قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا﴾ (^١) ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.
• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِيُبَلِّغِ (^٢) الشَّاهَدُ (^٣) الغَائِبَ (^٤) فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَلِّغُوا (^٦) عَنِّي وَلَوْ آيَةً (^٧) وَحَدِّثُوا عَنْ
_________________
(١) = فالعلم قال أنا أحرزت غايته … والعقل قال أنا الرحمن بي عرفا فأفصح العلم إفصاحًا وقال له … بأينا الله في فرقانه اتصفا فبان للعقل أن العلم سيده … فقبل العقل رأس العلم وانصرفا وقد فاتني الكلام على حكم تعلم العلم، وجل من لا يسهو. أعلم وفقني الله وإياك أن العلم فرض عين على كل مكلف لقوله تعالى - فاعلم أنه لا إله إلا الله - أي اعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله واعرف أسماءه وصفاته التي وردت في الكتاب والسنة، وهذا كاف في أصل المعرفة، وأما كمالها فلا بد فيه من الدليل العقلي لأنه هو الذي يفيد المعرفة اليقينية الثابتة، وبسط ذلك في علم التوحيد ولقوله تعالى - فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الذين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون - ولقول رسول الله - ﷺ - "طلب العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب" رواه ابن ماجه وغيره، وللطبراني في الأوسط: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تعلمون منه. والله أعلم. (الباب الثاني في وجوب تبليغ العلم وفضل نشره)
(٢) أي واذكر يا محمد للناس ما فعله الله مع العلماء قديمًا، فإنه أخذ منهم المواثيق والعهود على أن يعلموا العلم للناس ولا يكتموه ولا يأخذوا عليه ثمنًا فخالف بعضهم وحق عليه الوعيد .. وأنتم يا أهل العلم مثلهم فالعهد باق ما دامت العلماء والناس.
(٣) اللام للأمر كقوله تعالى ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾.
(٤) الحاضر الذي سمع مني.
(٥) الذي لم يسمع مني.
(٦) أي فإني أرجو أن يبلغ السامع منى شخصًا يكون أحرص وأحفظ للحديث من السامع، فضمير له يعود على الحديث المعلوم من المقام، وضمير منه يعود على الشاهد، فالتبليغ واجب لحفظ الشريعة من الضياع وربما صادف لبيبًا نحريرًا استخرج منه أحكامًا لم يفهمها السابق.
(٧) أمر وهو للوجوب.
(٨) والحديث أولى، فإن القرآن محفوظ، قال تعالى "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
[ ١ / ٦٦ ]
بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ (^١) وَمَنْ كَذَبَ (^٢) عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سُئِلَ (^٣) عَنْ عِلْمٍ (^٤) فكَتَمَهُ أَلجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ القِيَامَةِ (^٥) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).
• عَنْ أَبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى (^٧) وَالعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ (^٨) الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ (^٩) قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ (^١٠) وَالعُشْبَ (^١١) الكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا (^١٢) أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَ مِنْهَا (^١٣) طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ (^١٤) لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تنْبِتُ كَلأً فَذلِكَ (^١٥) مَثَلُ مَنْ فَقُهَ (^١٦) فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْسًا (^١٧) وَلَمْ يَقبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ (^١٨)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
_________________
(١) ولا إثم عليكم، وهذا فيما لم يرد فيه نهي وإلا فلا كما قالوه في حديث البخاري الآتي في التفسير القائل لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا "آمنا بالله وما أنزل إلينا" الآية أي فيما لم يرد به شرعنا، وإلا فإن ورد فيه ما يوافقهم صدقناهم وإن ورد ما يخالفهم كذبناهم.
(٢) سيأتي الكذب في الأخلاق.
(٣) من شخص يظن فيه الخير.
(٤) قال الخطابي: هو في العلم الضروري، ككافر جاء يقول علمني الإسلام، وكقول آخر علمني الصلاة وقد حضر وقتها، وقول آخر: علمني الزكاة فهذا وقتها وليس ذلك في نوافل العلم التي لا ضرورة إليها.
(٥) فإنه لما كتم العلم وأمسكه بفمه عوقب فيه يوم القيامة جزاء وفاقًا، فهو وعيد بالعذاب على الكتمان، فيكون التبليغ واجبًا كما صرح به فيما قبله قال أبو هريرة: لولا آية في كتاب الله ما حدثت بشيء - إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون - فكاتم العلم عن أهله ملعون ومعاقب بنص الكتاب والسنة.
(٦) بسند حسن.
(٧) بيان لما بعثني وهو الشريعة.
(٨) المطر.
