هذا علم غامض، ولذا لم يمهر فيه إلا القليل مثل ابن المديني وأحمد بن حنبل،
[ ١ / ٨٠ ]
وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني، وكان للبخاري علم واسع في بيان علل الحديث يظهر ذلك جليا في كتابه "التاريخ الكبير"، و"سؤالات الترمذي عنه".
والعلّة قد تظهر وقد تخفى، كما قد تكون في الإسناد دون المتن، وقد تكون في المتن دون الإسناد، ولذا قلّما سلم أحد في هذا الباب؛ لأن عدم العلم لا يستلزم عدم الوجود، وقد ذكرت أمثلة كثيرة في الجامع الكامل في المناسبات، وإذا لم يظهر لي شيءٌ خلاف ما ادّعوا، اعتمدتُ على قولهم لمكانتهم في هذا العلم.
والمثال على ذلك ما رُويَ عن أبي هريرة مرفوعا: "من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك". انظر تخريجه: في باب ما يقول إذا قام من مجلسه.
هذا الحديث رواه موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وظاهره الصحة ولذا صحّحه الترمذي وابن حبان والحاكم، ولكن فيه علة خفية أظهرها البخاري، رُويَ أن مسلما جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال: "هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن عون بن عبد اللَّه قوله". قال البخاري: "وهذا أولى لأنه لا يُذكر لموسى بن عقبة سماعٌ من سهيل".
ولما سمع مسلم ما قاله البخاري قبّل بين عينيه، وقال: دعْني حتى أقبّل رِجْليْك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله.
قلت: ما أعلّ به البخاري هو الصحيح وبه أعله أيضًا أئمة الحديث منهم: أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني وغيرهم إلا أن قول البخاري: "لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث" ليس بصحيح، ففي الباب صحّ عن عائشة، والسائب بن يزيد، وأبي برزة الأسلمي، وعن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، وقد روي أيضًا عن أنس بن مالك، وجبير بن مطعم وغيرهما إلا أنها معلولة، فالظاهر أن هذا النقل من البخاري فيه خطأ، أخطأ من نسب هذا القول إلى
[ ١ / ٨١ ]
البخاري، والبخاري أجلّ من أن يقول مثل هذا، وفي الباب أحاديث صحيحة. انظر: تخريجه في الجامع الكامل في الأدعية والأذكار.
ومن العلل الخفية في الإسناد أن يكون ظاهرة السلامة وفيه علّة خفية يظهرها أحدُ الجهابذة مثل حديث عمار بن ياسر قال: "رأيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يخلَلُ لحيتَه". رواه الترمذي (٣٠)، وابن ماجه (٤٢٩) قالا: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسّان بن بلال قال: رأيت عمار بن ياسر توضأ، فخلّلَ لحيتَه، وقال: لقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يخلّلُ لحيتَه.
فهذا الإسناد ظاهرة السلامة من العلل، ولكن أظهر أبو حاتم علة هذا الحديث فقال: "لم يحدّث بهذا أحدٌ سوى ابن عيينة عن ابن أبي عروبة، وقال: لو كان صحيحا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث (السماع)، وهذا أيضًا مما يؤهّنه علل ابن أبي حاتم (٦٠)، فأعلّه أبو حاتم بعدم وجود الحديث في مصنفات ابن أبي عروبة، وفيه دليلٌ على أن التحديث لم يكن شفويّا عن الشيوخ الذين عندهم أصول.
والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن تُجمع طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانتهم في الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط كما قال الخطيب البغدادي (^١).
والحاكم رحمه اللَّه تعالى في كتابه "معرفة علوم الحديث" قسّم أجناس العلل إلى عشرة أجناس، ونقله عنه السيوطي في "تدريب الراوي"، وإني أمعنتُ النظر في هذه العلل، فظهر لي أن أجناس علل الحديث لا تنحصر على عشرة، فقد تكون علة واحدة لعددٍ من الأحاديث، وقد تكون لكل حديث معلول علة جديدة تختلف عن غيرها.