أكثر من استعمل هذا الاصطلاح هو أبو عبد اللَّه الحاكم صاحب المستدرك، وقد انتقد عليه، فإن الحكم على شرط الشيخين أو أحدهما يستلزم الوقوف على شرطهما أولا، وهذا متعذر لأن الشيخين لم يذكرا شرطهما في كتابيهما، وإنما قال ذلك الحاكم بالنظر إلى ظاهر رجالهما، أو بأوصاف رجالهما بغضّ النظر عن كيفية الرواية عنهم، وكونها ذكراه في الأصول أو الشواهد أو المتابعات أو المعلقات، فإن الحكم على شرطهما أو شرط أحدهما يستلزم الوقوف على كل هذه الأمور، والحاكم ﵀ الذي أسرف في استعمال هذا الاصطلاح لم يُلاحظ هذه الأمور في الحكم على شرطهما أو شرط أحدهما، وكان تلميذه البيهقي ﵀ متنبّها إلى هذه النقاط، فإنه لم يذكر قول الحاكم هذا، مع أنه أخرج عنه معظم أحاديث المستدرك في سننه الكبرى والصغرى، وفي مؤلفاته الأخرى، إلا أني التزمت ذكر قول الحاكم ولكن لم أعتمد فيه، إنما أحكم على الإسناد حسب القواعد الحديثية، ولم أحكم على الإسناد بأنه على شرطهما أو على شرط أحدهما إلا نادرا للأسباب التي سبق ذكرُها.
ثم إن الناس اختلفوا في قول الحاكم على شرطهما، هل المقصود منه رجال الشيخين، أو أوصاف رجال الشيخين، لأنه قال في مقدمة كتابه المستدرك: "قد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل (البخاري)، ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذْ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما اللَّه لم يدعيا ذلك لأنفسهما".
ثم قال: وأنا أستعين اللَّه على إخراج أحاديث، رواتها ثقات، قد احتج بمثلها
[ ١ / ٩١ ]
الشيخان ﵄ أو أحدهما".
أقول وباللَّه التوفيق، وللعلماء رأيان في المراد بقوله: "بمثلها"، وفي قوله: "رواته ثقات".
الرأي الأول: هم رجال الشيخين بأعيانهم، هذا رأي جمهور أهل العلم، ولذا يُعقّبون عليه بأنهما لم يخرجا عن فلان.
والرأي الثاني: بمثلها أي بمثل رواتهما، لا بهم أنفسهم، وإلى هذا الرأي كنتُ أميل إليه من عقود، لأن الحاكم الذي ألّفَ كتابا في رجال الشيخين كيف يخفى عليه أن يقول: صحيح على شرط الشيخين، وفي الإسناد من ليسوا من رواة الشيخين.
ولكن لما لم أستقرّ على رأي من الرأيين فجعلتُ لنفسي وُسْعَةً، فأحيانا أقول كما قال جمهور أهل العلم، وأحيانا أسكت، ولا أعقّب عليه، وإنما الذي أهتمّ به هو صحة الإسناد وضعفه.