٨٨ - أخبرنا عبيد الله بن إبراهيم بن يعقوب الحلبي (^٢) قال: سمعت أبا عبد الله قال له عقبة بن مكرم: هؤلاء الذين يأكلون قليلا ويقللون من طُعمهم؟ قال: «ما يعجبني، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: فعل قوم هكذا فقطعهم عن الفرض» (^٣).
٨٩ - أخبرنا أحمد بن الحسين بن حسان، أن أبا عبد الله قال له رجل (^٤): إني (^٥) أحب أن أخرج إلى مكة، فتأمرني بذلك؟ قال له: «إن كنت تطيق، وإلا فلا إلا بزاد وراحلة، لا تخاطر» (^٦).
٩٠ - أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان في موضع آخر، أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يدخل المفازة بغير زاد، فأنكره إنكارا شديدا
_________________
(١) في طبعة العاصمة زيادة: ولا نفقة. ولم أجدها في النسخ الخطية.
(٢) انظر ترجمته في طبقات الحنابلة (٢/ ٥١). ووقع في طبعة العاصمة: الجيلي. وفي طبعة البشائر: الحنبلي. وكلاهما تصحيف.
(٣) انظر طبقات الحنابلة (٢/ ١٧٦ - ١٧٨).
(٤) في (ظ): سئل عن الرجل.
(٥) سقطت من (ظ).
(٦) بوّب ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ١٣٢): باب استحباب التزود للسفر اقتداء بالنبي ﷺ ومخالفة لبعض متصوفة أهل زماننا. ثم أسند عن عائشة ﵂ قولها: فجاء رسول الله ﷺ يعني إلى بيت أبي بكر، فاستأذن، فأذن له، فقال رسول الله ﷺ: «فإنه قد أذن لي في الخروج» قال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله قال النبي ﷺ «نعم»، قالت عائشة: «فجهزتهما أحث الجهاز فصنعت لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب، فبذلك كانت تسمى ذات النطاق» والحديث في صحيح البخاري (٣٩٠٥).
[ ٤١ ]
وقال: «أف أف؛ لا لا» ومدّ بها صوته، «إلا بزاد ورفقاء وقافلة» (^١).
قال أبو بكر الخلال: في قول أبي عبد الله؛ في مسألة أحمد بن الحسين الأولة: «إن كنت تطيق، وإلا فلا»، فإن أطاق وعلم أنه يقوى على ذلك، فلا يسأل ولا يستشرف نفسه لأن يأخذ ويعطى فيقبل، فهو مثل المتوكل على الصدق، وقد أجازت العلماء التوكل على الصدق، وأنا أبينه بعد هذا، وعلى ما فعل أبو عبد الله ﵀ أيضا.
٩١ - سمعت أبا بكر المروذي، يقول: سمعت أبا عبد الله ﵀ يقول: «قد حججت خمس حجج، ثنتين منها على قدمي، وقد كفى بعض الناس إلى مكة أربعة عشر درهما» قلت: من يا أبا عبد الله؟ قال: «أنا» فمن قدر على هذا فنعم، فأما أن يخاطر فيخرج بغير زاد، وهو لا يؤمل من نفسه هذا، فقد كرهت العلماء ذلك، وقد أنكر أبو عبد الله على المتكلين في ذلك إنكارا شديدا.
٩٢ - أخبرني إبراهيم بن الخليل (^٢)، أن أحمد بن نصر أبا حامد حدثهم، أن أبا عبد الله قد سأله رجل: أيخرج إلى مكة متوكلًا لا يحمل معه شيئا؟ قال: «لا يعجبني، فمن أين يأكل»؟ قال: يتوكل فيعطيه الناس، قال: «فإذا لم يعطوه أليس يستشرف لهم حتى يعطوه لا يعجبني هذا لم يبلغني أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين فعل هذا، ولكن يعمل ويطلب (ويتجر) (^٣)».
_________________
(١) انظر كتاب التوكل لأبي يعلى (ص ٥٥).
