٤٠- قال أبو جعفر:
ثم كان الاختلاف السادس. وذلك الاختلاف في زيادة الإيمان ونقصانه.
(أ) فقال بعضهم: الإيمان يزيد وينقص، وزيادته بالطاعة، ونقصانه بالمعصية.
[ ١٩٤ ]
قالوا: وإنما جازت الزيادة والنقصان عليه؛ لأنه معرفةٌ وقولٌ وعملٌ، فالناس متفاضلون بالأعمال. فأكثرهم له طاعةً أكثرهم إيمانًا، وأقلهم طاعة أقلهم إيمانًا.
(ب) وقال آخرون: يزيد ولا ينقص.
[ ١٩٥ ]
وقالوا: زيادته الفرائض. وذلك أن العبد في أول حالٍ تلزمه الفرائض، إنما يلزمه الإقرار بتوحيد الله –جل ثناؤه- دون غيره من الأعمال، وذلك بلوغ نوعً من أنواع الإيمان. ثم فرض الطهارة للصلاة، والغسل من جنابةٍ إن كان أجنب مثل ذلك.
ثم الصلاة ثم كذلك سائر الفرائض إنما يلزمه كل فرضٍ منها
[ ١٩٦ ]
بمجيء وقته.
قالوا: وإنما يزداد إيمانه وفرائضه بمجيء أوقاتها ولا ينتقص.
قالوا: فلا معنى لقول القائل: الإيمان ينقص؛ لأنه لا يسقط عنه فرضٌ لزمه بعد لزومه إياه وهو بالحال التي لزمه فيها إلا بأدائه. قالوا: فالزيادة معروفةٌ، ولا يعرف نقصانه.
(ج) وقال آخرون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
وذلك أن الإيمان: معرفة الله وتوحيده والإقرار بذلك بعد المعرفة وبما فرض عليه من فرائضه.
أ- قالوا: والجهل بذلك وجحود شيءٍ منه كفرٌ، فلا وجه للزيادة فيما لا يكون إيمانًا إلا بتمامه وكماله، ولا للنقصان فيما النقصان عنه كفرٌ.
ب- قالوا: فقول القائل: الإيمان يزيد وينقص كفرٌ وجهلٌ لما وصفنا.
٤١- قال أبو جعفر:
والحق في ذلك عندنا أن يقال: الإيمان يزيد وينتقص، لما وصفنا قبل من أنه معرفةٌ وقولٌ وعملٌ. وأن جميع فرائض الله تعالى
[ ١٩٧ ]
ذكره التي فرضها على عباده من المعاني التي لا يكون العبد مستحقًا اسم مؤمنٍ بالإطلاق إلا بأدائها.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا شك أن الناس متفاضلون في الأعمال، مقصرٌ وآخر مقتصد مجتهد ومن هو أشد منه اجتهادًا، كان معلومًا أن المقصر أنقص إيمانًا من المقتصد، وأن المقتصد أزيد منه إيمانًا، وأن المجتهد أزيد إيمانًا من المقتصد والمقصر، وأنهما أنقص منه إيمانًا؛ إذ كان جميع فرائض الله كما قلنا قبل.
فكل عاملٍ فمقصر عن الكمال، فلا أحد إلا وهو ناقص الإيمان غير كامله؛ لأنه لو كمل لأحدٍ منهم كمالًا تجوز له الشهادة به، لجازت الشهادة له بالجنة؛ لأن من أدى جميع فرائض الله فلم يبق عليه منها شيءٌ، واجتنب جميع معاصيه فلم يأت منها شيئًا ثم مات على ذلك، فلا شك أنه من أهل الجنة. ولذلك قال عبد الله ابن مسعود في الذي قيل له: إنه قال: إني مؤمنٌ – ألا قال: إني من أهل الجنة.
لأن اسم الإيمان بالإطلاق إنما هو للكمال. ومن كان كاملًا
[ ١٩٨ ]
كان من أهل الجنة، غير أن إيمان بعضهم أزيد من إيمان بعضٍ، وإيمان بعضٍ أنقص من إيمان بعض؛ فالزيادة فيه بزيادة العبد بالقيام باللازم له من ذلك.
قال أبو جعفر:
وقد دللنا على خطأ قول من زعم أن الإيمان: معرفةٌ وإقرارٌ دون العمل، وعلى فساد قول الزاعم أنه المعرفة دون الإقرار والعمل، وقول الزاعم أنه الإقرار دون المعرفة والعمل، بما أغنى عن تكراره في هذا الموضع.
وفي فساد ذلك القول فساد علة الزاعمين أنه لا يجوز الزيادة والنقصان في الإيمان، وصحة القول الذي اخترناه.
[ ١٩٩ ]