قَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (^٢).
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ (^٣) وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ (^٤) فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوضَّأُ بِمَاءِ البَحْرِ (^٥)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ (^٦) مَاؤُهُ، الحِلُّ (^٧) مَيْتَتُهُ». رَوَاهُ أَصْحابُ السُّنَنِ (^٨).
• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى (^٩) لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ (^١٠) وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحومُ الكِلَابِ (^١١) وَالمَحَائِضُ (^١٢) وَعَذِرُ النَّاسِ (^١٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ المَاءِ (^١٤) طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ (^١٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٦).
_________________
(١) [الباب الثاني في أحكام المياه]
(٢) المراد بأحكامها بيان أنواع المطهر منها والقدر الذي يدفع النجس ولا يقبله، والنهي عن تنجيسها إذا كانت واقفة، وجواز طهارة الرجل بفضل المرأة وعكسه، وبقاء طهورية الماء الذي ترده السباع، وطهارة الماء المستعمل.
(٣) هو ماء المطر.
(٤) أي الملح وهو مر ومالح ومنتن، وكانو يركبون البحر للصيد.
(٥) أي العذب.
(٦) أي الملح.
(٧) بالفتح خبر هو، وماؤه فاعل به.
(٨) بكسر الحاء أي الحلال، فكل حيوان بحري حلال يجوز أكله حتى ميتته، ما لم تنتن وإلا حرمت لضررها، سألوا عن ماء البحر فأجابهم بطهارته وزادهم أن ميتته حلال، وهذا من محاسن الأجوبة.
(٩) بسند صحيح.
(١٠) ببنائه للمفعول، أي يؤتي لك بالسقيا للشرب والطهارة.
(١١) بالضم اسم صاحب البئر أو اسم مكانها، وهو بالمدينة في دار بني ساعدة بطن من الخزرج، وبصق، فيها النبي - ﷺ - ودعا لها بالبركة وتوضأ في دلو ورده فيها، وكان يأمر المريض بالاغتسال فيها فيغتسل فيشفى، فلهذا كانت مباركة ومحبوبة.
(١٢) أي الميتة.
(١٣) جمع محيض وهي خرقة الحيض.
(١٤) عذر - بفتح فكسر - جمع عذرة، ككلم وكلمة وهي الغائط. وليس المراد أن هذه الأشياء كانت تلقي في البئر عمدًا من أهل المدينة، فإنهم كانوا في حاجة إلى الماء لقلته ولا سيما العذب منه كهذه البئر، وإنما المراد أن البئر كانت في منحدر من الأرض، فكانت السيول والأمطار تحمل إليها تلك الأشياء، ولكنها لسعتها وعمقها كانت لا تؤثر فيها، فسألوا النبي - ﷺ - عنها، وفي رواية قالوا أنتوضأ من بئر بضاعة فقال: إنها طهور.
(١٥) أي ماء هذه البئر.
(١٦) أي لكثرته، فإنه أكثر من قلتين.
(١٧) بسند حسن وقال أحمد: إنه صحيح.
[ ١ / ٨٠ ]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ (^١): قَدَّرْتُ بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا (^٢) ثمَّ ذَرَعْتُهُ (^٣) فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ (^٤) وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ (^٥) عَنْ عُمْقِهَا قَالَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا المَاءُ إِلَى العَانَةِ (^٦) قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ؟ قَالَ: دُونَ العَوْرَةِ (^٧) وَسَأَلْتُ صَاحِبَ البُسْتَانِ الَّذِي هِيَ فِيهِ: هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ (^٨) قَالَ: لَا (^٩).
• عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَاءِ يَكونُ فِي الفَلَاةِ (^١٠) وَمَا يَنُوبُهُ (^١١) مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ (^١٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ (^١٣) المَاءُ قُلَّتَيْنِ (^١٤) لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ (^١٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٦).
• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ (^١٧) فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظرُ إِلَى المَاءِ يَنْبُعُ (^١٨) مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ، قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ (^١٩) مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ
_________________
(١) هو صاحب الكتاب الثالث من أصولنا هذه.
(٢) أي قستها به.
(٣) أي قست ما ساواها منه بذراعي.
(٤) أي بذراعه الذي هو من المرفق إلى رءوس الأصابع.
(٥) قيم بفتح فكسر مع التشديد أي القائم بأمرها.
(٦) هي موضع نبات الشعر فوق القبل.
(٧) أي الركبة، لحديث: عورة الرجل ما بين سرته وركبته.
(٨) في زمن النبي - ﷺ -.
(٩) قال أبو داود: وماؤها متغير اللون، قال النووي: بطول مكثه وأصل منبعه، فعلى هذا التقدير تكون كمية المياه في هذه البئر وقت نقصها أكثر من القلتين في الحديث الآتي.
(١٠) يلحقه نوبة بعد أخرى من أثر السباع.
(١١) بالفتح، الأرض الواسعة الخالية.
(١٢) كشر بها وبولها واغتسالها فيه.
(١٣) أي بلغ.
(١٤) تثنية قلة بالضم، وهي الجرة العظيمة، سميت قلة لأن اليد تقلها وترفعها، وفي رواية: إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر (بلد بقرب المدينة تجلب منها القلال) لم ينجسه شيء. وقدر الشافعي القلة عن ابن جرير الرائى لها بقربتين ونصف من قرب الحجاز، والقربة لا تزيد غالبًا على مائة رطل بغدادي، فتكون القلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريبًا.
(١٥) بفتحتين النجس أي لم يتنجس به إلا إذا تغير أحد أوصافه كما قاله الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، ومفهوم الحديث أن الماء إذا نقص عن القلتين فإنه يتنجس بملاقاته لأي نجاسة، ويؤيده الحديث الآتي: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه الخ.
(١٦) بسند صحيح.
