أولا: الحالة السياسية:
عاش محمد بن عثمان بن أبي شيبة في القرن الثالث الهجري، فقد كان مولده في العشر الأول من هذا القرن، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين ومائتين للهجرة، وقد شهد في هذه الفترة من حياته دولة الخلافة العباسية في مختلف مراحلها وعاصر عددا من خلفائها فقد أدرك بعضا من عصر المأمون (١٩٨- ٢١١)، وأدرك عصر المعتصم (١٨ ٢- ٢٢١)، والواثق (١٢٧- ٢٣١)، والمتوكل (١٣٢- ٤٧ ١)، والمنتصر (١٤٧- ٢٤١)، والمستعين (١٤٨- ٢٥١)، والمعتز (١٥٢- ٢٥١)، والمهتدي (١٥٥- ٢٥١)، والمعتمد (١٥٦- ٢٧١)، والمعتضد (١٧٩- ٢٨١)، والمكتفي (١٨٩- ٢٩١)، وبعض عصر المقتدر (١٩٥- ٣٢١) .
والذي يعنينا هنا هو تصور الجو السياسي في تلك الحقبة من الزمن، فقد كانت مشحونة بالفتن والاضطرابات والصراعات التي كانت تنتاب الدولة العباسية من حين إلى حين- وقد كانت هذه الصراعات في مجملها ذات أهداف شخصية لا تمت إلى الإسلام بصلة، وكان الهدف الرئيسي منها هو السيطرة على زمام الدولة العباسية، أو الاستئثار بحكم
[ ١٩٣ ]
إقليم معين، أو منصب، أو وزارة في الدولة، فابتداء من عصر المأمون والحرب التي دارت بينه وبين أخيه الأمين، والتي هي في حقيقتها ليست إلا لونا مقنعا من الحرب بين العرب والفرس، فكان العرب وراء الأمين، والفرس وراء المأمون، وما ثورة "نصر بن شبث" ضد المأمون الأخير دليل ونموذج على ذلك١.
ثم إن الفرس أنفسهم حاربوا المأمون وجها لوجه مثلما كان من "حرب البابكية"٢ بزعامة قائدهم "بابك الخرمي"، الذي خرج على المأمون وانتصر عليه في بعض المواقع، ومات المأمون ولم يستطع القضاء على هذه الثورة بل خلفها لأخيه المعتصم.
هذا بالإضافة إلى الثورات والتمردات والفتن الأخرى مثل: "حركة الزط"٣، و"ثورة المصريين"٤، و"فتنة خلق القرآن" التي كانت أعظم هذه الفتن، والتي لم يسلم من تيارها المحدثون والفقهاء.
ففي سنة ثماني عشرة ومائتين كتب الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد إلى ابن الحسين إسحاق بن إبراهيم ببغداد في امتحان
_________________
(١) ١ انظر التفصيل في: "تاريخ الطبري": (٨/ ٥٧٧، وما يليها) من الحوادث سنة ٢٠٥ إلى سنة ٢١٠ هـ، و"تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم: (٢/ ١٧٩، وما بعدها) . ٢ انظر: "مروج الذهب" للمسعودي: (٤/ ٢٩) . ٣ "تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم: (٢/ ٦٩- ٧٠) . ٤ "تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم: (٢/ ٦٩- ٧٠) .
[ ١٩٤ ]
القضاة والمحدثين بخلق القرآن، فمن أقر أنه مخلوق خلي سبيلا ومن أبى أعلمه به ليأمره فيه برأيه وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن١.
وهكذا استمرت هذه المحنة التي شغلت المأمون أكثر مما شغلت المعتزلة، وعنى بها المأمون نفسه كما عنى بها المسلمون، ووقف المأمون يناصب العداء كل من خالفه في هذه المسألة، وسومه سوء العذاب٢.
ثم يأتي المعتصم من بعد أخيه المأمون، ولم يكن عصره أحسن حالا من عصر أخيه، فقد ورث الخلافة وورث معها الثورات والفتن والاضطرابات التي لم يستطع المأمون القضاء عليها أو التخلص منها، فتورط المعتصم فيما تورط فيه المأمون من القول بخلق القرآن، واستمرت المحنة في عصره، وكذلك واجهته الكثير من المصاعب في القضاء على "فتنة الزط"٣، الذين عاثوا في طريق البصرة فسادا، فقطعوا الطريق، وأخافوا السبيل، وكذلك في القضاء على ثورة "بابك الخرمي"٤، التي خلفها له المأمون وقد أنهاها المعتصم بعد جهد كبير.
