بَابُ ذِكْرِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَشِيئَةَ الْخَلْقِ تَبَعٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﷾ فَمَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَهْتَدِيَ اهْتَدَى، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُضِلَّ لَمْ يَهْتَدِ أَبَدًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] وَقَالَ تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي
[ ٢ / ٧١٨ ]
الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا، مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]
[ ٢ / ٧١٩ ]
٣١٣ - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: قَوْلُهُ ⦗٧٢٠⦘ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] قَالَ: وَمَنْ رَحِمَ رَبُّكَ غَيْرُ مُخْتَلِفِينَ وَقُلْتُ: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، خَلَقَ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِلرَّحْمَةِ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِلْعَذَابِ
[ ٢ / ٧١٩ ]
٣١٤ - وَأَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ مُجَانِبًا لِلْحَسَنِ، لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ عَنْهُ فِي الْقَدَرِ، حَتَّى لَقِيَهُ، فَسَأَلَهُ الرَّجُلُ أَوْ سُئِلَ، عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] قَالَ: لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ رَحْمَةِ اللَّهِ، قَالَ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]؟ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الْجَنَّةِ لِلْجَنَّةِ، وَأَهْلَ النَّارِ لِلنَّارِ قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكْذِبُ عَنِ ⦗٧٢١⦘ الْحَسَنِ ⦗٧٢٢⦘ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَصَصِ لِنَبِيِّهِ ﵊: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ، وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٢] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ حم عسق: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] وَقَالَ فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ⦗٧٢٣⦘، وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] بَعْدَ أَنْ حَذَّرَ مِنَ النَّارِ، وَشَوَّقَ إِلَى الْجَنَّاتِ مِمَّا أَعَدَّ فِيهَا لِأَوْلِيَائِهِ، فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[ ٢ / ٧٢٠ ]
٣١٥ - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَنَسٍ مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]
⦗٧٢٤⦘ قَالُوا: الْأَمْرُ إِلَيْنَا، إِنْ شِئْنَا اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نَسْتَقِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: اعْتَبِرُوا يَا مُسْلِمُونَ، هَلْ لِقَدَرِيٍّ فِي جَمِيعِ مَا تَلَوْتُهُ حُجَّةٌ؟ إِلَّا خُذَلَانًا وَشِقْوَةً
[ ٢ / ٧٢٣ ]
٣١٦ - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: " مَا أَضَلَّ مَنْ كَذَّبَ بِالْقَدَرِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيهِ حُجَّةٌ إِلَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] لَكَفَى بِهَا حُجَّةً
[ ٢ / ٧٢٤ ]
٣١٧ - وَأَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نَا أَبُو أَنَسٍ مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، يَعْنِي ابْنَ الْوَلِيدِ، عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] «وَكَذَلِكَ خَلَقَهُمْ حِينَ خَلَقَهُمْ، فَجَعَلَهُمْ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا، وَسَعِيدًا وَشَقِيًّا، وَكَذَلِكَ يَعُودُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُهْتَدِينَ وَضُلَّالًا»
[ ٢ / ٧٢٥ ]
٣١٨ - وَأَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ يَعْنِي الثَّوْرِيَّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] قَالَ: نَزَلَتْ تَعْيِيرًا لِأَهْلِ الْقَدَرِ
[ ٢ / ٧٢٦ ]
٣١٩ - وَأَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ ⦗٧٢٧⦘ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] قَالَ: فَالتَّقِيُّ أَلْهَمَهُ التَّقْوَى، وَالْفَاجِرُ أَلْهَمَهُ الْفُجُورَ
[ ٢ / ٧٢٦ ]
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: " وَاللَّهِ مَا قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا كَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَلَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّونَ، وَلَا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَلَا كَمَا قَالَ أَهْلُ النَّارِ، وَلَا كَمَا قَالَ أَخُوهُمْ إِبْلِيسُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وَقَالَ النَّبِيُّونَ مِنْهُمْ شُعَيْبٌ ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]
⦗٧٢٨⦘ وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] وَقَالَ أَهْلُ النَّارِ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وَقَالَ أَخُوهُمْ إِبْلِيسُ ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] .
