الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِ المُرْسَلينَ، وعلى آلهِ وَصَحْبِه أجمعينَ، أما بعدُ:
فإنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه وفّقَ هذا العبدَ الضعيفَ لِتَصْنِيفِ كُتُبٍ مُتَنَوّعةٍ في التفسيرِ والحديثِ والفقهِ والعقيدةِ والأَدْيانِ وغيرها، والحمدُ للَّهِ على ذلك حمدًا كثيرًا، ثم وفّقني اللَّه تعالى لتَصْنِيفِ هذا الكتابِ المُباركِ وهو:
"الجامعُ الكاملُ في الحديثِ الصحيحِ الشامل"
موضوعُه: جَمْعُ الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ المرتبة على الموضوعات في ديوانٍ واحدٍ، وقد اسْتَغْرَقَ تأليفه عدَّة سنواتٍ مُتتَاليةٍ، عملتُ خِلالَها ليلَ نهارَ، مُنْقَطعًا عن الزِّياراتِ واللِّقَاءاتِ، تاركًا الأسْفَارَ والرِّحْلاتِ، مُعتذرًا عن عَدمِ حضورِ النّدواتِ والمُؤتمراتِ، ليكونَ هذا "الجامعُ" بإذن اللَّهِ تعالى منارًا للهُدى لمُحبِّي سُنةِ المصطفى -ﷺ-، والسَّائرين على طريقتِه المُثْلى، ومُقْتَفي سيرتِه العطرةِ، ومُتّبعي أسوتِه الحَسَنَةِ.
وقَدْ وَاجَهَني خلالَ العملِ صعوباتٌ عِدّةٌ، لا يُقدِّرُها إلا مَنْ قامَ بإعدادِ مَوْسُوعَةٍ عِلْميّةٍ مثلِ هذا، وَمَارَسَ عِلْمَ التخريجِ الذي يُعَدُّ من أَصْعَبِ العُلُومِ الإسلَاميّةِ؛ لأنَّ هذَا العِلْمَ يَحْتَاجُ إلى معرفةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، وما يُقْبَل منه وما لا يُقْبَل، وعِلَلِ الحديثِ قادحةً وغيرَ قادحةٍ، ومعرفةَ الوَصْلِ والإرْسَال، والرَّفْعِ والوَقْفِ، والانْقِطَاعِ والإعْضَالِ، والتَّصْحِيفِ والتَّحْرِيفِ، وَوُقُوعِ الشّذُوذِ والنَّكَارَةِ في الإِسْنَادِ وَالمتنِ، وَمَا رُوِيَ باللَّفْظِ وَالمَعْنَى وَغيرِهَا من العُلُومِ الحَدِيثيّةِ.
[ ١ / ٥ ]
وَقَدْ يغترُّ بِظَاهرِ الإِسْنَادِ مِنْ لَا عِلْمَ لَهُ: أَنَّ أهلَ العِلْمِ وَالنَّقْدِ لَا يَكْتِفُونَ بِذَلِكَ، بَلْ يَتَتَبَّعُونَ الطُّرُقَ وَالْعِلَلَ، وَمَا يُقْبِلُ مِنْهَا وَمَا لَا يُقْبِلُ، وَيَدْرُسُونَّ أَحْوَالَ الرِّجَالِ، وَمُتُونَ الحَدِيثِ، ثُمَّ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ أَوِ الضَّعْفُ، وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ.
لَقَدْ تَمَّ هَذَا العَمَلِ المُبَارَكُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي دَارِ هِجْرَةِ المُصْطَفَى -ﷺ- التي تُسَمَّى أيضًا بِدَارِ السُّنّةِ، فِي جَوٍّ يَمْلَؤُهُ العِلْمُ وَالإيمَانُ فِي العَهْدِ السَّعُودي الزَّاهِرِ المَيْمُونِ. وَالحَمْدُ للَّه الَّذِي بنِعْمَتِهِ تتمُّ الصَّالِحَاتُ.
وَأَخِيرًا لَا بد أَنْ أَشْكُرَ كُلَّ مَنْ سَاهَمَنِي فِي إِنْجَازِ هَذَا العملِ المَبَاركِ مَادِّيًّا وَعِلْميًّا، سَائِلًا اللَّهَ ﷾ أَنْ يَجْزِيَهُمْ جَمِيعًا خَيْرَ الجزاءِ، وَيُسَدِّدَ خُطاهم، ويُوفِّقَهم لما يُحِبُّ ويرضَى.
وإِنّي لَا أَدّعي غاية الكَمَالَ؛ فَإِنَّ الكمالَ للَّهِ وحدَه، ولكنَّ الَّذِي تَمَّ إِنْجَازِهِ أَعْتبرُه عظيمًا فِي تَدْوِينِ السُنّةِ الصَّحِيحَةِ فِي دِيوَانٍ وَاحِدٍ، مَعَ قِلَّةِ الوَسَائِلِ التي قَدْ تُؤَثِّرُ فِي إِتقانِ العَمَلِ وجَوْدتِه.
ولعلّي أَستدرِكُ مَا فاتني فِي الطبعاتِ القادمةِ إِنْ شاءَ اللَّهُ تعَالى.
كما أسألُ اللَّهَ ﷾ أَن يَجْعَلَ هَذَا العَمَلَ المُبَاركَ خَالِصًا لوجهِه الكريمِ، وَسَبَبًا مِنْ أَسبابِ جَمْعِ كلمةِ الأُمّةِ عَلَى الكتابِ وَالسُّنّةِ التي دَعَا إليهما نبيُّنا وَحَبيبُنا وشفيعُنا -ﷺ-، إنه سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدَّعْوَاتِ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِه وَصَحْبِه وَسَلَّمَ.
تمَّ تحريرُه في ١٠/ ٧/ ١٤٣٦ هـ
بالمدينة المنورة
المؤلّف عفا اللَّه عنه
[ ١ / ٦ ]