الرواة الذين انفرد ابن حبان بتوثيقهم، ولم يُنقل توثيقهم عن إمام معتبر آخر، فقَبِلَ حديثَهم بعضُ أهل العلم، منهم: الحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، والمنذري، وابن كثير، والعراقي، والهيثمي وغيرهم، وردّه الآخرون بحجة أن من منهج ابن حبان توثيق المجاهيل الذين لم يعرف فيهم جرح، وتفصيل ذلك ذكرته في كتابي: "دراسات في الجرح والتعديل".
فاخترت منهجا وسطا بين المنهجين، فلم أصحّح حديثهم لفقدان شرط من شروط الصحيح، ولم أُضَعِّفْ حديثهم لعدم وجود الجرح فيهم، فمن وجدت له متابعا جعلت حديثه حسنا، ومن لم أجد له متابعا جعلته تحت الباب، وعن مثل هؤلاء يقول الحافظ في التقريب غالبا: "مقبول" (^١).
_________________
(١) يظنّ بعض طلبة العلم ان لفظ "مقبول" يرادف من تُقبل روايتُه مطلقا، والأمر ليس كذلك؛ لأن الحافظ ابن حجر نفسه نصّ على أن "مقبول"، هو من وجد له متابع، فإن لم يكن له متابع فهو "ليّن الحديث" أي غير مقبول الرواية، فهو بمثابة "مجهول" عينا او حالا، ولذا لا يجوز نقل كلام ابن حجر: "مقبول" إلا إذا وجد له متابع، وإذا نَقلَ ولم يجدْ له متابعا فينصّ عليه. وفي ثقات ابن حبان رواة ممن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يوجد له توثق من غيره، فهو مجهول العين حسب اصطلاحات المحدثين، فينبغي لمن ينقل قول ابن حجر "مقبول" أن يكون متنبِّهًا.
[ ١ / ٧١ ]
إلا أن يكون الراوي من التابعين وروى عنه جمعٌ، ولم يجرحْه أحدٌ، ولم يكن في حديثه نكارة أو شذوذ، فالظاهر أنه عندهم صالح، فيُنظر في حديثه فيُحسّن حديثه إنْ كان لحديثه أصل ثابت، ولو لم يتابع.
وأما من سبق فيهم التجهيل من أحد أئمة المتقدمين مثل: ابن المديني، وابن معين، وأحمد، وأبي حاتم، وأبي زرعة وغيرهم، ولم يشتهر في طلب الحديث فالقول قولهم، وقد يُحمل قولهم "لا أعرفه" لقلة حديثه، وكذلك قول أبي حاتم: "مجهول" أي قليل الحديث.
وفي كل هذه الأمور يجب على الباحث أن يكون متنَبِّهًا، هل هو ممن توفرت فيهم الشروط المذكورة أم لا؟ فإن لم تتوفر فيهم الشروط المذكورة فهو يرادف "مجهول" لأن ابن حبان ذكر خلقا كثيرا في كتابه "الثقات" من لم يرو عنه إلا واحد.
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة اللسان: "وهذا الذي ذهب اليه ابنُ حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبيّن جرحُه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب "الثقات" الذي ألّفه، فإنه يذكر خلقا من نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره". انتهى
يعني المجهول عند ابن حبان وشيخه ابن خزيمة: من روى عنه واحدٌ غيرُ مشهور، ويدلّ عليه ما قاله ابن حبان في "المجروحين" في ترجمة سعيد بن زياد بن قائد بن أبي هند الداري (٤٠٢): "والشيخ إذا لم يرو عنه ثقة فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا يُخْرج مَنْ ليس بعدلٍ عن حدّ المجهولين إلى جملة أهل العدالة؛ لأن ما روى الضعيفُ وما لم يرو في الحكم سيّان". انتهى.