ورُوّينا في حَديثِ جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وابنِ عباسٍ وغَيرِهِما أنَّ النَّبِىَّ - ﷺ - قال: "دَخَلَتِ العُمرَةُ في الحَجِّ إلَى يَومِ القيامَةِ" (^٤). قيل: مَعناه: دَخَلَت في وقتِ الحَجِّ وشُهورِه نقضًا لما كانَت قُرَيشٌ عَلَيه مِن تَركِ العُمرَةِ في أشهُرِ الحَجِّ.
٨٨٠٢ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبي عمرٍو قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا يَحيَى بنُ أبى طالِبٍ، أخبرَنا عبدُ الوَهّابِ بنُ عَطاءٍ، أخبرَنا سعيدٌ الجُرَيرِىُّ، عن يَزيدَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخّيرِ، عن
_________________
(١) المصنف في المعرفة (٢٧٠١)، والشافعي ٢/ ١٣٥. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢٨٦٢) من طريق نافع به بنحوه.
(٢) بعده في س: "يعني: اسود". وسواده بنبات الشعر فيه. النهاية ١/ ٤٤٤، ٤٤٥.
(٣) المصنف في المعرفة (٢٦٩٨)، والشافعي ٢/ ١٣٥. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢٨٦١) عن سفيان به.
(٤) سيأتي في (٨٨٩٧) من حديث جابر، (٨٩٣٢) من حديث ابن عباس.
[ ٩ / ٢٦٠ ]
مُطَرِّفٍ قال: قال عِمرانُ بنُ حُصَينٍ: إنِّي لأُحَدِّثُكَ الحديثَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالَى يَنفَعُكَ به بَعدَ اليَومِ، واعلَمْ أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قَد أعمَرَ طائفَةً مِن أهلِه في عَشرِ ذِى الحِجَّةِ ولَم يَنزِلْ قُرآنٌ يَنسَخُه، رأى رَجُلٌ بَعدُ ما شاءَ أن يَرَى (^١). أخرَجَه مسلمٌ في "الصحيح" مِن حَديثِ الجُرَيرِىِّ، وزادَ: ولَم يَنهَ عنه حَتَّى مَضَى لِوَجهِهِ (^٢).
٨٨٠٣ - أخبرَنا أبو عليٍّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا هَنّادٌ، عن ابنِ أبي زائدَةَ، حدثنا ابنُ جُرَيجٍ ومُحَمَّدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ طاوُسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: واللهِ ما أعمَرَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عائشةَ في ذِى الحِجَّةِ إلَّا ليَقطَعَ بذَلِكَ أمرَ أهلِ الشِّركِ؛ فإِنَّ هَذا الحَىَّ مِن قُرَيشٍ ومَن دانَ دينَهُم كانوا يَقولونَ: إذا عَفا الوَبَرْ (^٣)، وبَرأ الدَّبَرْ (^٤)، ودَخَلَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمرَةُ لِمَنِ اعتَمَرْ (^٥). فَكانوا يُحَرِّمونَ العُمرَةَ حَتَّى يَنسَلِخَ ذو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٩٨٩٥)، وابن ماجه (٢٩٧٨) من طريق الجريرى به. وسيأتي في (٨٩١٩).
(٢) مسلم (١٢٢٦/ ١٦٥).
(٣) عفا الوبر: يريد وبر الإبل التي حلقتها الرحال أي كثر، ويكون أيضًا بمعنى قل. مشارق الأنوار ٢/ ٩٨.
(٤) الدبر بالتحريك: الجرح الذي يكون في ظهر البعير. النهاية ٢/ ٩٧.
(٥) قال النووي: وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر ويوقف عليها؛ لأن مرادهم السجع. صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٢٢٥، ٢٢٦.
(٦) أبو داود (١٩٨٧). وأخرجه ابن حبان (٣٧٦٥) من طريق ابن أبي زائدة به. وأحمد (٢٣٦) من طريق ابن إسحاق به بنحوه. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٧٥٠).
