قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى﴾ (^٢) ﴿اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣)، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤)، وَقَالَ: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) كتاب العلم (الباب الأول في فضل العلم والعلماء)
(٢) العلم في اللغة: الإدراك، وفي الشرع: صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض في الأمور المعنوية، فخرج الظن فإنه يحتمل النقيض، وخرج إدراك الحواس فإنه للأمور المحسوسة.
(٣) الخشية هي الخوف والنظر بعين الإجلال.
(٤) بنصب لفظ الجلالة ورفع لفظ العلماء، وبالعكس شذوذًا، فعلى الأول يكون المعنى لا يخاف الله خوفًا كاملا إلا العلماء، وعلى الثاني يكون المعنى لا ينظر الله إلى شيء من خلقه نظر إجلال إلا للعلماء العاملين بعلمهم، ولا فخر أعظم من هذا.
(٥) أي لا يستوي عالم وجاهل، فبينهما فرق عظيم.
(٦) أي ما يفهمها بإدراك عميق إلا أهل العلم فيفهمونها والغرض منها، وقال الله تعالى - شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط - فبدأ تعالى بنفسه وثنى بملائكته وثلث بأولى العلم. وقال تعالى: - ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا - أي أعطينا العلم لمن اخترناهم من عبادنا المؤمنين فهم مختارون من الخيار، وكفى بهاتين الآيتين شرفًا وفخرًا لأهل العلم. والعلم علمان: علم الظاهر وعلم الباطن فعلم الظاهر ما يلزم المكلف معرفته في العبادات والمعاملات، ومداره على التفسير والحديث والفقه، وعلم الباطن نوعان: علم معاملة وعلم مكاشفة، فعلم المعاملة فرض عين أيضًا لأن المعرض عنه هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة كما أن المعرض عن علم الظاهر هالك بسيف الشريعة في الدنيا. وعلم المعاملة هو النظر في تهذيب النفس وتصفية القلب من الأوصاف الذميمة كالرياء والعجب والكبر والطمع والفخر وحب العلو والشهرة في الناس وتجميلهما بالأخلاق المحمدية كالإخلاص والصبر والشكر والتواضع والقناعة والورع والزهد والتوكل على الله تعالى ولا ينال الإنسان مرتبة العلم الحقيقية إلا بالعمل بهما، فعلم بلا عمل وسيلة بلا غاية، وعكسه جناية فإذا عمل بهما ورثه الله علم ما لم يعلم قال تعالى: - واتقوا الله ويعلمكم الله - وهو علم المكاشفة الذي هو نور يقذفه الله=
[ ١ / ٦٠ ]
• عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ (^١) وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ (^٢) وَاللَّهُ يُعْطِي (^٣) وَلَنْ تَزَالَ هذِهِ الأُمَّةُ (^٤) قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ (^٥) لَا يضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ (^٦) حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ (^٧)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.
• عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ (^٨) إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَة نَفَرٍ (^٩)، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً (^١٠) فِي الحَلْقَةِ (^١١) فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ
_________________
(١) =في قلب من يشاء من عباده فتحصل له المعرفة بالله تعالى وتنكشف له الأمور فيراها على ما هي عليه، فافهم وسلم تسلم. قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم يخشى عليه من سوء الخاتمة، وأقل شيء فيه التصديق به وتسليمه لأهله، فما كل مجهول ينكر، وما كل معلوم يقال فقد قال النبي - ﷺ - "العلم علمان علم في القلب فذاك العلم النافع وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم". وفي رواية: إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة (الغفلة) بالله ﷿، وعلم الخضر الذي أظهره لموسى ﵉ كان من هذا النوع رواهما الحافظ المنذري عن الخطيب وابن عبد البر والديامي.
(٢) أي يفهمه أمور دينه.
(٣) أقسم بينكم الشريعة وأبينها لكم من غير تخصيص.
(٤) كل واحد منكم من الفهم كما أراد له، فالتفاوت في الفهم منه تعالى، فقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر ويسمعه آخر منهم أو ممن بعدهم فيستنبط منه أحكامًا كثيرة، قال تعالى: - يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا -.
