كتاب "الأحكام" يعوز قليلًا في ثلاث مجلّدت "فضائل الأعمال" في مجلد، "الأحاديث المختارة" خرَّجَ منها تسعين جزءًا، وهي الأحاديث التي تصلُح أن يُحتَجَّ بها سوى ما في "الصحيحين"، خرّجها من مسموعاته، كتاب "فضائل الشّام" ثلاثة أجزاء، كتاب "فضائل القرآن" جزء، كتاب "الجنة"، كتاب "النّار"، كتاب "مناقب أصحاب الحديث"، كتاب "النهي عن سب الأصحاب"، كتاب "سِيرَ المقادسة" كالحافظ عبد الغنيّ، والشيخ الموفق، والشيخ أبي عمر، وغيرهم في عدة أجزاء، وله تصانيف كثيرة في أجزاء عديدة لا يحضرني ذكرها، وله مجاميع ومُنتخبات كثيرة، وله كتاب "الموافقات" في نيِّفٍ وخمسين جزءًا.
وبنى مدرسةً على باب الجامع المظفَّري، وأعانه عليها بعض أهل الخير، وجعلها دار حديث، وأن يسمع فيها جماعة من الصبيان، ووقف بها كتبه وأجزاءه، وفيها من وقف الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ عبد الغني، وابن الحاجب، وابن سلام، وابن هامل، والشيخ علي الموصلي، وقد نُهِبت في نكْبة الصالحية -نوبةَ غازان- وراح منها شيء كثير، ثم تماثلت وتراجع حالها، وفيها -بحمد الله- الآن جملة نافعة للطلبة.
وكان -﵀- ملازمًا لجبل الصالحية، قل أن يدخل البلد أو يُحدّث به، ولا أعلم أحدًا سمع منه بالمدينة، وإنْ كان فنزر يسير.
[ مقدمة / ٤٠ ]
أخذ عنه جماعة من شيوخه، وروى عنه: الحافظ أبو عبد الله البرزالي، والحافظ أبو عبد الله بن النجار، وجماعة (١).
ومن شيوخنا: أبو العباس بن الظاهري، وأبو الفدا إسماعيل بن الفراء، والتقي أحمد بن مؤمن، والشيخ محمد بن حازم، والشيخ علي بن بقا، والنجم موسى الشقراوي، والنّجم إسماعيل بن الخباز، وداود بن حمزة، ومحمد بن علي ابن الموازيني، وعثمان الحمصي، والشهاب أحمد الدشتي، وأبو علي بن الخلال، وعيسى بن المطعم، وأبو بكر بن عبد الدائم، ومحمد ابن خطيب بيت الآبار، وزينب بنت عبد الله ابن الرضي، والقاضي المجد سالم بن أبي الهيجا، ومحمد ابن يوسف الذهبي، ومُسنِد الشام القاضي تقي الدين سليمان فأكثر عنه، فإنيّ سمعته يقول: سمعت من شيخنا الضياء ألف جزء.
وقرأت بخط المحدث محمد بن الحسن بن سلام قال: محمد بن عبد الواحد شيخنا، ما رأيت مثله فيما اجتمع له، كان مقدَّمًا في علم الحديث، فكأن هذا العِلم قد انتهى إليه وسلم له، ونظر في الفقه وناظر فيه، وجمع بين فقه الحديث ومعانيه، وشدا طرفًا من الأدب وكثيرًا من اللغة والتفسير، وكان يحفظ القرآن واشتغل مدة به، وقرأ بالروايات على مشايخ عديدة، وكان يتلوه تلاوةً عذبة، وجمع كل هذا مع الورع التام والتقشف الزَّائد، والتعفف والقناعة والمروءة والعبادة الكثيرة، وظلف النَّفْس وتجنبها أحوال الدنيا ورعوناتها، والرفق بالغرباء والطلاب، والانقطاع عن الناس، وطول الروح على الفقير والغريب، وكان محبًّا
_________________
(١) ذكر منهم الذهبي في السير (٢٣/ ١٢٩) ممن لم يذكره هنا: ابن نقطة، وسيف الدين ابن المجد، وابن الأزهر الصريفيني، وشرف الدين بن النابلسي، وابني أخويه: الشيخ فخر الدين علي بن البخاري، والشيخ شمس الدين بن الكمال عبد الرحيم. وغيرهم. وسأفرد فصلًا لمشاهير الحفاظ الذين رووا عن الحافظ الضياء -إن شاء الله تعالى.
[ مقدمة / ٤١ ]
لمن يأخذ عنه، مكرمًا لمن يسمع عليه، وكان يُحرِّض على الاشتغال، ويعاون بإعارة الكتب، وكنت أسأله عن المشكلات فيجيبني أجوبةً شافية عجز عنها المتقدمون، ولم يدرك شأوها المتأخّرون، قرأتُ عليه الكثير، وما أفادني أحدٌ كإفادته، وكان ينبّهني على المهمات من العوالي، ويأمرني بسماعها، ويكرمني كثيرًا، وقرأت عليه "صحيح مسلم". كانت له أُرَيْضَة بباب الجامع ورِثها من أبيه، وكان يبني فيها قليلًا قليلًا على قدر طاقته، فيسر بناء كثيرًا منها بهمّته، وحُسْن قصده وإجابة دعوته، ونزل فيها المشتغلين بالفِقه والحديث؛ وكان ما يصل إليه من رفق يوصله إليهم ويصرفه عليهم، ورام بعض الكبار مساعدته ببناء مصنع للماء، فأبى ذلك، وقال: لا حاجة لنا في ماله. وكان من صغره إلى كِبره موصوفًا بالنُّسك، مشتغلًا بالعِلم.
قلت: تُوفي يوم الإثنين الثّامن والعشرين من جمادى الآخرة، وله أربعٌ وسبعون سنة وأيام، ﵀ ورضي عنه. اهـ.
[ مقدمة / ٤٢ ]