• عَنْ أَسْمَاءَ (^٧) قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الحَيْضَةِ (^٨) كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ (^٩)؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ (^١٠) ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ (^١١) ثُمَّ تَنْضِحُهُ (^١٢) ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ».
_________________
(١) أي شرب بطرف لسانه.
(٢) من الإراقة أي فليلق ما فيه، فإنه تنجس من فمه.
(٣) بسكون اللام فيه وما قبله.
(٤) فإنه يطهر.
(٥) للتخيير، أي فيمزج التراب بالأولى أو بالأخرى أو بأي واحدة، كما يؤخذ من مجموع الروايات.
(٦) مفعول لمحذوف أي اجعلوا السابعة بالتراب، وفي رواية: والثامنة عفروه بالتراب، فهذه تأمر بغسلة ثامنة وعليه بعضهم، وخرج بقوله ولغ ما إذا أكل من شيء فإنه يلقى ما مسه فمه فقط، وخرج أيضا ما مسه الكلب مع الجفاف من الجانبين فلا شيء فيه، ويؤخذ منه أن المائع وكذا الماء القليل إذا لاقته نجاسة تنجس وإن لم يتغير، كما يؤخذ منه نجاسة الكلب نجاسة مغلظة للأمر بغسله سبعًا مع التتريب، والغسل لا يكون إلا من حدث أو نجس، ولا حدث على الإناء فثبتت نجاسة فمه، وإذا ثبتت في فمه وهو أطيب أجزائه لكثرة ما يلهث فبقيتها أولى، وبه قال الشافعي وأحمد وقالت الحنفية بنجاسة لعابه فقط وقوفًا مع هذا الدليل، وقال مالك: إن الأمر بهذا الغسل تعبدي والكلب طاهر لأن الأصل في الأشياء الطهارة، والنجاسة لا تأتي إلا بدليل ولا دليل هنا على نجاسته هذا، وقد شدد الشارع في نجاسة الكلب بما لم يعهد في نجاسة أخرى حتى ما كان منها سما زعافا كدم الحيض، ولعل حكمة ذلك زيادة التحفظ من أثره، فإن الداء الفتاك وهو داء الكلب لا ينشأ غالبا إلا من الكلب، وقد قال بعض أطباء الغرب إن للعاب الكلب ميكروبا لا يقتله إلا مزيج التراب والماء. والله أعلم (الفصل الثاني في تطهير الدم والبول وغيرهما)
(٧) بنت أبي بكر ﵄.
(٨) أي يلصق بثوب الحائض شيء من دمها.
(٩) أي كيف تطهره.
(١٠) أي بأصبعها، وهو وما بعده بضم ثالثه.
(١١) أي تدلكه مع الماء دلكًا قويًا ثم تعصره ثم تعيد هذا حتى يزول أثرها من جرم وطعم ولون، فإن فعلت هذا ثلاثا وبقي اللون فقد طهر المحل، فإن بقي الطعم أو الريح فالنجاسة باقية، ويجب تكرار الغسل حتى يظن أنه لا يزول إلا بالقطع، وحينئذ يعفي عنه لعسر إزالته.
(١٢) أي تغسله بعد ذلك مبالغة في الطهارة وتصلى فيه، قال الخطابي. يؤخذ منه أن النجاسات كلها=
[ ١ / ٨٥ ]
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيُّ (^١) فَبَالَ فِي المَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ (^٢) فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا (^٣) عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا (^٤) مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ (^٥) وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».
• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا (^٦) ليُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ (^٧) أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ (^٨) وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ (^٩) ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً (^١٠)» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَففُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا (^١١)».
• عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ (^١٢) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) =لا تزول إلا بالماء دون غيره من المائعات، وبه قال الجمهور، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف جواز تطهير النجاسات بكل مائع من قول عائشة: كانت إحدانا يصيب ثوبها من دمها فتبله بريقها وتدلكه.
(٢) بعد أن دخل المسجد فصلى ركعتين وقال: اللهم ارحمني ومحمد ولا ترحم معنا أحد فقال النبي: لقد تحجرت واسعًا. فلم يلبث أن قام في ناحية من المسجد وبال.
