بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١)
نَحْمَدُكَ اللَّهُمَّ عَلَى نِعْمَةِ التَّوْفِيقِ (^٢) وَنَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ الْهِدَايَةَ إِلَى أَقْوَمِ طَرِيقٍ، وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي بَعَثْتَهُ لِلنَّاسِ رَحْمَةً (^٣) وَأَنْطَقْتَهُ بِالْهُدَى وَالْحِكْمَةِ (^٤) وَعَلَى آلِهِ وَصَحبهِ الَّذِينَ حَفِظُوا هُدَاهُ (^٥) وَبَلَّغُوهُ وَرَأَوْا نُوْرَهُ (^٦) فَاتَّبَعُوهُ.
_________________
(١) الشرح بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. أما بعد: فلما منّ الله عليّ وألفت كتاب "التاج لجامع للأصول" عرضته على أولى الرأي من كبار العلماء وعلى وزارة الأوقاف فحبذوه واستحسنوه، ولكنهم أشاروا عليّ بشرحه ليكمل النفع به. فتوقفت واعتذرت لضعف عينىّ من جهة، ولصعوبة الشرح من جهة أخرى. فإن شارح الحديث يعترضه أمور صعاب لا يدريها كثير من الناس، وذلك كتحقيق الحديث ومعرفة متونه من صحيح وحسن وضعيف متصلًا كان أو منقطعًا أو مرسلًا، ومن مشهور وغريب ومتواتر وآحاد وغير ذلك، كالناسخ والمنسوخ والخاص والعام والمجمل والمبين، فضلًا عن هذا فهو مضطر إلى بيان الأمر في الحديث هل هو للوجوب أو للندب أو للإباحة، وبيان النهي هل هو للتحريم أو للكراهة، وما طريق ذلك البيان. وهذه أشق أنواع التأليف وأبعدها مدى في الحديث، ولكنه سهل على من يسره الله عليه. لهذا توقفت كثيرًا فقال لي أحد كبار العلماء: يا أستاذ لا يمكن لأي شخص تدريس البخاري وحده بدون شرح فما بالك بالأصول الخمسة. وقال لي عالم فاضل: كتابك بغير شرح لا ينتفع به إلا الخواص، فإذا شرحته انتفع به الخاص والعام. فاقتنعت بضرورة الشرح ولكني لا زلت وجلًا من تلك الصعوبات السالفة، وطالما تمنيت أن يقوم بالشرح رجل من أهل العلم فما تيسر لي ذلكَ. فتضرعت إلى الله تعالى أن يشرح لي صدري وأن ييسر لي أمري وأن يوفقني للصواب وأن يرشدني للمراد وأن يتفضل عليّ بروح من عنده كما تفضل عليّ بالأصل إنه واسع الفضل والعطاء آمين.
(٢) بدأته بالبسملة والحمدلة كما فعل ربي في كتابه. وفي الحديث: "تخلقوا بأخلاق الله تعالى ".
(٣) الإضافة للبيان.
(٤) قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
(٥) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].
(٦) هو القرآن. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
(٧) قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
[ ١ / ١٣ ]
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَجَلَّ الْعُلُومِ قَدْرًا وَأَعْظَمِهَا نَفْعًا، لأَنَّ مَوْضُوعَهُ سُنَنُ (^١) الرَّسُولِ وَآثَارُهُ الْقَوْلِيَّةُ وَالْفِعْلِيَّةُ، وَفِى هذِهِ خَيْرُ النَّاسِ وَهِدَايَتُهُمْ (^٢) وَفَوْزُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ (^٣). فَالْمُشْتَغِلُ بِهِ (^٤) دَاعٍ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ وَسِرَاجٌ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ حَتى قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتى يُبَلِّغَهُ" (^٥). وَقَالَ أَيْضًا: "مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي (^٦) أَرْبَعِيْنَ حَدِيثًا مِنْ أَمْرِ دِينِهَا بَعَثَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهًا عَالِمًا". وَفِي رِوَايَةٍ: "كُتِبَ فِي زمْرَةِ الْعُلَمَاءِ وَحُشِرَ في زُمْرَةِ الشُّهَدَاءِ" (^٧). (وَالْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا) (^٨).
فَلِهذَا (^٩) وَلِمَا فَطَرَنِي الله عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ الْحَدِيثِ وَالشَّغَفِ بِهِ (^١٠) فَكَّرْتُ في جَمْعِ كِتَابٍ في الْحَدِيثِ، وَاستَشَرْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ، وَاسْتَخَرْتُ الله تَعَالَى فَلَاحَتْ لِي لَوَائِحُ التَّيْسيْرِ، وَاسْتَضَاءَتْ لِي مَصَابِيحُ التَّبْشِيْرِ، فَاعْتَمَدْتُ عَلَى رَبِّي وَأَجْمَعْتُ أَمْرَي (^١١)
_________________
(١) جمع سنة وهي الطريقة المتبعة. وسنن الرسول - ﷺ - أقواله وأفعاله وتقريراته ووصفه وسمته وهديه التي كان متصفًا بها، فآثاره القولية والفعلية بيان للسنن.
