١٠٦ - أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: قلت لأبي عبد الله: هؤلاء المتوكلة الذين لا يتجرون ولا يعملون، يحتجون بأن النبي ﷺ زوج على سورة من القرآن، فهل كان معه شيء من الدنيا قال: «وما علمهم أنه كان لا يعمل»؟ قال: قلت: يقولون: نقعد وأرزاقنا على الله ﷿، قال: «ذا قول رديء خبيث، الله ﵎ يقول: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ فأيش هذا إلا البيع والشراء».
١٠٧ - حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث الحمصي، قال ثنا يحيى بن صالح قال ثنا محمد بن عمر (^١) المخزومي، ثنا عبد الله بن بسر المازني، أنه كان إذا صلى الجمعة خرج إلى السوق يتأول هذه الآية: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ إلى آخر الآية (^٢).
١٠٨ - وأخبرنا المروذي، قال قلت لأبي عبد الله: إن قوما كانوا بمكة في مسجد، فجاءهم رجل فقال: قوموا، خذوا هذا اللحم، فقالوا: لا، أو تذهب فتشويه وتجيء به، فقال: أما الساعة فقد أمر بالعمل، ثم قال: إذا قال: لا أعمل، فجيء إليه بشيء مما قد عمل واكتسبوه، لأي شيء يقبله؟ قلت: يقول: هذا رزقي، قال: هو يقبل
_________________
(١) في الأصل و(ظ) والمطبوعتين: عمرو، وهو خطأ، بل هو محمد بن عمر الطائي المحري، كما في ترجمته في تهذيب الكمال (٦/ ٤٥٦) وتاريخ الإسلام بتحقيق تدمري (١٢/ ٣٧٦). وأخشى ان تكون كلمة (المحري) تحرّفت الى (المخزومي).
(٢) إسناده حسن.
[ ٤٩ ]
ممن يعمل، «كان علي بن أبي طالب ﵁ يعمل حتى تدبر يده وأصحاب رسول الله ﷺ يعملون» (^١).
١٠٩ - أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال سألت أبي ﵀ عن قوم يقولون: نتكل على الله ولا نكتسب، فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله ﷿، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، قال الله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فهذا قد علم أنهم يكتسبون ويعملون وقال النبي ﷺ: «من عال ابنتين أو ثلاثة فله الجنة» (^٢) يعني: من قال بخلاف هذا؟ هذا قول إنسان أحمق. قال: وسمعت أبي ﵀ يقول: الاستغناء عن الناس بطلب يعني العمل، أعجب إلينا من الجلوس وانتظار ما في أيدي الناس (^٣).
١١٠ - وأخبرني محمد بن يحيى الكحال، أن أبا عبد الله ﵀، قال: يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم» (^٤). قلت: الحنث هو الحُلُم؟ قال: نعم.
١١١ - وأخبرني محمد بن علي قال ثنا صالح، أنه سأل أباه ﵀ عن التوكل، فقال: «التوكل حسن، ولكن ينبغي للرجل أن لا يكون عيالًا على الناس، ينبغي أن يعمل حتى يغني نفسه وعياله،
_________________
(١) انظر كتاب التوكل لأبي يعلى (ص ٤٤).
(٢) رواه مسلم (٢٦٣١).
(٣) ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٢٧٦). وفي تاريخ الإسلام للذهبي (٤/ ٧٣): كان شعبة يقول لأصحاب الحديث: ويلكم الزموا السوق فإنما أنا عيال على أخوي.
(٤) رواه البخاري (١٢٥١) ومسلم (٢٦٣٢).
[ ٥٠ ]
ولا يترك العمل». قال: وسئل أبي ﵀ - وأنا شاهد - عن قوم لا يعملون، ويقولون: نحن متوكلون، فقال: «هؤلاء مبتدعة» (^١).
١١٢ - أخبرنا أبو بكر المروذي، أنه قال لأبي عبد الله ﵀: إن ابن عيينة كان يقول: هم مبتدعة، فقال أبو عبد الله: هؤلاء قوم سوء، يريدون تعطيل الدنيا (^٢).
١١٣ - وأخبرنا أبو بكر المروذي، قال سمعت مثنى الأنباري، يقول، سمعت بشر بن الحارث، يقول: ينبغي للرجل إذا كان عنده شيء يستطيبه فليتقوته، وليتنزه عن هذه الأقذار.
١١٤ - وأخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال قلت لأبي: ترى إن اكتسب رجل قوت يوم أفضل؟ قال: «إن اكتسب فضلا فعاد به على قرابته، أو داره (^٣)، أو ضعيف (^٤)، فهو أحب إلي من أن لا يكتسب، وأحب إلي أن يستعف (^٥)».
١١٥ - أخبرنا محمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم قال: سألت
_________________
(١) قال أبو العباس الآجري؛ قال: سألت أحمد بن حنبل عن رجل جلس في بيته وقال: لا أعمل ولا أسأل حتى يأتيني رزقي في بيتي. فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، قال الله ﷿: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) [المزمل: ٢٠]؛ وقال النبي ﷺ: «جعل الله رزقي تحت ظل رمحي»، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر، والقدوة بهم. رواه الدينوري في المجالسة (٢٩٤٨)
(٢) انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (٣/ ٢٧٠).