(٥) أي بعضها، وهم الجماعة أهل التفسير والحديث والفقه.
(٦) أي سائرة على الدين الحق.
(٧) أي لا يمسهم بسوء.
(٨) أي القيامة، أي إلى قربها كما سيأتي في علامات الساعة: تهب ريح من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ويبق الأشرار وعليهم تقوم الساعة. وفي الحديث أن العلماء أشرف الناس، وأن على الشريعة أفضل العلوم وأن الجماعة هم الإجماع ورأيهم هو الحق وعلى الناس الرجوع إليهم فيما ليس في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، ومن خالفهم فهو مخذول وهم المنصورون ما دامت الدنيا، قال تعالى: - ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا -.
(٩) أي حوله في طاعة الله تعالى من قرآن وذكر ونحوهما.
(١٠) أي رجال دخلوا عليهم.
(١١) محلا خاليًا.
(١٢) بسكون اللام.
[ ١ / ٦١ ]
ذَاهِبًا (^١) فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهُ (^٢) فَآوَاهُ اللَّهِ (^٣) وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا (^٤) فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ (^٥) وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ (^٧) عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا (^٨) نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ (^٩) وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ (^١٠) يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا (^١١) سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ (^١٢) مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (^١٣). وَمَنْ سَلَكَ طَريقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا (^١٤) سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ (^١٥). وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ (^١٦) يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ (^١٧) إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ (^١٨) وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ (^١٩) وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ (^٢٠) وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ
_________________
(١) أي رجع ولم يجلس معهم.
(٢) لجأ إليه.
(٣) أي جازاه على جلوسه في مجلس العلم بضمه إلى رحمته ورضوانه، فأوى - بالقصر - كثير في اللازم، وبالمد كثير في المتعدي، وإطلاقه على الله من قبيل المشاكلة وإلا فمعناه محال على الله فيراد لازمه وهو شموله بالرحمة والرضوان، وكذا يقال في اللفظين بعده: فاستحيا الله منه فأعرض عنه.
(٤) بترك المزاحمة في مجلس النبي - ﷺ -.
(٥) أي بترك عقابه بل عامله بلطفه وإحسانه.
(٦) وسخط عليه جزاء وفاقًا.
(٧) فرج وأزال.
(٨) شدة من شدائدها.
(٩) حفظه من أهوالها.
(١٠) كأن منحه أو أقرضه نقودًا أو حبوبًا.
(١١) سترًا حسيًا بأن أعطاه ثوبًا يواري به عورته، أو يتحفظ به من البرد والحر، أو يتجمل به، أو معنويًا بأن رآه في قبيح فستره.
(١٢) أي معه بالعناية والنصر.
(١٣) ما دام يسعى في مصلحة أخيه المسلم ويساعده بنحو ماله أو علمه أو جاهه، قال القائل: فرضت على زكاة ما ملكت يدي … وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
(١٤) سعى إلى جهة يطلب العلم منها.
(١٥) وفقه لعمل يوصله إليها.
(١٦) أو في غيرها.
(١٧) أو يقرأون أحاديث الرسول ويفسرونها ويأخذون منها الأحكام.
(١٨) هي طمأنينة القلب بزيادة الإيمان، قال تعالى: - ألا بذكر الله تطمئن القلوب -.
(١٩) عمهم الإحسان الإلهي.
(٢٠) أحاطت بهم - فرحًا بما هم فيه - الملائكة الطوافون في الأرض يلتمسون مجالس العبادة فيجلسون معهم، كما يأتي في حديث الشيخين من كتاب الذكر.
[ ١ / ٦٢ ]
فِيمَنْ عِنْدَهُ (^١). وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ (^٢) لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ (^٤) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ (^٥) لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا (^٦) رِضَاءً (^٧) لِطَالِبِ العِلْمِ (^٨) وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ (^٩) وَمَنْ فِي الأَرْضِ (^١٠) حَتَّى الحِيتَانُ (^١١) فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ (^١٢) عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ (^١٣) إِنَّ العُلمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ (^١٤) إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثوا دِينَارًا وَلَا دِرْهِمًا (^١٥) إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ (^١٦) فَمَنْ أَخَذَ بِهِ (^١٧) أَخَذَ بِحَظَ وَافِرٍ (^١٨)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ (^١٩) وَلَهُ اللَّفْظُ.