(٩) أي أرض طيبة.
(١٠) النبات رطبا ويابسا.
(١١) أي النبات الرطب.
(١٢) من الأرض، أجادب: جمع جدب كحدب وهي البقعة التي لا تشرب ماء ولا تنبت نباتا.
(١٣) أي الأرض.
(١٤) جمع قاع وهو الأرض المستوية.
(١٥) أي التقسيم أي أقسام الأرض.
(١٦) بضم ثانيه صار فقيها.
(١٧) لتكبره وعدم التفاته إليه.
(١٨) هو الشريعة لم ينتفع بها إلا بالإسلام، أو المراد لم يدخل في الدين، فالحديث شبه العلم بالمطر بجامع أن كلا منهما فيه حياة، ففي العلم=
[ ١ / ٦٧ ]
• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ لَأَنْ (^١) يَهْدِيَ (^٢) اللَّهُ بِهُدَاكَ (^٣) رَجُلًا وَاحِدًا (^٤) خَيْرٌ لَكَ (^٥) مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ (^٦)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.
• عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا حَسَدَ إِ (^٧) لا فِي اثْنَتَيْن (^٨) رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ (^٩) وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا (^١٠) وَيُعَلِّمُهَا (^١١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.
• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَضَّرَ (^١٢) اللَّهُ امْرَأً (^١٣) سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا (^١٤) فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ (^١٥) أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ (^١٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٧) وَأَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ (^١٨) إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ (^١٩)
_________________
(١) =حياة القلوب والأرواح وبالماء حياة الأراضي والنفوس، وشبه الناس بالأرض، فبعضها طيب يصيبه المطر فيفيض على الناس أنواع النبات والزروع ومن كل الثمرات، وبعض الأرض يمسك الماء فينتفع به العباد شربا وسقيا، ومن الأرض بقاع لا خير فيها فلا تنبت شيئًا ولا تمسك ماء، والناس كذلك، فمنهم من تعلم العلم فعمل به ونفع العباد، ومنهم من ليس كذلك، والمراد به حث العلماء على أن يكونوا كالأرض الطيبة فينفعوا الناس فيحبهم الله، فأحب العباد إلى الله أنفعهم لعباده.
(٢) بفتح اللام والهمزة جواب للقسم.
(٣) بفتح أوله.
(٤) الذي أنت عليه يا علي، فالخطاب له يوم بعثه إلى خيبر.
(٥) بأن يراك على عمل صالح أو يسمع منك موعظة حسنة فيقتدى بك.
(٦) أي أفضل وأكثر ثوابا عند الله من كثير الصدقة.
(٧) جمع أحمر، والنعم بفتحتين: الإبل والبقر والغنم، فإذا أضيفت إلى حمر كما هنا كان المراد بها الإبل الحمر، وكانت العرب تضرب المثل بحمر النعم لأنها أنفس أموالهم وأكرمها عندهم. فمن يهدي شخصًا واحدًا فله عند الله درجة كبيرة، فما بالك بمن يهدى قبيلة أو شعبا. وهذا وما بعده في فضل نشر العلم.
(٨) يطلق الحسد ويراد به تمني زوال نعمة الغير وسيأتي في الأخلاق إن شاء الله، ويطلق ويراد به تمني مثل ما عند الغير ويسمى غبطة وهو المراد هنا، فلا حسد محبوب شرعًا إلا في هذا.
(٩) خصلتين إحداهما خصلة رجل.
(١٠) بإنفاقه في سبيل الخير ومرضاة الله تعالى وثانيتهما خصلة رجل.
(١١) على نفسه بالعمل بها وعلى الناس.
(١٢) للعباد، ففيه حث على إنفاق المال في مرضاة الله وإرشاد العباد بل وتمنى ذلك.
(١٣) بالتشديد وعدمه من النضارة وهي البهاء والحسن.
(١٤) شخصًا ذكرًا أو أنثى أي جمله بالجلال والجمال، فهو دعاء له.
(١٥) في أمر الدين كآية من كتاب الله أو حديث كما سمع بدون زيادة.
(١٦) بفتح اللام الذي يسمع الحديث.
(١٧) أحفظ وأتقن وأكثر فهما من سامعه.
(١٨) بسند صحيح.
(١٩) يوصله.
(٢٠) أكثر فهما في الحديث منه.
[ ١ / ٦٨ ]
وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقُيهٍ (^١)».
• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَحْمِلُهُ (^٢) فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُبْدِعَ بِي (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اِيتِ فُلَانًا». فَأَتَاهُ فَحَمَلَهُ (^٤) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ (^٥)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.