رَغْبَةً (^٨) فِي الاِخْتِصَارِ الْمَألُوفِ اكْتَفَيْتُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُكَرَّرَةِ بِأَجْمَعِهَا لِلأَحْكَامِ كَمَا اكْتَفَيْتُ مِنَ السَّنَدِ بِرَاوِي الْحَدِيثِ (^٩) فِي أَوَّلِهِ وَمُخَرِّجِهِ (^١٠) فِي آخِرِهِ. وَقَصْدًا
_________________
(١) معطوف على (فاستحضرت)، أي أحضرتها وسرحت النظر فيها مرة بعد أخرى فوجدتها لا غنى لأي إنسان عنها للدنيا والآخرة، بل هو مضطر أو محتاج إليها ولو على سبيل الكمال.
(٢) أي شرعت.
(٣) بضم الهمزة من الإدماج.
(٤) وقد تم لي ذلك والحمد لله فلم أترك في ظني حديثًا واحدًا إلا ما كان مستغنى عنه بما كتبته، وما يظهر للقارئ أني تركته فقد نقلته في باب آخر أشد له مناسبة. فمن هذا حديث النية في أول البخاري ولكني نقلته في كتاب النية والإخلاص. ومنه حديث بدء الوحي في أول البخاري ولكني نقلته في كتاب النبوة، ومنه حديث من تبع جنازة مسلم في البخاري في الإيمان ولكني وضعته في فضل تشييع الجنازة، ومنه حديث الحلال بيّن والحرام بيّن في البخاري في الإيمان، وقد وضعته في المعاملات، ومنه المعراج في مسلم في الإيمان ولكني وضعته في النبوة، ومنه أحاديث الجنة في عدة مواضع في الشيخين، ولكني وضعتها في كتاب الجنة والنار، ومنه أحاديث رؤية الله تعالى في الأصول في مواضع شتى ولكني وضعتها في كتاب القيامة والجنة، فإنه أنسب بها. وقد لقيت من هذا النوع في التأليف صعوبات عظيمة ولكن الله أعانني عليها والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات كلها. بل وزدت على هذه الأصول من مسندي الشافعي وأحمد وموطأ مالك وابن ماجه والحاكم وغيرها مما مست إليه الحاجة.
(٥) أي هذا المؤلف.
(٦) أي لأطفئ به حرارة شوقي للحديث وأهديه للعاشقين له.
(٧) أي الأمور التي التزمتها ودرجت عليها في تأليفه.
(٨) علة لاكتفيت.
(٩) هو الصحابي الذي سمعه من النبي - ﷺ -.
(١٠) الذي خرجه بالسند في كتابه.
[ ١ / ١٨ ]
لِلإِفَادَةِ بِأَحْسَنِ أُسْلُوبٍ الْتَزَمْتُ فِي النَّقْلِ مَا يَقَعُ اخْتِيَارِي عَلَيْهِ مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ أَوْ مُسْلِمٍ (^١) فِيْمَا اشْتَرَكَا فِيهِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِمَا، فَإِنِ اشْتَرَكَ الْبُخَارِيُّ مَعَ غَيْرِ مُسْلِمٍ نَقَلْتُ لَفْظَ الْبُخَارِيِّ، وَإِنِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ مَعَ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ نَقَلْتُ لَفْظَ مُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ مَرْوِيًّا لأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٢) نَقَلْتُ لَفْظَ أَبِى دَاوُدَ (^٣)، وَإِنْ نَقَلْتُ غَيْرَهُ بَيَّنْتُهُ وَرُبَّمَا قُلْتُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤) وَصَاحِبَاهُ، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنَيْتُ الْبُخَارِيَّ (^٥) وَمُسْلْمًا، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ أَرَدْتُ الشَّيْخَيْنِ وَأَبَا دَاوُدَ، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ قَصَدْتُ الثَّلاثَةَ وَالتِّرْمِذِيَّ، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ عَنَيْتُ الأَرْبَعَةَ وَالنَّسَائِيَّ، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ قَصَدْتُ أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ وَالنَّسَائِيَّ، وَلَوِ اخْتَلَفَ النِّظامُ عَنْ هذَا بَيَّنْتُهُ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ (^٦).
وَكُلُّ مَوْضُوعٍ يَدُلُّ عَلَى عَمَلٍ مُرَتَّبٍ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَفعْتُ أَحَادِيثَهُ عَلى وَفْقِ التَّرْتِيبِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ (^٧)، وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذلِكَ (^٨) فَقَدْ كُنْتُ فِي الْغَالِبِ أُقَدِّمُ
_________________
(١) فإن شرطهما في السند أوثق وأحوط كما سبق، وشرطهما في لفظ الحديث أدق وأضبط؛ لأنهما يوجبان تعيين الرواية باللفظ لمن يحفظ اللفظ والمعنى خلافًا للجمهور فإنهم لا يوجبون ذلك؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يسمعون الحديث من النبي - ﷺ - وينقله كل منهم بلفظ غير لفظ الآخر وما عيب عليهم في ذلك. وقد حصل بين البخاري وبين شيخه محمد بن يحيى جدل عظيم في هذا، ولما اشتد النزاع بينهما قال الأستاذ محمد بن يحيى: من قال باللفظ فلا يحضر مجلسنا، فقام البخاري من حلقة الدرس وتبعه مسلم ولم يحضرا مجلسه بعد هذا. وربما حدّث البخاري في كتابه عن شيخه هذا بقوله حدثنا محمد فقط ولم يقل ابن يحيى لما وقع بينهما ﵃.