(٣) أي صاحوا به ليقطع بوله.
(٤) أي صبوا.
(٥) بفتح فسكون وهو والذنوب الدلو المملوء ماء، أي صبوا على محل بوله دلوًا من ماء وعمموه فإنه يطهر وكانت الأرض ترابا، فيؤخذ منه أن الأرض الترابية لا بد في طهارتها من الماء، وعليه الشافعي وبعض الأئمة، وقال آخرون إنها تطهر بالجفاف من الشمس أو الهواء لحديث أبي داود: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون بالماء شيئا من ذلك وقال بعضهم: تطهر بأحد الأمرين نظرة للحديثين.
(٦) أي بعثت لكم باليسر والسهولة؛ فتلطفوا بالجاهل وعلوه من غير إجهاد ولا مشقة، وفي رواية: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن.
(٧) أي من في القبرين.
(٨) أي في شيء كبير عند الناس لسهولة التحفظ من البول والنميمة وزاد في رواية: بلى إنه عظيم عند الله. فهو كقوله - وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم -.
(٩) أي لا يستبرئ ولا يستنزه ولا يتحفظ منه بالدلك بل كان يتركه فيخرج منه شيء بعد الاستنجاء.
(١٠) هي الإفساد بين الناس بالكلام.
(١١) فلقة واحدة.
(١٢) أي أرجو - ورجاؤه ﷺ محقق - تخفيف العذاب عنهما ما دامت الجريدة رطبة، فإن الأخضر يستغفر للميت ما دام رطبًا.
(١٣) شرطان لا بد منهما: أن يكون دون الحولين، وأن لا يتناول ما يكفيه عن اللبن.
[ ١ / ٨٦ ]
فَأَجلَسَهُ فِي حِجْرِهِ (^١) فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ (^٢) وَلَمْ يَغْسِلْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالمَاءِ. رَوَى هذِهِ الأَرْبَعَةَ الخَمْسَةُ.
• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيَ يَرْضَعُ فَبَالَ فِي حِجْرِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• عَنْ لبَابَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ الحُسَيْنُ (^٤) فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَالَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: الْبَسْ (^٥) ثَوْبًا وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ قَالَ: «إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالحَاكِمُ (^٧).
• عَنْ أَبِي السَّمْحِ (^٨) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْل الجَارِيَةِ (^٩) وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^١٠).
• عَنْ عَلِيَ قَالَ: يُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ بَوْلُ الغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ (^١١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ هكَذَا وَالتِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا.
• وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً (^١٢) وَكُنْتُ أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ (^١٣) فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ (^١٤) وَيَتَوَضَّأُ (^١٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.
_________________
(١) بفتح الحاء أشهر من كسرها، أي في حضنه وكانت عادة أهل المدينة أن يأتوا بأطفالهم إلى النبي - ﷺ - فيحنكهم بتمر ويدعو لهم بالبركة.
(٢) أي صب عليه بدون إسالة، وهذا معنى النضح الآتي، وفي رواية فدعا بماء فرشه أي بعد عصر البول منه.
(٣) ظاهره أنه غسله حتى عمه الماء وسال، وهذا أكمل فإن النضح رخصة.
(٤) ابن علي ﵄.
(٥) بفتح الباء في المضارع وكسرها في الماضي من لبس الثوب، وأما بمعنى الخلط فبالعكس قال تعالى ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.
(٦) الغسل تعميم الشيء بالماء حتى يسيل عنه بخلاف النضح فإنه تعميم بدون إسالة.
(٧) بسند صحيح.
(٨) وكان يخدم النبي - ﷺ -.
(٩) لأنه ثخين يعلق بالثوب بخلاف بول الذكر فإنه رقيق، ولأن الذكر يؤلف فخفف في أمره.
(١٠) هو وما بعده بسندين حسنين.
(١١) هو أحد الشرطين كما سبق.
(١٢) كثير المذي بفتح فسكون، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة أو تذكر الجماع، والودي ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول، والمذي والودي نجسان إلا عند الحنابلة فهما طاهران، والأمر بالغسل للنظافة.