(٢) أبو إسحاق الجلاب. انظر ترجمته في كتاب الإرشاد للخليلي (٢/ ٣٣٥)
(٣) كأن في (ظ): يتحرّا.
[ ٤٢ ]
قال أبو بكر المروذي في هذه المسألة: إن أبا عبد الله جاءه رجل من أصحاب ابن أسلم، فقال: ما تقول في رجل يريد سفرًا، أيما أحب إليك يحمل معه زادًا أو يتوكل؟ قال له أبو عبد الله ﵀: «يحمل معه زادًا ويتوكل» (^١).
٩٣ - أخبرنا محمد بن علي السمسار، أن محمد بن موسى بن مشيش، حدثهم أن أبا عبد الله، سأله رجل (^٢) خراساني فقال: أحج بلا زاد؟ فقال: «لا، اعمل واحترف واخرج (^٣)، إن النبي ﷺ قد زود أصحابه» فقال الخراساني: فهؤلاء الذين يغزون ويحجون بلا زاد، هم على الخطأ؟ قال: «نعم، هم على الخطأ».
٩٤ - وأخبرني محمد بن أحمد بن جامع الرازي (^٤)، قال سمعت أبا معين الحسين بن الحسن الرازي (^٥)، قال: شهدت أحمد بن حنبل ﵁ جاءه رجل من أهل خراسان، فقال له: يا أبا عبد الله، معي درهم، وأراه قال: أحج بهذا الدرهم فقال له أحمد: «اذهب إلى باب الكرخ، فاشتر بهذا الدرهم منًا (^٦)، واحمل على رأسك حتى يصير عندك ثلاثمائة، فإذا صار عندك ثلاثمائة فحج». قال: يا أبا عبد الله، ما ترى مكاسب الناس؟ قال أحمد: «انظر إلى هذا الخبيث،
_________________
(١) انظر كتاب التوكل لأبي يعلى (ص ٣٨).
(٢) في (ظ): في رجل.
(٣) في نسخة برلين: وأخبره أن.
(٤) في نسخة برلين: البرازي. وفي طبعة البشاير: أحمد بن محمد بن جامع. وهو خطأ.
(٥) انظر تاريخ دمشق (٦٧/ ٢٤٧)، وتاريخ الإسلام (٢٠/ ٥٠٠) في ضبط اسمه.
(٦) المثبت من الأصل والأوقاف، وفي نسخة برلين: مكتل. وفي تلبيس إبليس (٣٦٩ ص): حبًا.
[ ٤٣ ]
يريد أن يفسد على الناس معايشهم». قال يا أبا عبد الله: «أنا متوكل» قال: «فتدخل البادية وحدك أو مع الناس» قال: لا مع الناس، قال: «كذبت ليس أنت متوكلا، فادخل وحدك، وإلا فأنت متوكل على جرب (^١) الناس».
٩٥ - أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة، قال: ثنا إسحاق بن داود بن صبيح، قال قلت لعبد الرحمن بن مهدي: يا أبا سعيد، إن ببلدنا قوما من هؤلاء الصوفية (^٢)، قال: «لا تقرب هؤلاء، فإنا قد رأينا من هؤلاء قوما، فبعضهم أخرجهم الأمر إلى الجنون وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة». ثم قال: «خرج سفيان الثوري في سفر فشيّعتُه، وكان معه سفرة فيها الفالوذج، وكان فيها حمل.
٩٦ - أخبرنا طالب بن قرة الأذني، ثنا محمد بن عيسى، ثنا ابن المبارك قال: «ما رأيت أحدًا منهم عاقلًا» يعني الصوفيين (^٣).
٩٧ - أخبرنا إسحاق بن سيار النصيبي، قال حدثني عبد الملك بن زياد النصيبي، قال: كنا عند مالك، فذكرت له صوفيين في بلادنا،
_________________
(١) في نسخة برلين: جريان.