(٣) في (ظ): جاره.
(٤) في المطبوعتين: ضيف.
(٥) في نسخة برلين: يستغني.
[ ٥١ ]
أبا عبد الله، قلت: الرجل يدع العمل أو يجلس، ويقول: ما أعرف إلا ظالمًا أو غاصبًا، فأنا آخذ من أيديهم، ولا أعينهم، ولا أقويهم على ظلمهم. فقال: ما ينبغي لأحد أن يدع العمل، ويقعد ينتظر ما في أيدي الناس، أنا أختار العمل، والعمل أحب إلي، إذا جلس الرجل ولم يحترف، دعته نفسه إلى أن يأخذ مما في أيدي الناس، فإذا أعطوه أو منعوه أشغل نفسه بالعمل. والاكتساب ترك الطمع، وقال ﷺ: «لأن يحمل الرجل حبلا فيحتطب ثم يبيعه في السوق، ويستغني به خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (^١). فقد أخبر النبي ﷺ أن العمل خير من المسألة، وقال الله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾، فقوله هذا إذا من الشراء والبيع، وأنا أختار للرجل الاضطراب في طلب الرزق، والاستغناء عما في أيدي الناس، وهو عندي أفضل. قلت: إن هاهنا قوما يقولون: نحن متوكلة، ولا نرى العمل إلا بغير الظلمة والقضاة، وذلك أني لا أعرف إلا ظالمًا، فقال أبو عبد الله: ما أحسن الاتكال على الله ﷿، ولكن لا ينبغي لأحد أن يقعد ولا يعمل شيئا حتى يطعمه هذا وهذا، ونحن نختار العمل، ونطلب الرزق، ونستغني عن المسألة، والاستغناء عن الناس بالعمل أحب إلي من المسألة (^٢).
١١٦ - وحدثنا أحمد، ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٧٠) ومسلم (١٠٤٢).
(٢) روى الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٧/ ١١٧): قال عمر بن الخطاب ﵁: إني لأرى الرجل، فيعجبني، فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا؛ سقط من عيني.
[ ٥٢ ]
عليه وسلم: «لأن يحمل الرجل حبلا فيحتطب، ثم يجيء فيضعه في السوق، فيبيعه الرجل يستغني فينفقه على نفسه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه».
١١٧ - أخبرنا محمد بن إسماعيل، ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يحمل الرجل حبلا فيحتطب، ثم يجيء فيضعه في السوق، فيبيعه الرجل يستغني فينفقه على نفسه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه».
١١٨ - أخبرنا محمد بن إسماعيل، أنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي الجبل فيجيء بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها ويستغني بثمنها، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (^١).
١١٩ - أخبرنا يحيى بن جعفر، ثنا عبد الوهاب، ثنا الأخضر بن عجلان، حدثني أبو بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فشكا إليه الفاقة، ثم رجع فقال: يا رسول الله، لقد جئتك من أهل بيت ما أراني أرجع إليهم حتى يموت بعضهم. فقال له: «انطلق هل تجد من شيء؟». قال: فانطلق فجاء بحلس وقدح، فقال يا رسول الله، هذا الحلس كانوا
_________________
(١) روى ابن أبي شيبة بسند صحيح (٢٢٦٢٨) قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، قال: كاتب ابن عمر غلاما له، فجاءه بنجمه حين حل، فقال: من أين لك هذا؟ قال: كنت أسأل وأعمل، قال: تريد أن تطعمني أوساخ الناس؟ أنت حر ولك نجمك هذا.
[ ٥٣ ]
يفترشون بعضه، ويلبسون بعضه. وهذا القدح كانوا يشربون فيه، فقال رسول الله ﷺ: «من يأخذهما مني بدرهم»؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «من يزيد على درهم»؟ فقال رجل: أنا آخذهما باثنين، فقال: «هما لك». قال: فدعا الرجل فقال له: «اشتر فأسا بدرهم، وبدرهم طعاما لأهلك» قال: ففعل، ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال: «انطلق إلى هذا الوادي فلا تدع حاجًا ولا شوكا، ولا حطبًا ولاتأتني خمسة عشر يوما». فانطلق فأصاب عشرة دراهم. ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: «فانطلق فاشتر بخمسة دراهم طعامًا (لأهلك) (^١)، وبخمسة كسوة لأهلك». فقال: يا رسول الله، لقد بارك الله لي فيما أمرتني. فقال: «هذا خير من أن تجيء يوم القيامة في وجهك نكتة المسألة، إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لذي دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع» (^٢).
_________________
(١) زيادة من (ظ).
(٢) حديث ضعيف، رواه أحمد (١٩/ ١٨٢)، وأبو داود (١٦٤١)، وابن ماجه (٢١٩٨) وغيرهم من طريق الأخضر بن عجلان به، وأبو بكر الحنفي قال البخاري فيه: لا يصح حديثه. وقال ابن قطان الفاسي: عدالته لم تثبت فحاله مجهولة. تهذيب التهذيب (٦/ ٨٨)، وضعفه الألباني في الإرواء (٨٦٧).
[ ٥٤ ]