والاضطراب في الحديث لا يتحقق حتى يتوفر فيه شرطان:
أحدهما: اختلاف الرواة في الحديث على أوجه لا يمكن جمعها.
_________________
(١) في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٩٥).
[ ١ / ٨٢ ]
والثاني: تساوي الروايات قوةً وضعفا لا يمكن ترجيح بعضها على بعض سواء من حيث الرواية أو من حيث بيان الناسخ والمنسوخ.
يعني لا يمكن الجمع ولا الترجيح فيحكم عليه بالاضطراب، لأن كثرة الطرق أحيانا لا يزيد إلا ضعفا، وهو نوع من الحديث الضعيف فإن الحديث المضطرب لا يعمل به ويقع الاضطراب في السند كما يقع في المتن.
والاضطراب في السند مثل تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، ومثل تحديد اسم الراوي، أو تحديد اسم الصحابي.
وأما الاضطراب في المتن فله صور كثيرة لا يمكن ضبطها، ولكل منهج في الحكم على المتن بالاضطراب، ولذا كثر النقاش بين الباحثين في إثبات الاضطراب وعدمه.
ومثال الاضطراب في الإسناد حديث مجاهد، عن سفيان بن الحكم الثقفي -أو الحكم بن سفيان الثقفي- قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا بال يتوضأ، ويتنضح".
هذا الحديث اضطرب فيه منصور عن مجاهد من عشرة وجوه لا يمكن الجمع بين هذه الوجوه، ولذا حكم عليه بالاضطراب، وأما الشواهد فإما معلولة، وإما فيها شذوذ، ومن أشهرها حديث ابن عباس.
رواه الدارمي (٧١٥)، والبيهقي (١/ ١٦٢) كلاهما من حديث قبيصة، أنبأ سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: "دعا رسول اللَّه -ﷺ- بماء، وتوضأ مرة مرة، ونضح".
هذا الإسناد ظاهرة السلامة، ولكن فيه علة، وهي أن قبيصة تفرد بقوله: "ونضح"، ورواه جماعة عن سفيان دون هذه الزيادة كما قاله البيهقي.
يعني أنه شاذٌّ. وتفصيله في الجامع الكامل في صفة وضوء النبي -ﷺ-.
تنبيه: في السنن الكبرى: "قال الإمام أحمد" فظنّ بعض الناس أنه الإمام أحمد ابن حنبل المعروف، والصحيح أنه الحافظ البيهقي نفسه، لأن اسمه أحمد بن حسين. وهذا التعبير من رواة السنن، وأما البيهقي إذا نقل قول الإمام أحمد المعروف فيسمّيه كاملا أي قال أحمد بن حنبل، أو قال ابن حنبل، فيجب التنبيه على كل من ينقل من السنن الكبرى، قال الإمام أحمد المقصود منه الإمام الحافظ البيهقي.
[ ١ / ٨٣ ]
وكذلك لا يصح حديث: "شيّبتْني هود وأخواتها" قال الدارقطني: هذا حديث مضطرب، وذكر فيه وجوه الاضطراب، ولذا أعرضت عن ذكره في الجامع.
وأما الاضطراب في المتن فمثاله حديث فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا، فيها ذهب وخرز، قال: ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي -ﷺ- فقال: "لا تباع حتى تفصل".
ففي بعض الروايات: أن فضالة اشتراها، وفي بعضها أن غيره سأله عن شرائها، وفي بعضها: أنه ذهب وخرز، وفي بعضها: ذهب وجوهر، وفي بعضها: خرز معلقة بذهب، وفي بعضها باثني عشر دينارا، وفي بعضها: بتسعة -دينارا-، وفي بعضها: بسبعة.
والقصة واحدة رويت بألفاظ مختلفة مع صحة أسانيدها فإن بعضها في صحيح مسلم في كتاب المساقاة (٩٠، ٩١، ٩٢)، فحكم عليه بالاضطراب في المتن، ولكن يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن المنع هو بيع الذهب بالذهب ومعه شيء آخر.