[ ٩ / ٢٦١ ]
٨٨٠٤ - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو النَّضرِ محمدُ بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ الفَقيهُ، حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، حدثنا موسَى بنُ إسماعيلَ أبو سلمةَ، حدثنا وُهَيبٌ، حَدَّثَنِى ابنُ طاوُسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: كانوا يَرَونَ أنَّ العُمرَةَ في أشهُرِ الحَجِّ مِن أفجَرِ الفُجورِ في الأرضِ؛ يَقولونَ: إذا بَرأ الدَّبَرْ، وعَفا الأثَرْ، وانسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمرَةُ لِمَنِ اعتَمَرْ. وكانوا يُسَمّونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، فقَدِمَ النَّبِىُّ - ﷺ - وأَصحابُه لِصُبحِ رابِعَةٍ (^١) مُهِلّينَ بالحَجِّ، فأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ - ﷺ - أن يَجعَلوها عُمرَةً، فتَعاظَمَ ذَلِكَ عِندَهُم فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ أىُّ الحِلِّ؟ قال: "الحِلُّ كُلُّه". يَعنِى يَحِلّونَ مِن كُلِّ شَئٍ (^٢). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن موسَى بنِ إسماعيلَ، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن وُهَيبٍ (^٣)، وبيِّنٌ في حَديثِ عائشةَ - ﵂ - أنَّه إنَّما أمَرَ بذَلِكَ مَن لَم يَكُنْ ساقَ الهَدىَ، وذَلِكَ يَرِدُ إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
٨٨٠٥ - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ يَحيَى بنِ عبدِ الجَبّارِ السُّكَّرِىُّ ببَغدادَ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ، حدثنا سَعدانُ بنُ نَصرٍ، حدثنا أبو مُعاويَةَ، عن يَحيَى بنِ سعيدٍ، عن مُرَقِّعٍ الأُسَيْدىِّ (^٤)، عن أبي ذَرٍّ قال: لَم يَكُنْ
_________________
(١) أي: صبح رابعة من ذى الحجة. حاشية السندى على صحيح البخاري ٢/ ١٢٧.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٧٤)، والنسائي (٢٨١٢) من طريق وهيب به.
(٣) البخاري (١٥٦٤)، ومسلم (١٢٤٠/ ١٩٨).
(٤) في الأصل، س: "الأسدى". وفي حاشية الأصل: "الأسيدى". وفوقها: "صح". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٧٨.
[ ٩ / ٢٦٢ ]
لأحَدٍ أن يَفسَخَ حَجَّه إلَى عُمرَةٍ إلَّا لِلرَّكْبِ مِن أصحابِ محمدٍ - ﷺ - خاصَّةً (^١).
٨٨٠٦ - أخبرَنا أبو حازِمٍ عُمَرُ بنُ أحمدَ الحافظُ، أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدَةَ التَّميمِىُّ، حدثنا جَعفَرُ بنُ محمدِ بنِ الحُسَينِ التُّركُ، حدثنا يَحيَى بنُ يَحيَى قال: قَرأتُ على مالكٍ، عن أبي الأسوَدِ محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ نَوفَلٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ أنَّها قالَت: خَرَجْنا مَعَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - عامَ حَجَّةِ الوَداعِ؛ فمِنّا مَن أهَلَّ بعُمرَةٍ، ومِنّا مَن أهَلَّ بحَجَّةٍ وعُمرَةٍ، ومِنّا مَن أهَلَّ بالحَجِّ، وأَهَلَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بالحَجِّ، وأَمّا مَن أهَلَّ بعُمرَةٍ فحَلَّ، وأَمّا مَن أهَلَّ بحَجٍّ أو جَمَعَ بَينَ الحَجَّةِ والعُمرَةِ، فلَم يَحِلّوا حَتَّى كان يَومُ النَّحرِ (^٢). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن يَحيَى بنِ يَحيَى، ورَواه البخاريُّ عن ابنِ يوسُفَ عن مالكٍ (^٣).
٨٨٠٧ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبي عمرٍو قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا يَحيَى بنُ أبى طالِبٍ، أخبرَنا عبدُ الوَهّابِ بنُ عَطاءٍ، أخبرَنا ابنُ جُرَيجٍ، عن عِكرِمَةَ بنِ خالِدٍ قال: سألتُ ابنَ عُمَرَ عن العُمرَةِ قَبلَ الحَجِّ فقالَ: لا بأسَ على أحَدٍ أن يَعتَمِرَ قَبلَ الحَجِّ.
_________________
(١) المصنف في الصغرى (١٦٩٨). وأخرجه الحميدي (١٣٢، ١٣٥)، والطحاوى في شرح المعاني ٢/ ١٩٤ من طريق يحيى بن سعيد به. وسيأتي في (٩٠٧٨).
(٢) مالك ١/ ٣٣٥، ومن طريقه أحمد (٢٤٠٧٦)، وأبو داود (١٧٧٩)، والنسائي (٢٧١٥).
(٣) مسلم (١٢١١/ ١١٨)، والبخاري (١٥٦٢).
[ ٩ / ٢٦٣ ]
قال: وقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: اعتَمَرَ النَّبِىُّ - ﷺ - قَبلَ الحَجِّ (^١). أخرَجَه البخاريُّ في "الصحيح" مِن حَديثِ ابنِ المُبارَكِ وأَبِى عاصِمٍ عن ابنِ جُرَيجٍ (^٢).
٨٨٠٨ - أخبرَنا أبو زَكَريّا ابنُ أبي إسحاقَ وأبو بكرِ ابنُ الحَسَنِ قالا: حدثنا أبو العباسِ هو الأصَمُّ، أخبرَنا الرَّبيعُ، أخبرَنا الشّافِعِىُّ، أخبرَنا مالكٌ، عن صَدَقَةَ بنِ يَسارٍ، عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قال: لَأن أعتَمِرَ قَبلَ الحَجِّ وأُهدِىَ أحَبُّ إلَىَّ مِن أن أعتَمِرَ بَعدَ الحَجِّ في ذِى الحِجَّةِ (^٣).