(٢) الصوفية نسبة إلى لبس الصوف، روى نعيم بن حماد في زيادات الزهد لابن المبارك (ص ٤٨٢) وأبو الشيخ الأصبهاني في أخلاق النبي ﷺ (٢/ ٢٣٤) واللفظ له، عن محمد بن سيرين أنه دخل عليه الصلت بن راشد، وعليه جبة صوف، وإزار صوف، وعمامة صوف، فاشمأز منه محمد، وقال: أظن أن أقواما يلبسون الصوف يقولون قد لبسه عيسى ابن مريم ﵇، وقد حدثني من لا أتهم: أن رسول الله ﷺ قد لبس الكتان والقطن واليمنة، وسنة نبينا ﷺ أحق أن تتبع. ا. هـ وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١١/ ٦).
(٣) قال سفيان الثوري: رأيناهم يزهدون في الطعام والشراب واللباس، فإذا نُوزعَ أحدُهم الرئاسةَ نَاطَحَ نِطاحَ الكِباش. جامع المسائل لابن تيمية - المجموعة الأولى (ص ٥٣).
[ ٤٤ ]
فقلت له: يلبسون فواخر ثياب اليمن، ويفعلون كذا، قال: فقال لي: «ويحك ومسلمين (^١) هم»؟ قال: «فضحك حتى استلقى». قال: فقال لي بعض جلسائه: ما هذا؟ ما رأيت أعظم فتنة على هذا الشيخ منك، ما رأيناه ضاحكا قط (^٢).
٩٨ - أخبرنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن عيينة، عن عبد الملك، عن الشعبي، في قراءة (^٣): ﴿وتزودوا﴾: «هو الكعك والتمر» (^٤).
٩٩ - حدثنا أحمد قال ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن عيينة، عن محمد بن سوقة، عن عكرمة، وحدثنا أحمد قال ثنا أبو نعيم، عن الثوري، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وتزودوا﴾ قال: «الكعك والسويق» (^٥).
١٠٠ - أخبرنا أحمد، قال ثنا عبد الرزاق، ثنا عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهدا، يقول: «كانوا يحجون ولا يتزودون، فرخص لهم في الزاد، فأنزل: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ (^٦).
_________________
(١) في المطبوعتين: أو مسلمون هم. والمثبت من الأصل والنسخة الأخرى للظاهرية.
(٢) روى الدينوري في المجالسة (٥/ ٥٥) عن النضر بن شميل قال: قلت لبعض الصوفيين: تبيع جبتك الصوف؟ فقال: إذا باع الصياد شبكته؛ فبأي شيء يصطاد؟.
(٣) في (ظ): قوله.
(٤) رواه سعيد بن منصور في تفسيره (٣٤٨) بلفظ: الكعك والسويق. وابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٩٩) بلفظ: التمر والسويق.
(٥) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٩٥).
(٦) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٩٦).
[ ٤٥ ]
١٠١ - حدثنا أحمد قال ثنا عبد الرزاق ثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: كانوا يحجون بغير زاد فأمروا أن يتزودوا فقال: خير الزاد التقوى (^١).
١٠٢ - أخبرنا الحسن (^٢) بن أحمد الكرماني، قال ثنا أبو بكر، ثنا سويد بن عمرو الكلبي (^٣)، عن أبي عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ قال: «كان الناس من العرب إذا حجوا فبلغوا ثنية أو عقبة لم يتزودوا، وتركوا الزاد، وقالوا: نتوكل فأمروا أن يتزودوا» (^٤).
١٠٣ - أخبرنا الحسن (^٥)، ثنا أبو بكر، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «كان أهل من اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون فيأتون إلى مكة فيسألون (^٦) الناس، فأنزل الله: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾» (^٧).
_________________
(١) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٩٥).
(٢) في نسخة الأوقاف وجامعة الملك سعود وطبعة العاصمة: الحسين. وهو تصحيف، وانظر ترجمته في تاريخ الإسلام للذهبي (٢٢/ ١٢٤).