وقد ذكروا أيضًا مثال الاضطراب في المتن ما رواه مسلم في صحيحه (٣٩٩: ٥٠، ٥٢) من حديث شعبة قال: سمعت قتادة، يحدث عن أنس قال: "صليت مع رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، ثم رواه من حديث الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن قتادة، أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدّثه قال: صليت خلف النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ الحمد للَّه رب العالمين، ولا يذكرون بسم اللَّه الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها.
قال النووي في شرح مسلم: استدل بهذا الحديث من لا يرى البسملة من الفاتحة، ومن يراها منها، ويقول: لا يجهر ومذهب الشافعي وطوائف من السلف والخلف أن البسملة آية من الفاتحة، وأنه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة، واعتمد أصحابنا ومن قال: بأنها آية من الفاتحة وأنها كتبت في المصحف بخط المصحف، وكان هذا باتفاق الصحابة وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن وغيره.
قلت: الجمع بين قول أنس بن مالك وبين ما هو مثبت في المصحف أن يقرأ
[ ١ / ٨٤ ]
سرًا لا جهرا.
قال ابن الصلاح (^١): ومثال العلة في المتن: ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي القراءة "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" فعلّل قوم رواية اللفظ المذكور -يعني التصريح بنفي قراءة البسملة- لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: فكانوا يستفتحون القراءة بـ الحمد للَّه رب العالمين من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح، ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له ففهم من قوله: "كانوا يستفتحون بالحمد أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم وأخطأ، لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية.
كذا قال! ورواية مسلم صريحة في نفي قراءة البسملة في أول القراءة وبعدها، فالجمع بين الروايتين أنهم كانوا يُسِرّون ولا يجهرون، إلا أن ابن عبد البر حكم عليه بالاضطراب مع أن الجمع ممكن.
ويحكم على الحديث المضطرب بأنه ضعيف إلا في حالات:
١ - أن يقع الاختلاف في اسم راو أو اسم أبيه، أو نسبه وهو ثقة فلا يضر هذا الخلاف.
٢ - إذا كان الراويان اشتركا في الاسم والطبقة وكلاهما ثقتان فلا يضر عدم تحديدهما، مثل: السفيانين.
٣ - اختلاف في تحديد الصحابي فلا يضر عدم تحديده إذا كان الإسناد إليه صحيحا لأن الصحابة كلهم عدول، وكذا إن جاء عن رجل من الصحابة.
٤ - الاختلاف على الراوي بعينه بأنه روى مرة عن شخص، ومرة عن شخصين، ومرة عن ثلاثة، وهو ثقة صاحب الروايات فيحمل هذا على نشاطه في الرواية مثل أن يروي الزهري، عن الأغر، ومرة عن سعيد، ومرة عن سعيد والأغر وأبي سلمة، فإذا صحّ الإسناد إلى الزهري فلا يضر هذا الاختلاف؛ لأنه ينشط مرة فيذكر جميع شيوخه، وتارةً يقتصر على بعضهم حسب نشاطه، وله أمثلة كثيرة في الجامع الكامل.
_________________
(١) في علوم الحديث (ص ٩٦).
[ ١ / ٨٥ ]
وقد يكون للراوي شيخان يروي عنهما جميعا مثاله: ما رواه البخاريُّ في النكاح (٥١٠٨) من طريق عاصم، عن الشعبي سمع جابرًا قال:
"نهى رسولُ اللَّه -ﷺ- أن تُنكح المرأةُ على عمّتِها أو خالتِها".
قال البخاري: "وقال داودُ، وابنُ عون عن الشعبي، عن أبي هريرة".
فالإمام البخاري لم يُعِلّ أحدَهما بالآخر، بل جعل للشعبي شيخين: جابرًا وأبا هريرة، ثم روى حديثَ أبي هريرة من وجه آخر عنه نحوه.