وقالوا في قوله: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ أي منتظرة والعرب تقول نظرتك وانتظرتك بمعنى واحد ومنه قول الله: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ أي انتظرونا.
وقال الحطيئة:
وقد نظرتكم إيناء صادرة للخمس طال بها حوزي وتنساسي
أي انتظرتكم.
وما ننكر أن نظرت قد يكون بمعنى انتظرت وأن الناظر قد يكون بمعنى
[ ٤٤ ]
المنتظر. غير أنه يقال أنا لك ناظر أي: أنا لك منتظر. ولا يقال أنا إليك ناظر أي إليك منتظر إلا أن يريد نظر العين.
والله يقول: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾ ولم يقل لربها ناظرة فيحتمل ما تأولوا.
فأما دفعهم نظر العين بقول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ وبقول موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ فإنه أراد: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ في الدنيا وأراد: ﴿لن تراني﴾ في الدنيا لأنه تعال احتجب عن جميع خلقه في الدنيا وتجلى لهم يوم الحساب والقصاص فيرونه كما يرى القمر في ليلة البدر. لا يختلفون فيه كما لا يختلفون في القمر.
والعرب تضرب بالقمر المثل في الشهرة والظهور وقال ذو الرمة:
فقد بهرت فما تخفى على أحد إلا على أحد لا يعرف القمرا
ويقولون هذا أبين من الشمس ومن فلق الصبح وأشهر من القمر وحديث رسول الله ﷺ: قاضٍ على الكتاب ومفسر له. والخبر في الرؤية ليس من الأخبار التي يدفعها إلا جاهل أو معاند ظالم لتتابع الروايات
[ ٤٥ ]
به من الجهات الكثيرة عن الثقات. فلما قال الله ﷿: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وجاء عن رسول الله ﷺ: «ترون الله يوم القيامة» لم يخف على ذي نظر أنه في وقت دون وقت.
وفي قول موسى ﵇ أيضًا: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ أبين الدلالة بأنه يرى في القيامة ولو كان الله لا يرى في حال من الأحوال ولا يجوز عليه النظر لكان موسى قد خفي عليه من صفة الله ما علموه.
ومن قال إن الله يدرك بالبصر يوم القيامة فقد حده عندهم ومن كان الله عنده محدودًا فقد شبهه بالمخلوقين، ومن شبهه عندهم بالخلق فقد كفر.
فما نقول في موسى فيما بين أن نبأه الله ﷿ وكلمه من الشجرة إلى الوقت الذي قال فيه: ﴿أرني أنظر إليك﴾ أنقضي عليه بأنه كان مشبهًا لله محددًا؟ لا لعمر الله ما يجوز أن يجهل موسى من الله مثل هذا لو كان على تقديرهم، ولكن موسى علم أن الله يرى يوم القيامة فسأل الله أن يجعل له في الدنيا ما أجله لأنبيائه وأوليائه يوم القيامة فقال: ﴿لن تراني﴾ يعني في الدنيا ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ أعلمه أن الجبل لا يقوم لتجليه حتى يصير دكًا وأن الجبال إذا ضعفت عن احتمال ذلك فابن آدم أحرى أن يكون أضعف، إلى أن يعطيه الله يوم القيامة ما يقوى به على النظر، ويكشف عن نظره الغطاء الذي كان في الدنيا فيصير بعد الكلال حديدًا، والتجلي هو الظهور ومنه يقال جلوت المرآة والسيف إذا أظهرتهما من الصدأ وجلوت العروس إذا أبرزتها.