_________________
(١) أي في الملأ الأعلى برفع شأنهم ومجموع هذه المعاني الأربعة هي الروضة الواردة في حديث الطبراني وغيره: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة قال: مجالس العلم.
(٢) أي أخره عمله السيئ.
(٣) أي لم ينفعه نسبه الشريف العالي قال تعالى: - فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون - وفي هذا الحديث وما قبله شأن عظيم لمجالس العلم.
(٤) كان بدمشق وجاءه رجل من أهل المدينة وقال ما أقدمك؟ قال ما جئت إلا لحديث سمعته عنك، قال أبو الدرداء سمعت رسول الله - ﷺ - الخ.
(٥) السالف ذكرها.
(٦) أي تكف عن الطيران وتحف المشتغلين بالعلم فتقتبس من رحمتهم وأنوارهم.
(٧) أي وإرضاء وتكريمًا.
(٨) إذا عمل بذلك.
(٩) هم الملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض.
(١٠) من إنس وجن وحيوان.
(١١) السمك، واستغفار من ذكر للعالم دعاؤهم له، وذلك لأن العالم بإرشاده وهدايته للناس يحبه الله تعالى فإذا أحبه حبب فيه ملائكته وجميع خلقه فإذا أحبوه دعوا له، وستأتي المحبة في الأخلاق إن شاء الله.
(١٢) العامل بعلمه وإلا فلا فضل له، بل ربما عوقب أكثر من غيره، لإضلاله مع ما أعطاه الله من العالم كما سيأتي في كتاب الرؤيا في الحديث الطويل " … وأما الذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه ولم يعمل به".
(١٣) فكما أن القمر هو المنظور إليه ليلا دون سائر الكواكب، كذلك العالم هو المنظور إليه من أهل الأرض، فضلا عن ذلك فله في الآخرة رفيع الدرجات والمقام العالى بقربه من ربه ﵎ وسماعه لكلامه ونظره لوجهه الكريم ﷿، وهذا منتهى النعيم في دار الجنان.
(١٤) يخلفونهم في تبليغ الشريعة وهداية الناس.
(١٥) لم يتركوا شيئًا من ذلك.
(١٦) تركوه للعلماء فهم بعد الأنبياء الواسطة بين الله وعباده.
(١٧) أي بالعلم.
(١٨) بنصيب عظيم ودرجة رفيعة في الدارين.
(١٩) بسند منقطع وقال البخاري: إن له سندًا آخر أصح من هذا.
[ ١ / ٦٣ ]
• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «العِلْمُ (^١) ثَلَاثَةٌ (^٢) وَمَا سِوَى ذلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ (^٣) آيَةٌ (^٤) مُحْكَمَةٌ (^٥) أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ (^٦) أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨) وَابْنُ مَاجَهْ.
• عَنْ أَبِي هُرْيَرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ (^٩)».
• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ (^١٠) ضَالَّةُ المُؤْمِنِ (^١١) فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا (^١٢)».
وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى (^١٣)».
• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَقِيهٌ (^١٤) أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ (^١٥) مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ (^١٦)».
• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ (^١٧)». ثُمَّ قَالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ
_________________
(١) أي المعهود وهو علم الدين الواجب معرفته.
(٢) أي أصله من ثلاثة أمور.
(٣) زيادة في الفضيلة.
(٤) من كتاب الله.
(٥) أي بينة واضحة غير منسوخة.
(٦) أو للتنويع، سنة: طريقة منقولة عن النبي - ﷺ - قائمة ثابتة دائمة غير منسوخة.
(٧) هي كل حكم يحصل به العدل في القسمة بين الورثة، وهو علم الميراث، وإنما نص عليه مع دخوله فيما قبله للعناية به، فإنه أول علم يرفع من الأرض، وقيل المراد بالفريضة كل ما يجب العمل به، وبالعادلة المساوية لما في الكتاب والسنة في وجوب العمل بها، فتكون إشارة إلى الإجماع والقياس اللذين هما من الأدلة.