(١٣) فاطمة ﵂ بسبب أنها زوجتي.
(١٤) أي كما يغسله من البول فإنه نجس مثله، وكذا ما يصيب البدن والثوب منه يغسل.
(١٥) أي ولا يغتسل.
[ ١ / ٨٧ ]
• عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ (^١) قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ المَذْيِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الاغْتِسَالَ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ: «إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذلِكَ الوُضُوءُ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: «يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).
• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ (^٤) فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلقَى الرَّوْثَةَ (^٥) وَقَالَ: «هذَا رِكْسٌ (^٦)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ (^٧) مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ (^٨). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.
وَعَنْهَا قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكَ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا (^٩) فَيُصَلِّي فِيهِ (^١٠). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.
• عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ (^١١) سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ (^١٢) فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ (^١٣)». وَفِي رِوَايَةٍ «إِذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ (^١٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.
_________________
(١) بالتصغير.
(٢) أي تغسل من ثوبك المكان الذي أصابه فقط.
(٣) بسند صحيح.
(٤) ليستجمر بها.
(٥) كانت روثة حمار.
(٦) بكسر فسكون أي رجيع لرجوعه من حال الطهارة إلى حال النجاسة أي ألقاها لنجاستها، ففضلة كل حيوان نجسة لهذا، كما أن المذي والبول والدم نجس مما تقدم.
(٧) أي أثرها وهو المني.
(٨) أي رطوبته في الثوب، لم يجف. ظاهره أن المني نجس وإلا لما غسلته، وبه قال مالك وأبو حنيفة إلا أن مالكا قال إنه يغسل بالماء كسائر النجاسات، وقال أبو حنيفة يغسل رطبه ويفرك يابسه للحديث الآتي.
(٩) أي بيدي حتى تزول عينه.
(١٠) أي من غير غسل، وظاهره أن مني الآدمي طاهر وعليه الشافعي وأحمد ﵄، وغسله في الأول لزيادة النظافة.
(١١) بالهمز وعدمه.
(١٢) أي جامد وماتت فيه، أما إذا أخرجت حية فلا تنجيس ولا إلقاء.
(١٣) أي باقيه.
(١٤) لأنه تنجس بسريان النجاسة فيه من الميتة النجسة التي لها دم سائل، أما ما لا دم له سائل كالذباب والزنبور إذا مات في المائع فإنه لا ينجسه كما في الحديث الآتي.
[ ١ / ٨٨ ]
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ (^١) فَلْيَغْمِسْهُ كلَّهُ (^٢) ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ (^٣) فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً (^٤) وَفِي الآخَرِ دَاءً (^٥)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَزَادَ: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي (^٦) بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ (^٧)».
وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ تَسْأَلُ أُمَّ سَلمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي (^٨) وَأَمْشِي فِي المَكَانِ القَذِرِ (^٩) فَقَالَتْ
_________________
(١) وفيه الماء أو المائع.
(٢) بسكون اللام والأمر للندب، أو للإرشاد منعًا للأذى.
(٣) بكسر اللام أي خارج الإناء ولا ضرر على ما فيه فيأكله إذا سمحت نفسه، فربما لم يكن عنده غيره.
(٤) وهو الأيمن.
(٥) وهو الأيسر.
(٦) أي الوقوع.
