١٥- قال أبو جعفر:
أما ما لا يصح عندنا عقد الإيمان لأحدٍ، ولا يزول حكم الكفر عنه إلا معرفته، فهو ما قدمنا ذكره.
وذلك أن الذي ذكرنا قبل من صفاته لا يعذر بالجهل به أحدٌ بلغ حد التكليف كان ممن أتاه من الله تعالى ذكره رسولٌ أولم يأته رسولٌ، عاين من الخلق غيره أو لم يعاين أحدًا سوى نفسه.
ولله تعالى ذكره أسماءٌ وصفاتٌ جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة بأن القرآن نزل به، وصح عنده قول رسول الله ﷺ فيما روي عنه به الخبر منه خلافه؛ فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه به من جهة الخبر على ما بينت فيما لا سبيل إلى إدراك حقيقة علمه إلا حسًا؛
[ ١٣٢ ]
فمعذورٌ بالجهل به الجاهل. لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكرة.
وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميعٌ بصيرٌ، وأن له يدين لقوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ . وأن له يمينًا لقوله: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ . وأن وله وجهًا لقوله: ﴿كل شيء
[ ١٣٣ ]
هالك إلا وجهه﴾، وقوله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ . وأن له قدمًا لقول رسول الله ﷺ: «حتى يضع الرب قدمه فيها» . يعني جهنم.
وأنه يضحك إلى عبده المؤمن لقول النبي ﷺ للذي قتل في سبيل الله: «إنه لقي الله ﷿ وهو يضحك إليه» .
[ ١٣٤ ]
وأنه يهبط كل ليلةٍ وينزل إلى السماء الدنيا، لخبر رسول الله ﷺ.
وأنه ليس بأعور لقول النبي ﷺ، إذ ذكر الدجال فقال: «إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» .
[ ١٣٦ ]
وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها غيايةٌ، وكما يرون القمر ليلة البدر؛ لقول النبي ﷺ.
[ ١٣٧ ]
وأن له أصابع؛ لقول النبي ﷺ: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن» .
[ ١٣٨ ]
١٦- فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها، مما وصف الله ﷿ بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ مما لا تدرك حقيقة علمه بالفكر والروية. ولا نكفر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهائها إليه.
أ- فإن كان الخبر الوارد بذلك خبرًا تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع.
ب- وإن كان الخبر الوارد خبرًا لا يقطع مجيئه العذر، ولا يزيل الشك غير أن ناقله من أهل الصدق والعدالة، وجب على سامعه تصديقه في خبره في الشهادة عليه بأن ما أخبره به كما
[ ١٣٩ ]
أخبره، كقولنا في أخبار الآحاد العدول، وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.
١٧- فإن قال لنا قائلٌ:
فما الصواب من القول في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله –﷿- ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ﷺ.
قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه –جل ثناؤه- فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ .
فيقال: الله سميعٌ بصيرٌ، له سمعٌ وبصرٌ؛ إذ لا يعقل مسمى سميعًا بصيرًا في لغةٍ ولا عقلٍ في النشوء والعادة والمتعارف إلا من
[ ١٤٠ ]
له سمعٌ وبصرٌ.
كما قلنا آنفًا: إنه لا يعرف مقولٌ فيه: «إنه» إلا مثبتٌ موجودٌ؛ فقلنا ومخالفونا فيه: «إنه» معناه الإثبات على ما يعقل من معنى الإثبات لا على النفي، وكذلك سائر الأسماء والمعاني التي ذكرنا.
١٨- وبعد، فإن سميعًا اسمٌ مبنيٌ من سمع، وبصيرٌ من أبصر؛ فإن يكن جائزًا أن يقال: سمع وأبصر من لا سمع له ولا بصر، إنه لجائزٌ أن يقال: تكلم من لا كلام له، ورحم من لا رحمة له، وعاقب من لا عقاب له.
وفي إحالة جميع الموافقين والمخالفين أن يقال: يتكلم من لا كلام له، أو يرحم من لا رحمة له، أو يعاقب من لا عقاب له، أدل دليلٍ على خطأ قول القائل: يسمع من لا سمع له، ويبصر من لا
[ ١٤١ ]
بصر له.
فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه؛ فنقول:
يسمع –جل ثناؤه- الأصوات، لا بخرقٍ في أذنٍ، ولا جارحةٍ كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصرٍ لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارحٌ لهم.
وله يدان ويمينٌ وأصابع، وليست جارحةً، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير.
ووجهٌ لا كجوارح الخلق التي من لحم ودم.
ونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. ولا نقول: إن ذلك كشر عن أسنان.
ويهبط كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا.