(٢) هم أبو داود والترمذي والنسائي.
(٣) لأنَّه أولهم في الرتبة.
(٤) إذا كان اللفظ له.
(٥) عبّرت بـ "عنيت"، و"أردت"، و"قصدت" تفننًا في اللفظ وإلا فالألفاظ الثلاثة بمعنى واحد.
(٦) كأن رواه البخاري والترمذي فأصرح بذكرهما.
(٧) فمثلًا في الوضوء بدأت بحديث التسمية وغسل الكفين وهكذا، وفي الصلاة قدمت شروط الصلاة على سننها المتقدمة عليها كالأذان، ثم أعقبتها ببيانها الذي بدأته بالنية ثم بتكبيرة الإحرام وهكذا. فلاحظت في وضع الأحاديث الترتيب الخارجي.
(٨) مواضع الأعمال المرتبة.
[ ١ / ١٩ ]
مَا يَرْوِيهِ الْكَثِيْرُ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى أَخْتِمَ الْبَابَ بِالأَحَادِيثِ الْفَرْدِيَّةِ (^١) إِنْ كَانَتْ، مُرَاعِيًا تَقْدِيمَ الصَّحِيحِ عَلَى غَيْرِهِ (^٢) إِلَّا مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذلِكَ كَتَقْدِيْمِ مَنْسُوخٍ عَلَى نَاسِخِهِ وَمُجْمَلٍ عَلَى مُفَسِّرِهِ (^٣).
_________________
(١) التي انفرد بروايتها واحد، وهذا في الترمذي كثير، فإني أذكر له في الذكر والزهد أنه انفرد في بعض الأبواب بأحد عشر حديثًا.
(٢) من حسن وضعيف.
(٣) فإنه من حسن الوضع. وهذا اصطلاح الكتاب، أما اصطلاح الشرح فحل الألفاظ اللغوية وبيان المعنى المراد باختصار، وبيان الخلاف الفقهي في أحاديث الأحكام مع بيان وجهة كل من الأئمة ﵃، وبيان درجة الحديث المروي لأصحاب السنن وما سكتوا عنه فسنجري فيه على طريقة أبي داود السابقة. ومصادر الشرح هي: شروح البخاري، وشروح مسلم، وعون المعبود شرح أبي داود، ونفع قوت المغتذي شرح الترمذي، والسيوطي والسندي على النَّسَائِيّ، وشروح الجامع الصغير، وكتاب الفقه في المذاهب الأربعة، وكثيرًا ما أرجع في حل الألفاظ اللغوية إلى القاموس المحيط ولسان العرب. بيان الفرق بين التاج وبين غيره الفرق بين كتاب التاج وبين الكتب التي عندنا من نوعه وهي ثلاثة: أولها المصابيح للإمام البغوي المتوفى سنة ٥١٦ هـ. وثانيها تيسير الوصول للشيباني المتوفى سنة ٩٤٤ هـ. وثالثها المنتقى للإمام ابن تيمية المتوفى سنة ٦٥٢ هـ ﵃. أما المصابيح فكتاب عظيم في بابه بديع في زمانه، ولكنه محذوف الراوي من أول الحديث والمخرج في آخره، فهو كالمبتور بين كتب الحديث، وهذا مما لا يطمئن النفس، زد على هذا أنه مختصر من الأصول وخال من قسم التفسير. وأما تيسير الوصول فهو مؤلف عظيم لم يظهر في الناس مثله ولكنه مختصر من جامع الأصول لابن الأثير ومرتب على حروف المعجم وهذا وضع لا يداني الترتيب الفقهي في جمع شتات الموضوعات. وأما المنتقى فهو كتاب جليل القدر رفيع المكانة عظيم الشأن لدقة وضعه وجميل صنعه إلا أنه قاصر على أحاديث الأحكام فقط، فهو خلو من قسم الفضائل كله، وقسم التفسير كله، وقسم الأخلاق والسمعيات. ولا شك أن هذه تربو كثيرًا على أحاديث الأحكام وتدفع بالهمم إلى معالي الأمور وصالح الأعمال. وأما بلوغ المرام ونحوه في أحاديث الأحكام، فهي كفروع من كتاب المنتقى، هذا تحديد تلك الكتب. وأما كتاب التاج فإنه والحمد لله جامع للأصول وموضوع على الترتيب الفقهي وليس فيه ما أخذ على تلك الكتب رضي الله عن مؤلفيها، فلهم مزيد الفضل والأولية. وتلك الفوارق هي التي سألني عنها مولانا الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر وهو على
[ ١ / ٢٠ ]