قبل أن ينقضي عصرُ الصحابةِ أمرَ أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ عبد العزيز والي المدينة (ت ١٠١ هـ) أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ت ١١٧ هـ) بجمع الأحاديث، وقال له: اكتب إليَّ بما ثبت عندك من الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ-، وبحديث عمرة بنت عبد الرحمن، فإني خشيتُ دروس العلم وذهابه.
وكذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول اللَّه
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ٣٠٧).
(٢) تقييد العلم (ص ٨٤).
(٣) تقييد العلم (ص ٥).
[ ١ / ٢٩ ]
-ﷺ- فاكتبوه، فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله.
وكذلك أمر الزهري وهو محدث المدينة (ت ١٢٤ هـ): انظرْ ما كان من حديث رسول اللَّه -ﷺ- فاكتبْه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء.
يقول أبو الزناد: كنا نطوف مع الزهري على العلماء، ومعه الألواح والصحف، يكتب كل ما سمع.
وكان أبو قلابة (ت ١٠٤ هـ) يقول: الكتاب أحبّ إلي من النسيان.
وكان قتادة بن دعامة البصري (ت ١١٧ هـ) يحث على كتابة الحديث، ويستدل بقوله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].
وقال أبو المليح بن أسامة بن عمير (ت ١٠٨ هـ) يقول: يعيبون علينا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾.
هذه الآثار ذكرها الدارمي في مقدمة سننه.
وما أن طلع القرن الثاني إلا انتشر الكُتّاب والمؤلفون في الديار الإسلامية ومن هؤلاء:
١ - مجاهد بن جبر (ت ١٠٢ هـ) بمكة عنده دفاتر عن تفسير القرآن.
٢ - قتادة بن دعامة البصري (ت ١١٧ هـ) بالبصرة.
٣ - أبو عبد اللَّه مكحول (ت ١١٨ هـ) بالشام، كان عنده كتاب فيه أحاديث السنن.
٤ - وهب بن منبه (ت ١١٤ هـ) باليمن.
٥ - عبد الملك بن جريج (١٥٠ هـ) بمكة.
٦ - معمر بن راشد (ت ١٥٣) باليمن.
٧ - محمد بن إسحاق (ت ١٥٣) بالمدينة.
٨ - سعيد بن أبي عروبة (ت ١٥٦ هـ) بالبصرة.
٩ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (ت ١٥٧ هـ) بالمدينة. أَلَّفَ كتابًا سمَّاه "السنن"، وكذلك ألَّف "الموطأ"، وكان أكبر من موطأ مالك حتى قيل لمالك: ما الفائدة من تصنيفك؟ فقال: "مَا كانَ للَّهِ بَقِيَ". قال الدارقطني: "كان ابن أبي ذئب صنَّفَ "موطأ" فلمْ يُخْرِجْ". أي للناس، فضاعَ كتابُه في وقتٍ مبكّرٍ، وبقيتِ
[ ١ / ٣٠ ]
الرواياتُ عنه في كتب الحديث.
١٠ - الأوزاعي (ت ١٥٨ هـ) بالشام.
١١ - زائدة بن قدامة (ت ١٦٠) بالكوفة، ألّف كتابا في السنن.
١٢ - سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١ هـ) بالكوفة، ألّف كتابا سماه: "الجامع".
١٣ - إبراهيم بن طهمان (ت ١٦٣ هـ) بخراسان، ألّف كتابا في السنن.
١٤ - حماد بن سلمة (ت ١٦٧ هـ) بالبصرة، له كتاب في الحديث.
١٥ - مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) بالمدينة ألّف "الموطأ". اهتمّ فيه بذكر أحاديث أهل المدينة، ومزجَه بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين، ومَن بعدهم.
١٦ - إسماعيل بن جعفر المدني (ت ١٨٠ هـ) جمع أحاديث شيوخه في جزء، وهو يشتمل على خمسمائة حديث تقريبًا.
١٧ - عبد اللَّه بن المبارك (ت ١٨١ هـ) بالخراسان، ألّف كتاب "الزهد".
١٨ - القاضي أبو يوسف (ت ١٨٢ هـ) بالكوفة، ألّف كتاب "الخراج".
١٩ - محمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) بالكوفة ألّف كتاب "الآثار".
٢٠ - وكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ) ألّف كتاب "الزهد".
٢١ - عبد اللَّه بن وهب (ت ١٩٧ هـ) بمصر، ألّف كتابًا سماه: "الجامع". وغيرهم، وهم كثيرون.
ومنهجهم في التدوين جمعُ حديث رسول اللَّه -ﷺ- مختلطًا بأقوال الصحابة والتابعين وفتاواهم.
والمواد المكتوبة في القرنين الماضيين كانت كثيرة جدًّا فمن الصعب حصرُها.