(١٧) بفتح الراءين واسع الفم ليس بعميق.
(١٨) بتثليث الموحدة، وهل هو تكثير موجود أو إيجاد معدوم؟ الله أعلم.
(١٩) بتقديم الزاي على الراء أي قدرت.
[ ١ / ٨١ ]
إِلَى الثَّمَانِينَ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ (^٢) أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي (^٣) ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ (^٤).
• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ (^٥) يُقَالُ لَهُ الفَرَقُ (^٦). وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَحْنُ جُنُبَانِ. رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.
• عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِينَا (^٧). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ (^٨) فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا أَوْ يَغْتَسِلَ فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا (^٩) فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ المَاءَ لَا يَجْنَبُ (^١٠)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١١).
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
_________________
(١) معجزة باهرة له - ﷺ -، وسيأتي من هذا كثير في كتاب النبوة إن شاء الله.
(٢) بنون التوكيد والنهي للتحريم.
(٣) تفسير للدائم.
(٤) أي الدائم وإن لم يرد وضوءًا ولا غيره؛ لأنه إذا كان أقل من قلتين تنجس وإن لم يتغير كما قاله الشافعي، وقال مالك: لا ينجس إلا إذا تغير، قليلًا كان أو كثيرًا، واحترز بالراكد عن الجاري المستبحر كنهر النيل ونحوه فلا كراهة فيه.
(٥) بدل من إناء.
(٦) بفتحتين إناء من نحاس يسع ستة عشر رطلًا.
(٧) ظاهره أنهم كانوا يغترفون بأيديهم من الماء وهم حوله، ومعلوم أن هذا كان قبل نزول الحجاب.
(٨) بفتح فسكون: قصعة كبيرة.
(٩) أي واغتسلت منها.
(١٠) بفتح نونه، أي لا يصير جنبًا باغتسال الجنب فيه، وفي رواية: الإنسان لا يجنب. وكذا الثوب والأرض، أي لا يصير جنبًا بمس الجنب فيحتاج إلى تطهير بالماء. وظاهر الحديث أن الماء لا يستعمل باغتسال الجنب فيه، وأولى بالوضوء فيه وإن كان قليلًا وعليه المالكية وجماعة. وقال الجمهور إن القليل يستعمل بالانغماس أو الوضوء فيه، وأجابوا عن هذا بأنه محمول على الاغتراف كقول أبي هريرة الآتي ومقيد بحديث إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث.
(١١) بسند صحيح، فهذه الأحاديث تدل على جواز طهارة الرجل بفضل المرأة وعكسه، ورد عليه ما رواه أصحاب السنن من نهيه - ﷺ - عن ذلك، ويجاب عنه بأنه ضعيف، فلا ينهض مع هذه الأدلة القاطعة، أو هو منسوخ بها، أو أن النهي يحمل على ما تساقط من الأعضاء لأنه مستعمل أو أنه للتنزيه.
[ ١ / ٨٢ ]
«لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ (^١) فِي المَاءِ الدَّائِمِ (^٢) وَهُوَ جُنُبٌ فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُه تَنَاوُلًا (^٣)».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو قَتَادَةَ (^٤) فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا (^٥) فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ (^٦) فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ (^٧) حَتَّى شَرِبَتْ فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا بِنْتَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهَا ليْسَتْ بِنَجَسٍ (^٨) إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ (^٩)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٠).
• عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الحُمُرُ (^١١)؟ قَالَ: «نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا (^١٢)». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ.
• وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ (^١٣) فَعَقَلْتُ (^١٤) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنِ المِيرَاتُ؟ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ (^١٥) فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ (^١٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) أي ولا يتوضأ.
(٢) أي القليل الذي لم يبلغ القلتين، فلا ينغمس فيه ولا يعيد ما سال من أعضاء الوضوء والغسل فيه، فيصير مستعملا عند بعض الفقهاء ومستقذرًا عند فريق آخر.
(٣) أي يغترف منه بيده ويغتسل، أو يتوضأ خارج الإناء وبالاغتراف لا يستعمل الماء، وهذا مقيد للإطلاق في حديث عائشة وابن عباس عند من يقول بمفهوم "إذا بلغ الماء قلتين" فإنهما لم ينصا على الاغتراف كما صرح به هنا وفي حديث ابن عمر بقوله: ندلى أيدينا فيه.
(٤) وكان أبا زوجها.
(٥) بالفتح: صببت له يتوضأ.
(٦) أرادت الشرب منه.
(٧) أي أماله لها لتشرب.
(٨) بفتحتين أي ليست نجاسة تنجس الماء.
(٩) أي من جملة من يطوف عليكم في البيوت الخدم فأكرموهم قال تعالى في الخدم - طوافون عليكم بعضكم على بعض -.
(١٠) بسند صحيح.
(١١) بضمتين جمع حمار أي بما بقي من الماء بعد شربها، وهو وما قبله من نوع الحديث الثالث.
(١٢) فالماء الذي ترده السباع باق على طهوريته ما لم يتغير من نجاستها وإلا صار نجسًا.
(١٣) الماء الذي توضأ منه أو به، وهو الأقرب لأنه اتصل بجسمه - ﷺ -.
(١٤) أي أفقت من غفلتي ببركته - ﷺ -.
(١٥) أي أخوات فليس لي ولد ولا والد.
(١٦) هي - يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة - وستأتي مبسوطة في الفرائض إن شاء الله، عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال له ليلة الجن: ما في إداوتك؟ قال: نبيذ قال: ثمرة طيبة وماء طهور. رواه أبو داود والترمذي، وهو ضعيف باتفاق المحدثين فإن فيه مجهولين، ولم يكن مع النبي - ﷺ - ليلة الجن =
[ ١ / ٨٣ ]