قال حنبل بن إسحاق (ابن عمّ الإمام أحمد): جمعنا أحمدُ بنُ حنبل أنا وصالح وعبد اللَّه، وقرأ علينا "المسند"، وما سمعه غيرنا، وقال:
"هذا الكتاب جمعتُه وانتقيتُه من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول اللَّه -ﷺ- فارجعوا إليه، فإنْ وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجّةٍ" (^١).
وقال لابنه عبد اللَّه: "احتفِظْ بهذا المسندِ؛ فإنه سيكونُ للناس إمامًا" (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٢٩) وعلّق عليه الذهبي بقوله: "في الصحيحين أحاديث قليلة ليست في المسند". قلت: لأن السنة وإنْ كانتْ معظمُها مدوّنةً في عصره إلا أنها كانت لا تزال تُروي عن أفواه الشيوخ، وهم كانوا منتشرين في مختلف البلدان، وما كان أحدٌ يستطيع أن يرحل إلى جميع هذه البلدان. ويدلّ عليه قولُ الإمام أحمد: "لو كان عندي خمسون درهمًا لخرجتُ إلى جرير (هو ابن عبد الحميد الضبّي) إلى الرّيّ". كما سبق ذكره.
(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٢٩).
[ ١ / ٥٢ ]
وقال ابن الجوزي: "إنه كتابٌ لم يُروَ على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه" (^١). يعني به: شمولًا.
وبلغ عددُ أحاديثه حسب النسخة المطبوعة (٢٧٦٤٧) حديثا بتكرار الأسانيد، وبعد حذف الأسانيد يصفو نحو عشرة آلاف حديث بما فيه صحيح وضعيف، وأما الموضوع فلا، ولذا كان ابن الجوزي موضع النقد قديما وحديثا لأنه أدخل بعض أحاديث "المسند" في كتابه "الموضوعات"، فتعقّبه الحافظ العراقي في بعضها، وتعقّبه الحافظ ابن حجر في سائرها في كتابه "القول المسدّد في الذبّ عن مسند أحمد". وذيّله السيوطي وسمّاه: "الذيل الممهد على القول المسدد"، وأنه أحسن انتقاءً من الكتب التي لم تلتزم الصحة مثل السنن الأربع وغيرها، وزاد فيه عبد اللَّه ابن أحمد أحاديث كثيرة عن مشائخه مما يُماثلُه ويشابِهُه وهو راوي المسند عن أبيه، ثم روى المسند عن عبد اللَّه بن أحمد أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي -نسبة على القطيعة في بغداد- (٢٧٤ هـ - ٣٦٨ هـ) وزاد فيه أربعة أحاديث رواها عن شيوخ متروكين، وفي أسانيدها رجال متهمون، وبهذا يتبيّن أن الوضع وقع في روايات القطيعي لا في نفس "المسند" إلا من اختفى أمرُه، ولم يظهر ضعفُه إلا بعد وفاة الإمام أحمد.