(٣) جاء في النسخ الخطية لفظ: الكناني. وكذا في الطبعتين. وانظر ترجمته في الطبقات لابن سعد (٨/ ٥٣٢) والتاريخ الكبير للبخاري (٤/ ١٤٨) والجرح والتعديل (٤/ ٢٣٩) وتهذيب الكمال (١٢/ ٢٦٣).
(٤) رواه سعيد بن منصور في تفسيره (٣٤٦)، وابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٩٩).
(٥) في الطبعتين: الحسين.
(٦) في نسختي الأوقاف وبرلين: فيتأكلون.
(٧) رواه البخاري (١٥٢٣).
[ ٤٦ ]
١٠٤ - أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم، قال ثنا محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وتزودوا﴾ قال: «كان أهل الآفاق يخرجون في الحج، يتوصلون (^١) بالناس بغير زاد، فأمروا أن يتزودوا» (^٢).
١٠٥ - أخبرنا أحمد بن يحيى بن عطاء بن مسلم الحراني الباهلي، ثنا المغيرة بن سقلاب، ثنا عبدالعزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ بعث جيشا فيهم رجل يقال له حدير، وكانت تلك السنة قد أصابتهم شدة من قلة الطعام، فزودهم رسول الله ﷺ، ونسي أن يزود حديرا، قال: فخرج حدير صابرا محتسبا، قال: وهو آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هو يا رب. قال: فهو يرددها، وهو في آخر الركب، قال: فجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له: «إن ربي أرسلني إليك يخبرك أنك زودت أصحابك، ونسيت أن تزود حديرا، وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هو يا رب. قال: فكلامه ذلك له نور يوم القيامة ما بين السماء والأرض، فابعث إليه بزاد». فدعا النبي ﷺ رجلا فدفع إليه زاد حدير، وأمره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما يقول، فإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول، ويقول له:
_________________
(١) في نسختي الأوقاف برلين: يتوكلون. والمثبت من باقي النسخ وتفسير ابن جرير الطبري.
(٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٩٦).
[ ٤٧ ]
«إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام ورحمة الله، ويخبرك أنه كان نسي أن يزودك، وأن ربي ﵎ أرسل إلي جبريل فذكرني بك فذكره جبريل وأعلمه مكانك». قال: فانتهى إليه وهو يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هو يا رب، قال: فدنا منه، ثم قال له: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام ورحمة الله، وقد أرسلني إليك بزاد معي، ويقول: إني إنما نسيتك، فأرسل إلي جبريل من السماء يذكرني بك. قال: فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ، ثم قال (^١): الحمد لله رب العالمين، ذكرني ربي من فوق سبع سموات، ومن فوق عرشه، ورحم جوعي وضعفي، يا رب كما لم تنس حديرا، فاجعل حديرا لا ينساك. قال: فحفظ الرجل ما قال، فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره بما سمع منه حين أتاه، وبما قال حين أخبره، فقال رسول الله ﷺ: «أما إنك لو رفعت رأسك إلى السماء، لرأيت لكلامه ذلك نورا ساطعا ما بين السماء والأرض» (^٢).
_________________
(١) في (ظ) زيادة: النبي صلى الله عليه.
(٢) إسناده ضعيف، رواه ابن منده في معرفة الصحابة (ص ٤٣٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٣٠٩) من طريق أحمد بن يحي به، والمغيرة بن سقلاب، قال أبو حاتم فيه: هو صالح الحديث. وقال أبو زرعة: هو جزرى ليس به بأس. الجرح والتعديل (٨/ ٢٢٤)، وفي لسان الميزان (٨/ ١٣٣): قال أبو جعفر النفيلي: لم يكن مؤتمنا. وضعفه الدارقطني. وقال ابن عدي في الكامل (٩/ ٥٧٦): منكر الحديث، وعامة ما يرويه لا يُتَابَعُ عَليه. ا. هـ فتفرده لا يحتمل.
[ ٤٨ ]