فمن أنكر شيئًا مما قلنا من ذلك، قلنا له: إن الله تعالى ذكره يقول في كتابه: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ . وقال: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ . وقال: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ .
[ ١٤٢ ]
فهل أنت مصدقٌ بهذه الأخبار، أم أنت مكذبٌ بها؟
(أ) فإن زعم أنه بها مكذب، سقطت المناظرة بيننا وبينه من هذا الوجه.
(ب) وإن زعم أنه بها مصدقٌ، قيل له: فما أنكرت من الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ: «أنه يهبط إلى السماء الدنيا فينزل إليها»؟
[ ١٤٣ ]
١٩- فإن قال: أنكرت ذلك؛ أن الهبوط نقلة، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكانٍ إلى مكان؛ لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة!
قيل له:
فقد قال –جل ثناؤه-: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ فهل يجوز عليه المجيء؟ فإن قال: لا يجوز ذلك عليه، وإنما معني هذا القول: وجاء أمر ربك.
قيل: قد أخبرنا –﵎- أنه يجيء هو والملك؛ فزعمت أنه يجيء أمره لا هو؛ فكذلك تقول: إن الملك لا يجيء، إنما يجيء أمر الملك لا الملك؛ كما كان معنى مجيء الرب –﵎- مجيء أمره.
[ ١٤٤ ]
فإن قال: لا أقول ذلك في الملك، ولكني أقول في الرب.
قيل له: فإن الخبر عن مجيء الرب –﵎- والملك خبرٌ واحدٌ، فزعمت في الخبر عن الرب –تعالى ذكره- أنه يجيء أمره لا هو؛ فزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره، فما الفرق بينك وبين من خالفك في ذلك، فقال: بل الرب هو الذي يجيء، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه؟!
فإن زعم أن الفرق بينه وبينه: أن الملك خلقٌ لله جائزٌ عليه الزوال والانتقال، وليس ذلك على الله جائزًا.
قيل له: وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال، ولا سيما على قول من يزعم منكم أن الله –تقدست أسماؤه- لا يخلو منه مكانٌ.
وكيف لم يجز عندكم أن يكون معنى المجيء والهبوط والنزول بخلاف ما عقلتم من النقلة والزوال من القديم الصانع،
[ ١٤٥ ]
وقد جاز عندكم أن يكون معنى العالم والقادر منه بخلاف ما عقلتم ممن سواه، بأنه عالمٌ لا علم له، وقادرٌ لا قدرة له؟
وإن كنتم لم تعقلوا عالمًا إلا له علمٌ، وقادرًا إلا له قدرةٌ، فما تنكرون أن يكون صائبًا لا مجيء له، وهابطًا لا هبوط له ولا نزول له، ويكون معنى ذلك وجوده هناك مع زعمكم أنه لا يخلو منه مكانٌ!
٢٠- فإن قال لنا منهم قائلٌ: فما أنت قائلٌ في معنى ذلك؟
قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا –ﷻ- يوم القيامة والملك صفًا صفًا، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلةٍ، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره؛ بل نقول: أمره نازلٌ إليها كل لحظةٍ وساعةٍ وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما
[ ١٤٦ ]
دامت موجودةً. ولا تخلو ساعةٌ من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتًا دون وقتٍ، ما دامت موجودةً باقيةً.
وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله ﷿ وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه.
٢١- فأما الرؤية، فإن جوازها عليه مما يدرك عقلًا. والجهل بذلك كالجهل بأنه عالمٌ وقادرٌ. وذلك أن كل موصوف فغير مستحيل الرؤية عليه؛ فإذا كان القديم موصوفًا فاللازم لكل من بلغ حد التكليف أن يكون عالمًا بأن صانعه إذا كان عالمًا قادرًا له من الصفات ما ذكرنا، أنه لا يكون زائلًا عنه أحكام الكفار إلا باعتقاده أن ذلك له جائزةٌ رؤيته؛ إذ كان موصوفًا، كما يلزمه اعتقاده أنه حيٌ قديمٌ إذ كان لا مدبر فعلٍ إلا حيٌ، ولا محدثٌ إلا مصنوعٌ.
فأما إيجاب القول، فإنه لا محالة يرى، وفي أي وقتٍ يرى، وفي أي وقت لا يرى؟ فذلك ما لا يدرك علمه إلا خبرًا وسماعًا.
وبالخبر قلنا: إنه في الآخرة يرى، وإنه مخصوصٌ برؤية أهل
[ ١٤٧ ]
الجنة دون غيرهم؛ فسبيل الجهل بذلك سبيل الجهل بما لا يدرك علمه إلا حسًا حتى تقوم عليه حجة السمع به.
[ ١٤٨ ]