٣٢٠ - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ بِذَلِكَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ الْمَعْرُوفُ بِكُرْدُوسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ خُبَيْبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا ⦗٧٢٩⦘ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَصَدَّقَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَنَحْنُ نَزِيدُ عَلَى مَا قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، مِمَّا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ، مِمَّا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْقَدَرِ، وَمِمَّا قَالَهُ أَهْلُ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، مِمَّا فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْقَدَرِيَّةِ فَأَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِذِكْرِهِ هَاهُنَا بَعْدَ ذِكْرِنَا لِمَا مَضَى زِيَادَةً عَلَى مَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ذَكَرْنَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَا قَالَهُ، مِمَّا يَفْتَضِحُ بِهِ أَهْلُ الْقَدَرِ، وَنَذْكُرُ مَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ مِمَّا هُوَ رَدٌ عَلَى أَهْلِ الْقَدَرِ، الَّذِينَ زِيغَ بِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَالَّذِي قَدْ لَعِبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ، وَخَالَفُوا سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْمٍ أَشْقَاهُمْ وَأَضَلَّهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]
⦗٧٣٠⦘ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَكَذَا الْقَدَرِيُّ يُقَالُ لَهُ: قَالَ اللَّهُ كَذَا، وَقَالَ: كَذَا وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَذَا وَقَالَ: كَذَا، وَقَالَتِ الْأَنْبِيَاءُ: كَذَا، وَقَالَتْ صَحَابَةُ نَبِيِّنَا: كَذَا، وَقَالَتْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ: كَذَا، فَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَعْقِلُ إِلَّا مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِهِ الْخَبِيثِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ سُوءِ مَذْهَبِهِمْ، وَرَزَقَنَا وَإِيَّاكُمُ التَّمَسُّكُ بِالْحَقِّ، وَثَبَّتَ قُلُوبَنَا عَلَى شَرِيعَةِ الْحَقِّ، إِنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، وَأَعَاذَنَا مِنْ زَيْغِ الْقُلُوبِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ قُلُوبَهُمْ بِيَدِ اللَّهِ، يُزِيغُهَا إِذَا شَاءَ عَنِ الْحَقِّ، وَيَهْدِيهَا إِذَا شَاءَ إِلَى الْحَقِّ، مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَذَا كَفَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَرْشَدَ أَنْبِيَاءَهُ إِلَيْهِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنَ الدُّعَاءِ، أَرْشَدَهُمْ فِي كِتَابِهِ أَنْ يَقُولُوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]
[ ٢ / ٧٢٧ ]
٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنُ حَسَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، وَهِشَامٌ، وَالْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: دَعْوَةٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَا: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى ⦗٧٣١⦘ دِينِكَ قَالَتْ: قُلْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا دَعْوَةٌ أَسْمَعُكَ تُكْثِرُ أَنْ تَدْعُوَ بِهَا؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: ثُمَّ نَذْكُرُ مَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ خِلَافَ مَا قَالَتْهُ الْقَدَرِيَّةُ قَالَ نُوحٌ ﵇ لِقَوْمِهِ لَمَّا قَالُوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وَقَالَ شُعَيْبٌ لِقَوْمِهِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ⦗٧٣٢⦘ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ الْآيَةَ وَقَالَ شُعَيْبٌ أَيْضًا لِقَوْمِهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ ﵇: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا، لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] وَقَالَ يُوسُفُ ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ، وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا، وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وَقَالَ مُوسَى ﵇ لَمَّا دَعَا عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا ⦗٧٣٣⦘ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَاشْدُدُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩] وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فَقَدْ أَقَرَّ أَهْلُ النَّارِ أَنَّ الْهِدَايَةَ مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: اعْتَبِرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ قَوْلَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَقَوْلَ أَهْلِ النَّارِ، كُلُّ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى الْقَدَرِيَّةَ، وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ بَعَثَ رُسُلَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالْبَلَاغِ، حُجَّةً عَلَى مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْهِدَايَةُ، وَمَنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْهِدَايَةُ، وَفِي مَقْدُورِهِ أَنَّهُ شَقِيٌّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ يُجِبْهُمْ، وَثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَا مُسْلِمُونَ بِذَلِكَ ⦗٧٣٤⦘، نَعَمْ، وَقَدْ حَرَصَ نَبِيُّنَا ﷺ، وَالْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِهِ، عَلَى هِدَايَةِ أُمَمِهِمْ، فَمَا يَقَعُ حِرْصُهُمْ، إِذَا كَانَ فِي مَقْدُورِ اللَّهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بَيِّنْ لَنَا هَذَا الْفَصْلَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّا نَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، قِيلَ لَهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ، فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧] ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ أَحَبَّ هِدَايَةَ بَعْضِ مَنْ يُحِبُّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ أَيْضًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ، إِنْ ⦗٧٣٥⦘ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ، فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: كُلُّ هَذَا بَيَّنَ لَكُمُ الرَّبُّ تَعَالَى بِهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَحُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ، فَمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْإِيمَانَ آمَنَ، وَمَنْ لَمْ يَشَأْ لَهُ الْإِيمَانَ لَمْ يُؤْمِنْ، قَدْ فَرَغَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَدْ كَتَبَ الطَّاعَةَ لِقَوْمٍ، وَكَتَبَ الْمَعْصِيَةَ عَلَى قَوْمٍ، وَيَرْحَمُ أَقْوَامًا بَعْدَ مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَيَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وَقَوْمٌ لَا يَرْحَمُهُمُ، وَلَا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]
[ ٢ / ٧٣٠ ]
٣٢٢ - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نا ⦗٧٣٦⦘ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَمَّنْ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قَالَ: " قَالَ آدَمُ ﵇: يَا رَبِّ أَرَأَيْتَ مَا ابْتَدَعْتُهُ: مِنْ قِبَلِ نَفْسِي أَوْ شَيْءٌ قَدَّرْتُهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي؟ قَالَ: لَا، بَلْ شَيْءٌ قَدَّرْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]
[ ٢ / ٧٣٥ ]
٣٢٣ - وَحَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ ⦗٧٣٧⦘ الْقَافِلَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْجُرْجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنْبَأَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: " قَالَ آدَمُ ﵇ لِرَبِّهِ تَعَالَى وَذَكَرَ خَطِيئَتَهُ: يَا رَبِّ، أَرَأَيْتَ مَعْصِيَتِي الَّتِي عَصَيْتُكَ: أشَيْءٌ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي أَوْ شَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِنْ نَفْسِي قَالَ: بَلْ شَيْءٌ كَتَبْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ قَالَ: فَكَمَا كَتَبْتَهُ عَلَيَّ فَاغْفِرْ لِي قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: قَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا ابْتَدَأْنَا بِذِكْرِهِ مِنْ أَمْرِ الْقَدَرِ، ثُمَّ نَذْكُرُ الْحُجَّةَ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ إِذَا كَانَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَيْسَ لَمُخَالِفٍ حُجَّةٌ، وَنَحْنُ نَزِيدُ الْمَسْأَلَةَ فَنَقُولُ: وَمِنْ سُنَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ⦗٧٣٨⦘، وَقَوْلِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: لَقَدْ شَقِيَ مَنْ خَالَفَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هُمْ عِنْدَكَ أَشْقِيَاءُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بِمَ ذَا؟ قُلْتُ: كَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَسَمَّاهُمْ مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ: «إِنْ مَرِضُوا، فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ» وَسَنَذْكُرُ هَذَا فِي بَابِهِ إِنْ ⦗٧٤٠⦘ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: وَيُقَالُ لِمَنْ خَالَفَ هَذَا الْمَذْهَبَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: اعْلَمْ يَا شَقِيُّ أَنَّا لَسْنَا أَصْحَابَ كَلَامٍ، وَالْكَلَامُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ لَا تَثْبُتُ بِهِ حُجَّةٌ، وَحُجَّتُنَا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فَقَدْ بَيَّنَ ﷺ لِأُمَّتِهِ مَا فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، وَلَمْ يَدَعْهُمْ سُدًى لَا يَعْلَمُونَ، بَلْ بَيَّنَ لَهُمْ شَرَائِعَ دِينِهِمْ، فَكَانَ مِمَّا بَيَّنَهُ لَهُمْ: إِثْبَاتُ الْقَدَرِ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، وَهِيَ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ سَنْذْكُرُهَا أَبْوَابًا، لَا تَخْفَى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا، وَلَا يُنْكِرُهَا عَالِمٌ، بَلْ إِذَا نَظَرَ فِيهَا الْعَالِمُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى زَادَتْهُ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا، وَإِذْ نَظَرَ فِيهَا جَاهِلٌ بِالْعِلْمِ، أَوْ بَعْضُ مَنْ قَدْ سَمِعَ مِنْ قَدَرِيٍّ جَاهِلٍ بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿، وَسُنَنِ رَسُولِهِ ﷺ، وَسُنَنِ أَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ﵃، فَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ ﷿ بِهِ خَيْرًا كَانَ سَمَاعُهُ لَهَا سَبَبًا لِرُجُوعِهِ عَنْ بَاطِلِهِ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ
[ ٢ / ٧٣٦ ]