(٨) بسند فيه عبد الرحمن الإفريقي وهو المولود الأول في إفريقية بعد الإسلام وولى القضاء بها ﵁، وهذا الحديث والذي قبله بل الباب كله في باب الترغيب.
(٩) أي فحسن الشكل والتفقه في الدين لا يوجدان إلا في المؤمن، فعليه الاتصاف بهما، فهو إخبار يراد به الإنشاء.
(١٠) بدل، أي المسألة النافعة في الدين.
(١١) محبوبه ومناه الذي يحرص عليه في كل لحظة.
(١٢) من غيره لأنه معدنها وتزيد عنده بالعمل بها والإنفاق منها، فهو حث على السعي وراء العلم النافع.
(١٣) فتعلم العلم وتعليمه أعظم مكفر للذنوب.
(١٤) أي عالم واحد بالشرع.
(١٥) أخوف وأضر عليه.
(١٦) لأن العابد مشتغل بنفسه فقط، وأما العالم فإنه كلما رأى الشيطان أغوى الناس وأفسدهم لفت نظرهم فتنبهوا ورجعوا إلى الله، فكلما بنى الشيطان هدم العالم فخاب مسعاه وضل مناه.
(١٧) فنسبة شرف العالم إلى شرف العابد كنسبة شرف النبي - ﷺ - إلى أصغر صحابي.
[ ١ / ٦٤ ]
فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلّونَ (^١) عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرِ (^٢)».
• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَنْ يَشْبَعَ المُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ (^٣) يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّةَ». رَوَى هذِهِ الخَمْسَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٤).
• عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَشْفَعُ (^٥) يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ (^٦) الأَنْبِيَاءُ (^٧) ثُمَّ العُلَمَاءُ (^٨) ثُمَّ الشُّهَدَاءُ (^٩)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^١٠).
_________________
(١) وصلاة الله عليه: رحمته، وصلاة الملائكة: استغفارهم له، وصلاة أهل الأرض: دعاؤهم له.
(٢) كمعلم القرآن والحديث والفقه، ومن يرشد الناس إلى طاعة الله تعالى، ولا رتبة أعلى من رتبة من يرحمه الله وتدعو له العباد.
(٣) هو العلم الشرعي النازل من السماء، فهو دائما في شغف إلى العلم، كما أن طالب الدنيا لا يشبع منها، وفي الحديث: منهومان (جائعان) لا يشبعان: طالب علم وطالب مال. ولكن طالب المال إنما يسعى فيما يفسده ويطغيه وطالب العلم يسعى فيما يصلحه ويهديه. وفيه حث على طلب العلم من المهد إلى اللحد حتى يصل بصاحبه إلى الجنة.
(٤) بأسانيد غريبة إلا الأخير فسنده حسن.
(٥) كيعلم، ويحتمل أنه بضم أوله وتشديد ثالثه كما ضبطوا بهذا حديث أبي داود القائل: يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته.
(٦) أي ثلاث فرق مرتبين بإذن الله تعالى.
(٧) والرسل بالأولى.
(٨) فأعظم بمرتبة تلى النبوة وتسبق الشهادة.
(٩) الذين ماتوا في الجهاد.
(١٠) بسند حسن، قال رسول الله - ﷺ - "يقول الله ﷿ للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لفصل عباده إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي" وفي رواية: يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم. وفي رواية: أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع (هو أخذ الحلال الخالص وترك ما فيه شبهة) وفي رواية: إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحالة مات وهو شهيد. وفي أخرى: من جاءه أجله وهو يطلب العلم لم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة. روى الخمسة الطبراني، وللإمام أحمد: إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة. وللبيهقي: يبعث العالم والعابد فيقال للعابد ادخل الجنة ويقال للعالم أثبت حتى تشفع للناس بما أحسنت أدبهم. وقد اختلف العقل والعلم فقال العقل: أنا أفضل لأن الله عُرف بي، وقال العلم: أنا أفضل لأن الله اتصف بي في الكتاب، فوافقه العقل واعترف له بالفضل. ونظم بعضهم ذلك فقال: علم العليم وعقل العاقل اختلفا … من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا =
[ ١ / ٦٥ ]