِ عبدِ العظيم المُنْذِري، وأبي العباس أحمدَ بن عبد الدائم بن نِعْمة المقدسيِّ، والحافظ أبي علي الحسن ابن محمد البَكْري، وخلائق.
ثم درَّس بالمدرسة الفاضليَّة، والمدرسة المُجاورة للشافعي، والكامِليَّة، والصالحية بالقاهرة، ودرَّس بقُوص بدار الحديث ببيتٍ له.
وقد اشتُهِر اسمُه في حياة مشايخه، وشاع ذكرُه، وتخرَّج به أئمة، وسَمعَ منه الخلقُ الكثير، والجمُّ الغفير مع قِلَّة تحديثه ﵀.
* * *