وأما حديث رسول الله ﷺ فإنهم اعترضوه بالنظر فيما كان له وجه في
[ ٥٠ ]
النظر من هذه الجهة صدقوا به، وما لم يكن له مخرج رووه واستشفوه وكذبوا ناقليه ولم يلتفتوا إلى صحيح من الحديث ولا سقيم فآمنوا بمثل قول النبي ﷺ: «إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» لأنه عندهم يحتمل المخرج في اللغة وقالوا الإصبع: النعمة يذهبون إلى قول الراعي:
ضعيف العصا بادي العروق ترى له عليها إذا ما أمحل الناس إصبعا
أي ترى له أثرًا حسنًا وكقول الطفيل يصف فحل إبل:
كميت كبكر الناب أحيا بنابه مَقالِيتَها واستحملتهن إصبع
يقول لما ضرب في الإبل هذا الفحل عاشت أولادها وكانت قبل ذلك مَقاليت لا يعيش لها ولد.
وقوله: (واستحملتهن إصبع) أي ظهر عليهن أثر حسن المرعى.
والعرب تقول: ما أحسن إصبع فلان على ماله.
ومن تدبر هذا التأويل وجده لا يشاكل ما تقدم من قول النبي ﷺ في هذا الحديث لأنه قال في دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقالت له إحدى أزواجه: أو تخاف يا رسول الله على نفسك فقال: «إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله» . فلو كان قلب المؤمن بين نعمتين من نعم الله لكان القلب محفوظًا بتينك النعمتين فلأي شيء دعا بالتثبيت. ولم
[ ٥١ ]
احتج على المرأة التي قالت له: أتخاف على نفسك، يؤكد قولها وكان ينبغي أن لا يخاف إذ كان القلب محروسًا بنعمتين.
وأنكروا الحديث الآخر: «يحمل الأرض على إصبع وكذا على إصبع وكذا على إصبع» لأن الإصبع ههنا لا يجوز أن تكون النعمة.
وقالوا في الضحك هو مثل قول العرب: ضحكت الأرض بالنبات. إذا طلع فيها ضروب الزهر، وضحكت الطلعة: إذا انفتق كافورها عن بياضها، وضحك المزن: إذا لمع فيه البرق.
وليس من هذه شيء إلا وللضحك فيه معنى حدث فإن كان الضحك الذي فروا منه فيه تشبيه بالإنسان فإن في هذا تشبيهًا بهذه المعاني.