_________________
(١) ١ انظر التفصيل في: "تاريخ الطبري": (٨/ ٦٣١، ٦٤٥)، و"البداية والنهاية": (١٠/ ٢٧٢، وما بعدها)، و"تاريخ بغداد": (١٤/ ١٥) . ٢ "تاريخ الأمم الإسلامية"، ص. ٢١٠- ٢١٥. ٣ "تاريخ الطبري": (٩/ ٨- ١١)، "البداية والنهاية": (١٠/ ٢٨٢)، و"العصر العباسي الثاني" لشوقي ضيف: ص.١٠- ١١. ٤ "تاريخ الطبري": (٩/ ١١، وما بعدها)، و"البداية والنهاية": (١٠/ ٢٨٢، وما بعدها) .
[ ١٩٥ ]
وبالإضافة إلى ذلك فقد ضعفت ثقة المعتصم ومن جاء بعده من الخلفاء بالعرب١.
فذهب المعتصم يشتري الأتراك ويجمعهم، حتى اجتمع له منهم عدد كبير، فألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة٢، ثم إنه اعتمد عليهم في تسيير أمور الدولة فأسند إليهم الولايات ومناصب الدولة، وأدر عليهم الهبات والأرزاق، وآثرهم على العرب والفرس في كل شيء٣.
وقد كان لهذا التصرف من قبل المعتصم أثره السيء على دولة الخلافة، فقد بلغ من نفوذ هؤلاء الأتراك في العصر العباسي الثاني أنهم استولوا على زمام الأمور في بغداد والعراق، واستبدوا بالسلطة من دون الخلفاء إلى درجة أنهم كانوا هم الذين يعينون الخلفاء وهم الذين يعزلونهم، وكانوا أحيانا لا يتورعون عن قتل الخلفاء فقتلوا مثلا المتوكل، والمهتدي بالله، والمقتدر، والراضي٤.
وقد تولى الخلافة من بعد المعتصم ابنه الواثق الذي استمر فيما كان عليه أبوه المعتصم وعمه المأمون فيما يتعلق بالقول بخلق القرآن واستمرت هذه المحنة في عهده حتى ملها وود لو وجد لنفسه منها
_________________
(١) ١ "ظهر الإسلام" لأحمد أمين: (١/ ٣- ٤) . ٢ "مروج الذ هب": (٤/ ٥٣) . ٣ "تاريخ الإسلام السياسي": (٢/ ١٩٣) . ٤ "ظهر الإسلام": (١/ ١١- ٢٥)، و"العصر العباسي الثاني": ص ١٧.
[ ١٩٦ ]
مخرجا١، واستمرت الاضطرابات في زمانه وقوي نفوذ الأتراك، وولي الخلافة من بعده المتوكل فناصر السنة وأبطل ما كان عليه من قبله من القول بخلق القرآن، وأمر بمناصرة مذهب السلف والرد على مقالة المعتزلة والجهمية، وحاول القضاء على نفوذ الأتراك واستبدادهم بأمور الدولة، ولكنهم سبقوه إلى ذلك فقتلوه في عام (٢٤٨هـ)، ومنذ ذلك الحين بدأ الضعف في دولة الخلافة، فزالت هيبتها، وضعف سلطانها وأصبح الأمر كله بيد الأتراك يصرفون الأمور، فيولون من شاءوا من الخلفاء، ويعزلونهم متى أرادوا، فأخذ الانحلال يدب في كيان الدولة، ولم يزل هذا شأنها حتى قضى عليها تماما في منتصف القرن السابع (١٥٦ هـ) على أيدي التتار.
من هذا الاستعراض الموجز والسريع للحالة السياسية في عهد المؤلف، يتضح لنا أن الأحوال السياسية في ذلك الوقت كانت على وجه العموم غير مستقرة، ومشحونة بالفتن والاضطرابات.
ثانيا: الحالة الاجتماعية:
اصطبغت الحياة الاجتماعية في معظم حواشيها بالصبغة الأجنبية بما فيها من ترف وزينة ومباهج، فكانت قصور الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة مضرب المثل في حسن رونقها وبهائها، كما امتازت بفخامة بنائها واتساعها وما يكتنفها من حدائق غناء وأشجار متكانفة، كما ازدانت بالمناضد الثمينة، بالزهريات المزخرفة، والتربيعات المرصعة
_________________
(١) ١ "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي: ص ٤٣٢.
[ ١٩٧ ]
المذهبة١.
وكان الشعب يتألف في هذا العصر من أربعة عناصر رئيسية هي: العرب، والفرس، والأتراك، والمغاربة٢، وكان الرقيق يكونون طبقة كبيرة من طبقات المجتمع آنذاك، فقد كان اتخاذ الرقيق منتشرا انتشارا كبيرا، ولم ينظر الخلفاء العباسيون إلى الرقيق نظرة امتهان وازدراء إذ أن كثيرين منهم كانت أمهاتهم من الرقيق٣.
