قَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٩).
• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النِّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ
_________________
(١) أي من خلق ربك.
(٢) فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله.
(٣) أي يترك الاسترسال معه.
(٤) فهو مفسر للحديث قبله.
(٥) أي أرجع إلى الله تعالى، فهو الذي يحفظني من مكايده، وبه يتضح أن المراد بالاستعاذة في الحديث السابق الالتجاء إلى الله تعالى، أي من وسوسة الشيطان اللعين.
(٦) قيل يا رسول الله يخطر على قلوبنا ما يعظم علينا أن نتكلم به، ولعله ما صرح به في الحديثين قبله.
(٧) أي هذه الوسوسة واستعظامكم التكلم بها هو الإيمان الخالص، فالوسوسة لا تضر المؤمن ما دام يستعيذ بالله. والله أعلم. (الباب الثالث في فضائل الدين)
(٨) مزاياه التي تترتب عليه في الدنيا والآخرة كالحفظ من القتل والأسر في الدنيا، وكالحفظ من عذاب القبر وأهوال القيامة وعذاب النار في الآخرة، هذا فضلا عن النعيم الواسع الدائم في جنات فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون.
(٩) وكفانا فخرًا به أنه دين الله جل شأنه. قال في =
[ ١ / ٣٠ ]
لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ (^١) أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ (^٢) مِنْهُ وَالجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ (^٣) عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلٍ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
• عَنْ أَبِي ذَرَ الغِفَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَبَشَّرَنِي أنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيِئًا (^٥) دَخَلَ الجَنَّةَ» (^٦). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِن زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»؟ قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِن زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرَ» (^٧). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨).
• عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النِّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ (^٩) إِلا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (^١٠)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا، قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» (^١١) وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا (^١٢).
_________________
(١) =كتابه العزيز - إن الدين عند الله الإسلام -.
(٢) هي قوله كن فيكون.
(٣) رحمة من عنده.
(٤) أي فمن مات على هذه العقيدة فهو من أهل الجنة، إلا أنه إن كان فاعلا للواجبات بعيدًا عن المحرمات دخل الجنة بدون عذاب، وإلا فأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه بقدر تقصيره وأدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة.
(٥) أي من العاصي.
(٦) بأن مات على عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
(٧) يقال فيه ما قيل في الحديث الذي قبله.
(٨) أي قهرًا عنه.
(٩) وقال: سئل الزهري عن حديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: إنما كان هذا في أول الإسلام قبل إزال الشرائع والأحكام ترغيبا في الدين الحنيف.
(١٠) أي موقنا ومخلصا بها.
(١١) كان هذا في أول الإسلام كما سبق عن الزهري، أو المراد بالنار نار الخلود وإلا عارضتنا الأدلة الدالة على تعذيب العصاة كقوله تعالى - إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا - وقوله: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها. وقوله: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها. وستأتي إن شاء الله عدة أحاديث في أول الصلاة وفي أول الزكاة والحج والبيوع والحدود كلها تصرح بتعذيب العصاة فلا بد من التأويل كما قلنا حتى تلتئم نصوص الشريعة.
(١٢) على هذا ويتركون العمل.
(١٣) خروجًا من الإثم أي من ذنب كتمان العلم.
[ ١ / ٣١ ]
• وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ (^١) ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ (^٢) فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ»؟ (^٣) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ (^٤) وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَاد عَلَى اللَّهِ ﷿ أَلا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^٥). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ (^٦) قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» (^٧)، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (^٨)، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (^٩). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.
• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ (^١٠) فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْر أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا». وَفِي رِوَايَةٍ إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
• عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ (^١١) مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^١٢) وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ (^١٣) وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ شَكَّ
_________________
(١) أي راكبًا خلفه.
(٢) عفير بالتصغير.
(٣) أي فضلا منه وكرمًا لا وجوبًا عليه جل شأنه.
(٤) يوحدونه بألسنتهم وقلوبهم فلا بد من الجمع بينهما.
(٥) يقال فيه ما قيل في الذي قبله.
(٦) أي أي أمور الدين أوجب وأرفع في الدرجة.
(٧) لأنه المطلوب أولا من كل إنسان؛ ولأنه كفيل بسعادة الدارين.
(٨) لأنه لنشر دين الله وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
(٩) لأنه يكفر الذنوب كلها.
(١٠) أي أخلص في عبادة الله.
(١١) أي بشفاعة من يأذن الله لهم في الشفاعة أو رحمة الله تعالى.
(١٢) مع قرينتها محمد رسول الله.
(١٣) أي من مات معترفا بالشهادتين وفي قلبه إيمان ناقص بترك بعض الواجبات أو بفعل بعض المحرمات، ولا يفهم من التعبير بوزن شعيرة أو برة أو ذرة إلا ذلك، والشعيرة حبة الشعير. والبرة حبة البر وهو القمح، والذرة أصغر النمل. وسيأتي في كتاب القيامة أحاديث الشفاعة بما لم يوجد له نظير إن شاء الله.
[ ١ / ٣٢ ]
فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.
• عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنينَ آيِةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذلِكَ اليَوْمَ عِيدًا قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^١) ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (^٢) ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِينًا﴾ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيُّ.
• عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا المُوجِبَتَانِ؟ (^٣) فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ (^٤) وَمَن مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ».
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأَمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا (^٥) مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
وَلِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الدِّينِ (^٦) إِلَى اللهِ (^٧) الْحَنَفِيَّةَ (^٨) السَّمْحَةُ (^٩).
_________________
(١) بيان شرائعه وأحكامه وظهوره على الأديان كلها.
(٢) بتوفيقكم للقيام بأمور الدين ومنه الحج الذي أنتم فيه الآن.
(٣) أي ما هما الخصلتان اللتان توجب إحداها الجنة وتوجب الأخرى دخول النار.
(٤) يقال فيه كما قيل في مثله.
(٥) فحديث النفس، وهو ترددها في عمل المعصية، لا مؤاخذة عليه بنص الحديث، وأولى منه الهاجس والخاطر وهما اللذان يخطران بالبال، ولكن أولها يمر كما يمر السحاب والثاني يمر بالبال وركن قليلا ويذهب، وأما الهم وهو خطور الشيء بالبال وترجيح فعله بدون تصميم ففيه الثواب للحديث الآتي في كتاب النية، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ولا عقاب فيه، بقى العزم وهو التصميم على الفعل ففيه الجزاء في الخير والشر، وهذه هي مراتب القصد المذكورة على الترتيب مع بيان حكمها في قول بعضهم: مراتب القصد خمس هاجس ذكروا … فخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم كلها رفعت … سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا
(٦) أي الأديان التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام.
(٧) عند الله.
(٨) أي الملة المائلة عن الباطل إلى الحق.
(٩) السهلة الميسورة لكل إنسان وهي التي جاء بها =
[ ١ / ٣٣ ]
• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ (^١) عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ (^٢) وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرُهُوا عَلَيْهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ (^٣).