(٢) أي في دنياهم.
(٣) في أخراهم.
(٤) أي بالحديث يدعو الناس إلى الله تعالى وما أسعده بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. وقد دعا له النبي - ﷺ - بالبهجة في الدنيا والبعث على أحسن حال.
(٥) سيأتي في العلم بسند صحيح.
(٦) أي نقل لها في مكتوب وإن لم يحفظ اللفظ والمعنى لحصول النفع به ولو درسها لجماعة من المسلمين لكان أفضل.
(٧) هذا الحديث أورده إمام المحدثين النووي في خطبة كتابه الأربعين وقال: اتفق الحفاظ على أنه ضعيف وإن كثرت طرقه، ولكنهم اتفقوا على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. كما اتفقوا على كتابته ودرسه.
(٨) أي معتبرة بالمراد منها فكلما كان القصد ساميًا كان العمل الموصل إليه أسمى وأرفع؛ لأنَّه الوسيلة إليه ولا وجود له إلا به. والقصد من تأليف هذا الكتاب تقريب الشريعة إلى العباد حتى يتناولوها بسهولة، فيسعدوا في دنياهم وأخراهم، وهذا نهاية ما يمكن عمله من الكمال.
(٩) لرفعة قدر الحديث وشرف المشتغل به.
(١٠) بالتحريك شدة التلهف عليه وعدم الشبع منه، وهذه حالي من نشأتي والحمد لله. فقد وفقني الله تعالى حفظ الأربعين النووية ومختصر البخاري قبل نيلي شهادة العالمية ببضع سنين.
(١١) عزمت وصممت عليه. ومنه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] وسيأتي في الصوم "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
[ ١ / ١٤ ]
وَشَرَعْتُ فِي تَأْلِيفِهِ عَلِى بَرَكَةِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْتَحْضَرْتُ أَصَحَّ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَأَعْلَاهَا سَنَدًا (^١) وَهِيَ:
صَحِيْحُ الْبُخَارِيِّ (^٢)، وَصَحِيْحُ مُسْلِمٍ (^٣)، وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ (^٤)، وَجَامِعُ التِّرْمِذِيِّ (^٥)،
_________________
(١) أقصرها في السند. وكان المحدثون يرون لقصر السند منزلة عظيمة. حتى إن الشيخين أخذا كثيرًا من الأحاديث عن أحمد عن الشافعي (ولكنهما) لم يرويا من هذا السند لوجود أسانيد أقصر منه. وأما أصحاب السنن فقد رووا من هذا السند كثيرًا، ﵃.
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن المغيرة الجعفي البخاري ولد ببخارى سنة ١٩٤ هـ أربع وتسعين ومائة. وتوفى سنة ٢٥٦ هـ ست وخمسين ومائتين. ولم يعقب ولدًا ذكرًا وقال: خرّجت كتابي هذا من زهاء (قدر) ستمائة ألف حديث. ما وضعت فيه حديثًا إلا وصليت ركعتين. وصنفه في ست عشرة سنة وسمعه منه تسعون ألف رجل. وعدد أحاديثه بدون المكرر أربعة آلاف حديث كما قاله النووي. وقال الحافظ: عدد ما فيه بدود المكرر والموقوف والمعلق ٢٧٦٠ ستون وسبعمائة وألفان فقط.
(٣) هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري. ولد سنة ٢٠٤ هـ أربع ومائتين وتوفى سنة ٢٦١ هـ إحدى وستين ومائتين. وقال ﵀: صنفت كتابي هذا من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. ولو اجتمع أهل الحديث وكتبوا فيه مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند وعدد ما فيه أربعة آلاف حديث. وفضله بعضهم على البخاري. فقد قال الحافظ النيسابوري شيخ الحاكم: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم. ووافقه بعض علماء المغرب. وهذا مسلّم بالنسبة إلى قلة تكراره وحسن وضعه، فإنه يستوفي الوارد في الموضوع ثم لا يعود له بعد ذلك بخلاف البخاري. ولكن جمهور الحفاظ وأهل الإتقان والغوص في أسرار الحديث على أن البخاري أفضل، فإنه أصح وأدق وأوسع في صناعة الحديث، وكان مسلم إذا دخل عليه قبّل يده وقال له: يا طبيب الحديث. وكان الترمذي يسأله عن أحاديث مرة بعد أخرى، ﵃.