٨٨٠٩ - أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الحَسَنِ ابنُ عَبدوسٍ، حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ الدّارِمِىُّ، أخبرَنا هُدبَةُ، حدثنا هَمّامٌ، حدثنا قَتادَةُ، أنَّ أنَسًا أخبَرَه أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - اعتَمَرَ أربَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ في ذِى القَعدَةِ إلَّا التي مَعَ حَجَّتِهِ؛ عُمرَةً مِنَ الحُدَيبيَةِ أو زَمَنَ الحُدَيبيَةِ في ذِى القَعدَةِ، وعُمرَةً مِنَ العامِ المُقبِلِ في ذِى القَعدَةِ، وعُمرَةً مِنَ الجِعْرانَةِ حَيثُ قَسَمَ غَنائمَ حُنَينٍ في ذِى القَعدَةِ، وعُمرَةً مَعَ حَجَّتِهِ (^٤). رَواه البخاريُّ ومُسلِمٌ في "الصحيح" عن هُدبَةَ (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥٠٦٩)، وأبو داود (١٩٨٦) من طريق ابن جريج به.
(٢) البخاري (١٧٧٤).
(٣) المصنف في المعرفة (٢٧٣٨)، والشافعي ٧/ ٢١٤، ومالك ١/ ٣٤٤. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣١٩٠) من طريق صدقة به بنحوه.
(٤) المصنف في الدلائل ٥/ ٤٥٤، ٤٥٥. وأخرجه أبو داود (١٩٩٤)، وابن حبان (٣٧٦٤) من طريق هدبة به. وتقدم في (٨٧٧٩)، وسيأتي في (٨٨٦٣).
(٥) البخاري (١٧٨٠)، ومسلم (١٢٥٣/ ٢١٧).
[ ٩ / ٢٦٤ ]
٨٨١٠ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو محمدٍ عبدُ الرَّحمَنِ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ بالُويَه المُزَكِّى وأبو زَكَريّا ابنُ أبي إسحاقَ قالوا: حدثنا أبو العباسِ الأصَمُّ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ العُطارِدِىُّ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، حدثنا عُمَرُ بنُ ذَرٍّ، عن مُجاهِدٍ، عن أبي هريرةَ قال: اعتَمَرَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ثلاثَ عُمَرٍ كُلُّها في ذِى القَعدَةِ (^١).
٨٨١١ - أَخبَرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحَسَنِ بنِ إسحاقَ البَزّازُ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ الفاكِهِىُّ بمَكَّةَ، حدثنا أبو يَحيَى ابنُ أبي مَسَرَّةَ، حدثنا سعيدُ بنُ مَنصورٍ، حدثنا عبدُ العَزيزِ بنُ محمدٍ، أخبرَنا هِشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ النَّبِىَّ - ﷺ - اعتَمَرَ ثلاثَ عُمَرٍ؛ عمرَةً في شَوّالٍ، وعُمرَتَينِ في ذِى القَعدَةِ (^٢).
٨٨١٢ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو بكرِ ابنُ الحَسَنِ القاضِى قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ حازِمٍ، حدثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسَى، أخبرَنا سفيانُ، عن شُعبَةَ، عن يَزيدَ الرِّشْكِ، عن مُعاذَةَ العَدَويَّةِ، عن عائشةَ قالَت: حَلَّتِ العُمرَةُ في السَّنَةِ كُلِّها إلَّا في أربَعَةِ أيّامٍ؛ يَومُ عَرَفَةَ، ويَومُ النَّحرِ، ويَومانِ بَعدَ ذَلِكَ (^٣). وهَذا مَوقوفٌ، وهو مَحمولٌ عِندَنا على مَن كان مُشتَغِلًا بالحَجِّ فلا يُدخِلُ العُمرَةَ عَلَيه، ولا يَعتَمِرُ حَتَّى يُكمِلَ
_________________
(١) المصنف في الدلائل ٥/ ٤٥٦، وحديث أبى العباس الأصم (٤٩٢). وقال الذهبي ٤/ ١٧٢٦: هذا منكر.
(٢) فوائد أبى محمد الفاكهى (٧٠). وسيأتي في (٨٩٠٨).
(٣) أخرجه ابن جرير - كما في الاستذكار لابن عبد البر ١١/ ٢٥٢ - من طريق معاذة به.
[ ٩ / ٢٦٥ ]
عَمَلَ الحَجِّ كُلَّه؛ فقَد أمَرَ عُمَرُ بنُ الخطابِ - ﵁ - أبا أيّوبَ الأنصارِىَّ وهَبّارَ بنَ الأسوَدِ حينَ فاتَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما الحَجُّ بأَن يَتَحَلَّلَ بعَمَلِ عُمرَةٍ (^١). قال الشّافِعِىُّ: وأَعظَمُ الأيّامِ حُرمَةً أولاها أن يُنسَكَ فيها للَّهِ ﷿ (^٢).