(٧) فيدفع به الوقوع عن نفسه كما يدفع الإنسان الضرر بيده فينزل في الإناء أولا، فأمر الشارع بغمسه كله ليذهب الشفاء الداء أي السم الذي فيه بإذن الله تعالى، قال بعض حذاق الأطباء: هذا كلام حق فإن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحمرة والحكة التي تظهر عقب لسعته ولا سيما في الصغير، فإذا رأى الذباب سقوطه فيما يؤذيه تحصن بجناحه الذي فيه السم فقدمه فأمر الشارع بغمسه منعًا لضرره، وقد اعترض بعض الناس على هذا الحديث الجليل ولا أدري كيف اعتراضه إن كان لقوله إن فيه سمًا فلا بعد ولا غرابة لأنه الواقع لظهور أثره عقب لسعته كما تقدم، وإن كان لقوله إن فيه سمًا وشفاء فلا غرابة أيضًا؛ لأن هذا في غيره من صغير الحيوان كنحلة العسل التي يضرب بلسعتها المثل، وفيها أيضًا عسل فيه شفاء للناس، وإن كان من جهة الأمر بغمسه الذي يتضمن إذنًا بأكل ما في الإناء فلا وجه للاعتراض أيضًا لأنه لم يأمرنا بأكله وإنما أباحه لمن شاء، فما أرشدنا إلى غمسه إلا منعًا لضرره وحفظًا للمال من التلف، فربما لم يكن هناك غيره، فروح الحديث الإرشاد إلى حفظ الصحة والمال، والصحة أول نعمة على الإنسان بعد الإيمان والمال زينة الحياة الدنيا ولكن يظهر أن اعتراضه ناشئ عن جهله بالواجب، فإن المسلم مكلف بأن يؤمن بالله ورسوله وما جاء عنهما قال تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ومطلوب منه أن يتعقله فإن ظهر له معناه فذاك فضل الله يؤتيه من يشاء وإلا فليلزم الأدب وليترك الاعتراض على الله ورسوله، فربما كان من المتشابه وهو في الشريعة كثير والإيمان به واجب قال تعالى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ومن الحكمة وجوده في كلام الله ورسوله لإعجاز المعاندين، وإلا فما الفرق بينه وبين كلام البشر؟ نسأل الله أن ينور بصائرنا آمين.
(٨) أي حتى يجر على الأرض كما هو المطلوب من النساء.
(٩) بفتح فكسر، أي النجس فيتلوث منه ذيلي.
[ ١ / ٨٩ ]
أُمُّ سَلَمةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).
وَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى المَسْجِدِ مُنْتِنَةً (^٣) فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا (^٤) قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قُلْتُ: بَلَى قَالَ: «فَهذِهِ (^٥) بِهذِهِ».
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَطِئَ (^٦) أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ (^٧)». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا وَطِئَ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ».
• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلى المَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا (^٨) أَوْ أَذىً فَلْيَمْسَحْهُ (^٩) وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا (^١٠)». رَوَى الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ (^١١). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) من الأرض الطيبة الخالية من القذر. ظاهره أن ذيل المرأة إذا تقذر بأرض قذرة ثم مرت بأرض يابسة وزال صار طاهرًا. ولكن قال مالك والشافعي وأحمد: هذا إذا لم تظهر به نجاسة كالبول وإلا تعين الماء، وأما ذيل الرجل الذي يمس الأرض فلا يطهره إلا الماء لأنه خلاف المشروع من جعله إلى نصف الساقين أو إلى الكعبين، بخلاف المرأة فإنها مأمورة بالتطويل مبالغة في الستر، وسيأتي في اللباس إن شاء الله.
(٢) بسند صالح، وسند مالك صحيح.
(٣) بضم أوله وكسر ثالثه، أي ذات نتن وفساد.
(٤) بلفظ المجهول أي نزل علينا المطر.
(٥) أي النجاسة التي حصلت من الأرض القذرة تطهر بهذه الأرض الطيبة، ومن هذا قال بعض الأئمة: يعفى عن طين الشارع ولو نجسًا ما لم تظهر عين النجاسة، وحكمة هذا التخفيف على الناس كما هي قواعد الشرع الشريف - وما جعل عليكم في الدين من حرج - وقال ابن مسعود: كنا مع النبي - ﷺ - لا نتوضأ من الموطأ، أي لا نغسل ما أصابنا من الطريق.
(٦) بكسر الطاء أي داس بنعله على نجاسة.
(٧) أي مطهر له بمروره عليه فيتناثر منه، وإلا فيدلكه بالأرض كما في الذي بعده.
(٨) بفتحتين أي نجاسة.
(٩) بالأرض والتراب حتى لا يبقى منه شيء ظاهر.
(١٠) فإنهما صارتا طاهرتين، فأسفل النعل كذيل المرأة يطهر بمروره على الأرض إن زال ما به، وإلا دلكه حتى يزول.
(١١) الأخيران بسندين صحيحين.
[ ١ / ٩٠ ]