٢٨- قال أبو جعفر:
ثم كان الاختلاف الآخر الذي حدث في منتحلي الإسلام بعد الذي ذكرت من الاختلاف في أمر الإمارة، الاختلاف في الحجة التي هي لله حجة على خلقه فيما لا يدرك علمه إلا سماعًا، ولا يدرك استدلالًا ولا استنباطًا.
(أ) فقال بعضهم: لا يدرى علم شيءٍ من ذلك إلا سماعًا من الله ﵎ عما قالوا من ذلك علوًا كبيرًا.
فزعموا أن الأرض لا تخلو منه، غير أنه يظهر لخلقه في صورٍ مختلفة، في كل زمانٍ في صورةٍ غير الصورة التي ظهر بها في الزمان الذي قبله وفي الزمان الذي بعده.
وهو قولٌ يذكر عن عبد الله بن سبأ وأصحابٍ له تبعوه على
[ ١٦٣ ]
ذلك فقالوا لعلي ﵁: أنت أنت، فقال لهم عليٌ: من أنا؟ قالوا: أنت ربهم، فقتلهم رضوان الله عليه، ثم حرقهم بالنار.
[ ١٦٤ ]
قال أبو جعفر:
وقد بقي في غمار المسلمين ممن ينتحل هذا المذهب خلقٌ كثير.
(ب) وقال آخرون: لا يدرك علم شيءٍ من ذلك إلا من واسطةٍ بين الله وبين خلقه، زعموا أنه من القديم مكان وزير الملك من الملك.
وقد استكفاه الأمور كلها فكفاه إياها.
(ج) وقال آخرون: لا يدرك علم ذلك إلا من رسول الله ﷺ إلى خلقه، لا تخلو الأرض منه. وقالوا: لن يموت منهم أحدٌ حتى يخلفه آخر.
(د) وقال آخرون: لا يدرك علم ذلك إلا من وصي لرسول الله ﷺ، أو من وصي وصي قالوا: وذلك كذلك إلى قيام الساعة.
قال أبو جعفر: وكل هذه الأقوال عندنا ضلالٌ وخروجٌ من الملة وقد بينا فساد كل ما قالوا واعتلوا به لمذاهبهم في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(هـ) وقال آخرون: لا يدرك علم شيءٍ من ذلك إلا ضرورةً، ثم
[ ١٦٥ ]
اختلفوا في الأسباب التي تضطر القلوب إلى علمه بما يطول بحكايته الكتاب.
٢٩- (و) وقال آخرون: لا يدرك علم شيءٍ من ذلك إلا اكتسابًا. قالوا: وإذ كان ذلك كذلك علم أن الذي يكتب من ذلك هو ما جرت به عادات الخلق بينهم، ولم يزل عليه نشوءهم وفطرهم، وذلك الخبر المستفيض الذي لم تزل العادات بالسكون إليه جاريةٌ، وبالطمأنينة إليه ماضيةٌ مضيها بأن النيران محرقةٌ والثلج مبردٌ.
قالوا: وكل مدع ادعى أن ما لا تدرك حقيقة علمه إلا سماعًا، تدرك حقيقته وصحته بغير ذلك؛ فقد ادعى خلاف الجاري من العادات، وغير المعروف في الفطر، كالمدعي نارًا غير مسخنةٍ، وثلجًا غير مبردٍ، فمدعي غير الذي جرت به العادات وغير المعروف في الفطرة.
قال أبو جعفر:
وهذا القول أولى الأقوال عندنا بالصحة، وقد بينا العلة الموجبة صحته في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذ الموضع.
فأما خبر الواحد العدل فإنه معنىً مخالفٌ هذا النوع، وقد بيناه في موضعه.
[ ١٦٦ ]