(٤) هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني. ولد سنة ٢٠٢ هـ اثنتين ومائتين وتوفي بالبصرة سنة ٢٧٥ هـ خمس وسبعين ومائتين. قال ﵁: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث، فانتخبت منها أريعة آلاف وثمانمائة ضمنتها هذا الكتاب، ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وهو كتاب لا تَرِد عليك سنة عن النبي - ﷺ - إلا وهي فيه ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب. ولا يضر رجلًا ألا يكتب من العلم شيئًا إلا هذا الكتاب.
(٥) هو أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي. ولد سنة ٢٠٠ هـ مائتين، بترمذ وتوفي بها سنة ٢٧٩ هـ تسع وسبعين ومائتين وكان حافظًا متقنًا بارعًا في صناعة الحديث، وفي كتابه فوق خمسة آلاف حديث.
[ ١ / ١٥ ]
وَالْمُجْتَبَى لِلنَّسَائِيِّ (^١) ﵃. وَهذِهِ هِيَ الأُصُولُ الْخَمْسَةُ الَّتِي اشْتَهَرَتْ فِي الأُمَّةِ وَارْتَضَتْهَا
لِمَا لَهَا مِنَ الْمَكَانَةِ الْعُلْيَا فِي الْحَدِيثِ (^٢) وَلِأنَّهَا جَمَعَتْ مِنَ الشَّرِيعَةِ مَا عَزَّ وَغَلَا ثَمَنُهُ
_________________
(١) هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النَّسَائِيّ كان ورعًا تقيًا حافظًا، وكتابه أكثر الكتب تكرارًا، حتى إنني أذكر له في الصوم أنه كرر حديث النية ست عشرة مرة. ولد سنة ٢١٥ خمس عشرة ومائتين. ومات بمكة سنة ٣٠٣ هـ ثلاث وثلاثمائة. وبلده الأصلي نسا، ومسلم من نيسابور وكلاهما بإقليم خراسان، والبخاري من بخارى، والترمذي من ترمذ وكلاهما بإقليم ما وراء النهر. وأبو داود من سجستان بإقليم السند. وهذه أقاليم أعجمية فارسية شرق الخليج الفارسي، إلا أن السند بإزاء المدينة نصًا، وخراسان وما وراء النهر مائلان إلى الشمال، كما في خريطة الممالك الإسلامية للمرحوم أمين بك واصف، فليس فيهم عربي ولا من جزيرة العرب إلا الإمام مسلمًا، فإنه قشيري، من أحد قبائل العرب. ولكن الله ألان لهم علم الحديث كما ألان الحديد لداود ﵇، وهؤلاء الأئمة كانوا يتعبّدون على مذهب الشافعي ﵁، إلا البخاري فلم يعلم مذهبه. وقد اشتركوا في أخذ العلم عن شيوخ معلومة، فإنهم كانوا في عصر واحد وهو القرن الثالث الذي ظهرت فيه شمس الحديث وبسطت أنوارها على الأرض بمن فيها. ولكن مسلمًا والترمذي كانا كثيري الاجتماع بالبخاري ﵃.
(٢) التي فاقت كل كتاب ظهر إلى الآن في علم الحديث. فإن البخاري ومسلمًا التزما ألا يرويا حديثًا إلا إذا كان متصل السند بنقل الثقة عن الثقة، من أوله إلى منتهاه سالمًا من الشذوذ والعلة. وهذا حد الصحيح عند العلماء بلا خلاف، إلا أن مسلمًا اكتفى في الراوي والمروي عنه أن يكونا في عصر واحد وإن لم يجتمعا، بخلاف البخاري فإنه اشترط اجتماعهما زيادة احتياط. قال ابن الصلاح ﵀: كل ما حكم مسلم بصحته في كتابه فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه؛ لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول إلا من لا يعتد به. وقال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن كل ما في البخاري ومسلم صحيح لما ألزمته الطلاق، لإجماع المسلمين على صحتها، وما قيل في بعض أحاديثهما إنه لم يصل إلى درجة الصحيح فهو من اختلاف نظر النقاد في الرواة. وحسبنا اتفاق العلماء على أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وكذا المجتبى للنسائي كله صحيح، فإنه لما ألف السنن الكبرى وقدمها لأمير الرملة قال له: يا أبا عبد الرحمن أكلّ ما فيها صحيح؟ فقال: فيها الصحيح وغيره. فقال الأمير: جرّد لنا الصحيح، فجمع الصحيح في كتاب وأسماه المجتبى فهو هذا الذي بأيدينا. وأما أبو داود ﵀ فقد قال: ما وضعت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه، وما فيه من وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. قال الحافظ ابن حجر: لفظ صالح في كلامه أعم من أن يكون للاحتجاج أو للاعتبار، فما أرتقى إلى الحسن ثم إلى الصحة فهو بالمعنى الأول وما عداهما فهو بالمعنى الثاني. وما قصر عن ذلك فهو ما فيه وهن شديد ا هـ. فعلى هذا كل حديث سكت عنه أبو داود فهو صالح، وسأتبع ذلك في بيان درجة ما رواه بقولي بسند صالح. قال الخطابي ﵀: لم يصنف في علم الدين مثل السنن لأبي داود، وقد رزق القبول من كافة الناس على اختلاف مذاهبهم، وكفاه أن الأمة لم تجمع على ترك حديث واحد فيه. وأما الترمذي ﵀ فقد قال في آخر كتابه: جميع ما في هذا الكتاب فهو معمول به وقد أخذ به بعض أهل العلم إلا حديثين أحدهما: جمع النبي - ﷺ - الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. وثانيهما: إذا شرب العبد الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه اهـ. ولكنه ﵁ سها في الأول فقد أخذ به بعض المحدثين والفقهاء كما سيأتي في عذر الصلاة. وأما الثاني فمصيب فيه لأنَّه لم يقل به أحد من الأمة. والترمذي ﵀ لم يترك بعده لأحد قولًا، فقد أبان عن درجة كل حديث بعد إخراجه بل وزاد على هذا أنه ذكر رواته عن النبي - ﷺ - كما ذكر من أخذ به من الصحب والتابعين والفقهاء، ففيه ضروب من العلم وأنواع من نفائسه وتحقيق من صناعة الحديث التي لم توجد في غيره من كتب القوم. وهو أقل الكتب تكرارًا كمسلم وأبي داود وفيه قسط عظيم من التفسير والأخلاق والسمعيات كالشيخين، بخلاف النَّسَائِيّ فليس فيه شيء من ذلك. قال الترمذي ﵀: عرضت هذا الكتاب على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به واستحسنوه، ومن كان كتابي في بيته فكأنّما في بيته نبي يتكلم.
[ ١ / ١٦ ]
بَلْ هِيَ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا (^١) كَمَا قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ - ﵁ -: مَا شَذَّ عَنِ الأُصُولِ الْخَمْسَةِ مِنْ صَحِيْحِ حَدِيثِ الرَّسُولِ - ﷺ - إِلَّا النَّزْرُ الْيَسيْرُ (^٢) وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهَا حَاجَةُ الإِنْسَانِ لِسَعَادَة الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (^٣).
_________________
(١) أي ففيها أحكام حاجة الناس للدنيا والآخرة.
(٢) ليس المراد أنها جمعت كل أحاديث النبي - ﷺ - فإن هذا لم يقله أحد فضلًا عن إمام المحدثين النووي، بل المراد أنه ما من موضوع للدنيا والآخرة إلا وحكمه فيها سوى بضعة مواضع، منه ما يأتي في عد التراويح عشرين ركعة، فإني ما وجدته في الأصول ولكني وجدته في موطأ مالك ﵁ فوضعته في التاج تكميلًا للموضوع، ومنه ما يأتي في فضل الحرمين فإني ما وجدت في الأصول شيئًا من زيارة قبر النبي - ﷺ - إلا حديثًا في أبي داود لا يشفي، فبحثت ونقبت حتى عثرت على بضعة أحاديث في الشفا للقاضي عياض ﵀ فوضعتها في التاج، وكأني ملكت الدنيا وما فيها، ومنه ما يأتي في كتاب النكاح فإني لم أعثر في الأصول على عيوب النكاح التي توجب الفسخ، وكذا لم أعثر على حكم غيبة الزوج. وبعد البحث وجدتها في موطأ مالك فاثبتها تكميلًا للكتاب.
(٣) يؤيد هذا ما سبق عن كل إمام من أنه انتقى كتابه من بضع مائة ألف حديث، فقد رأى كل منهم أن في كتابه كفاية لأمر الدنيا والآخرة وإلا زاد، ولا سيما مسلم في قوله: لو اجتمع أهل الحديث وكتبوا فيه مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند. وكذا قول أبي داود: لا ترد عليك سنة عن النبي - ﷺ - إلا وهي فيه فما بالك باجتماع الأصول الخمسة.
[ ١ / ١٧ ]
ثُمَّ نَظَرْتُ (^١) فِيْهَا نَظْرَةً عَامَّةً وَطَفِقْتُ (^٢) أُدْمِجُهَا (^٣) كُلَّهَا بِتَمَامِهَا فِي مُؤَلَفٍ وَاحِدٍ (^٤) أُهَذِّبُ كُتُبَهُ (^٥) تَهْذِيبًا وَأُحَرِّرُ أَبْوَابَهُ تَحْرِيرًا لِكَيْ أَشْفِىَ بِهِ غَلِيلِي (^٦) وَأُتْحِفَ بِهِ عُشَّاقَ عِلْمِ الْحَدِيثِ.