قَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ (^١) ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾.
• عَنْ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمَّعَ (^٢) سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ (^٣) وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغْنَي الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ (^٥) مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنْ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ (^٧) رَجُلٌ (^٨) اسْتُشْهِدَ (^٩) فَأُتِيَ بِهِ (^١٠) فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا (^١١) قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ (^١٢) قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ (^١٣) حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ: كَذَبْتَ وَلكِنَّكَ
_________________
(١) (الباب الثالث في التحذير من الرياء)
(٢) وهو مسرور سعيد.
(٣) الناس بعبادته أي قصد بها إسماعهم فيحمدونه.
(٤) أي فضحه أمامهم يوم القيامة.
(٥) أي ومن يظهر للناس عمله يشهره الله به في القيامة بمثل الآتي في الحديث الأخير: وله النار، كما في الحديث الثالث.
(٦) أي لا حاجة لي في عبادة عملت لي مع غيري.
(٧) فلا شيء له عندي بل يطلب ثوابه ممن شركه معي، وهذا الحديث من نوع الأخير، وكان الأحسن ضمه إليه لولا مراعاة الاصطلاح الذي درجت عليه من تقديم الصحيح على غيره، ويلوح لي من أحاديث الباب أن الرياء نوعان: نوع يقصد بعبادته غير الله مع الله تعالى، والثاني يقصد بعبادته الناس فقط وينسى الله تعالى كما في الحديث الأول والثالث والرابع وهو أشد جرمًا، وكلا النوعين هو الشرك الخفي الذي قال فيه النبي - ﷺ -: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال. فقلنا بلى يا رسول الله فقال: الشرك الخفي أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل. وفي رواية: إن أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله، أما إني لست أقول يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا وثنًا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية. وفي رواية: لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة من خردل من رياء. روى الثلاثة المنذري في الترهيب.
(٨) إن أول الناس يجرى عليه القضاء ثلاثة.
(٩) أولها رجل.
(١٠) مات في الجهاد.
(١١) أوقف بين يدي الله تعالى.
(١٢) سرد عليه النعم فاعترف بها.
(١٣) هل شكرتني عليها.
(١٤) في سبيلك ومرضاتك.
[ ١ / ٥٧ ]
قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ (^١) فَقَدْ قِيلَ (^٢) ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ (^٣). وَرَجُلٌ (^٤) تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيك القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ (^٥)، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ (^٦). وَرَجُلٌ (^٧) وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلِّهِ (^٨) فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ (^٩) فَقَدْ قِيلَ (^١٠) ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ (^١١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الحَزَنِ»، قَالِوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الحزَنِ؟ قَالَ: «وَادٍ (^١٢) فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذ مِنْهُ جَهَنَّمُ (^١٣) كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهُ؟ قَالَ: «القُرَّاءُ المُرَاؤُونَ (^١٤) بِأَعْمَالِهِمْ».
• وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُسِرُّهُ (^١٥)، فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ ذلِكَ (^١٦)
_________________
(١) أي شجاع.
(٢) أي ما أردته بجهادك.
(٣) لأنه خالف أمر الله من إفراده بالعبادة.
(٤) والثاني رجل.
(٥) ما قصدته وهي الشهرة بالعلم والقرآن.
(٦) لأنه جعل المخلوق وهى الشهرة - ربا فعبده دون الله.
(٧) والثالث رجل.
(٨) تأكيد لأصناف.
(٩) أي كريم.
(١٠) أي ما أحببته وقصدته بعملك وهو فلان كريم.
(١١) لأنه تعجل بعبادة الله تعالى الشهرة في الدنيا فأعطاه الله إياها وليس له في الآخر إلا النار - قال تعالى - من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا -.
(١٢) أي مكان معلوم فيها.
(١٣) أي خزنة جهنم.
(١٤) الذين يقصدون بقراءتهم الناس وإرضاءهم وينسون الله الذي أنزل القرآن - نسو الله فنسيهم -.
(١٥) من الإسرار، أي يخفيه عن الناس ليكون خالصًا لله.
(١٦) أي اطلاع الناس عليه فيستبشر بثنائهم واقتدائهم به.
[ ١ / ٥٨ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ (^١) وَأَجْرُ العَلَانِيَةِ (^٢)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣).
• عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيَوْمَ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَاد (^٤): مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْد غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) أي أجر عمل السر.
(٢) أي وأجر عمل الجهر لأن عمله اكتسب الوصفين فأجر عليهما.
(٣) في الزهد بسندين حسنين.
(٤) من قبل الله تعالى.
(٥) أي في التفسير بسند حسن عن أبي موسى الأشعري قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم فقال: ياأيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال رجل: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه. ورواه أيضا أحمد والطبراني والله أعلم.
[ ١ / ٥٩ ]