وقد كان من ضمن طبقات الشعب في ذلك العصر أهل الذمة- اليهود والنصارى- وكانوا يتمتعون بكثير من ضروب التسامح، حيث كانوا يقيمون شعائرهم الدينية في أديارهم وبيعهم خارج مدينة بغداد في أمن ودعة، مما يدل على أن الخلفاء العباسيين كانوا على جانب عظيم من التسامح الديني معهم٤.
وأما من حيث الزواج والمصاهرة فقد تغيرت تقاليدها عن ذي قبل، وذابت تلك العادة العربية المتمثلة في التحفظ عن مصاهرة غير العرب، فقد حطم العصر العباسي تلك الحواجز، وامتزج الدم العربي بالدم الفارسي وغيره من العناصر الأخرى٥.
_________________
(١) ١ "تاريخ الإسلام السياسي ": (٢/ ٤٠٢، ٤٠٣) . ٢ "تاريخ الإسلام السياسي": (٢/ ٣٩٨) . ٣ "العصر العباسي الأول" لشوقي ضيف: ص ٥٧- ٥٨. ٤ "تاريخ الإسلام": (٢/ ٣٩٧) . ٥ "العصر العباسي الأول": ص ٨٩.
[ ١٩٨ ]
وأما الحالة الخلقية فقد كانت مزيجا من الفساد والصلاح، كما كانت مزيجا من الهدى والضلال، فتجد إلى جانب الإسراف والمجون الفاجر، الورع النادر، والزهد، والتقوى، والصلاح، والاستقامة، وهذا التغاير أمر طبيعي، نظرا لاتساع رقعة الخلافة واختلاف الملل والنحل، وتقاعس الخلفاء عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كثير من الأحيان١.
وقد عاش المؤلف﵀- في هذه البيئة فلم يظهر تأثره بها، ولا بالتيارات المختلفة على الرغم من أنه كان في بغداد عاصمة الخلافة، وقد كان في ذلك شأنه شأن العلماء الأجلاء الذين عاشوا في هذا العصر.
ثالثا: الحالة الثقافية والعلمية:
على الرغم من مظاهر الضعف والتدهور وعدم الاستقرار السياسي الذي انتاب دولة الخلافة العباسية في ذلك العصر، إلا أن الحالة الثقافية كانت على حالة مغايرة تماما، فقد تميز هذا العصر بنهضة علمية وفكرية قوية، إذ عاش فيها جل المحدثين، والفقهاء، وعلماء اللغة، والمؤرخين، وغيرهم، وباستعراض سريع لبعض علماء كل علم من هذه العلوم نرى كيف أن هذه الفترة قد حوت علماء مبرزين قل أن يوجد مثلهم في زمن مشابه.
فمن المحدثين: شيخ المحدثين الإمام محمد بن إسماعيل البخاري
_________________
(١) ١ "العصر العباسي الثاني": ص ١٠٦- ١١٢.
[ ١٩٩ ]
(ت ٢٥٦ هـ)، والإمام مسلم بن الحجاج القشيري (ت ٢٦١هـ)، وأبو داود السجستاني (ت ٢٧٥هـ)، ومحمد بن عيسى الترمذي (ت ٢٧٨هـ)، وأحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣هـ)، ومحمد بن يزيد بن ماجه (ت ٢٧٣هـ)، وأحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ)، وغيرهم.
ومن الفقهاء أبو سليمان داود بن علي الظاهري (ت ٢٧٠هـ)، وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ)، ومحمد بن إبراهيم بن المنذر (ت ٣١٨هـ) وغيرهم.
ومن المؤرخين الزبير بن بكار (ت ٢٥٦هـ)، وعمر بن شبه (ت ٢٦٢هـ)، واليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب (ت ٢٧٨هـ)، والبلاذري أحمد بن يحيى (ت ٢٧٩هـ) .
ومن اللغويين: المفضل بن سلمة الضبي (ت ٢٥٠هـ)، وأبو عمرو الهروي (ت ٢٥٥هـ)، وأبو حاتم السجستاني (ت ٢٥٥هـ)، وأبو العباس ابن المبرد (ت ٢٨٥هـ)، وأبو حنيفة الدينوري (ت ٢٨٢هـ) وغيرهم.
ومن النحاة: أبو العباس المازني (ت ٢٤٩هـ)، وأبو العباس ثعلب (ت ٢٩١هـ)، وابن كيسان محمد بن أحمد (ت ٢٩٩هـ) وغيرهم.
هذا بالإضافة إلى فتح العباسيين الأبواب على مصارعها لكل الثقافات الوافدة على الفكر الإسلامي آنذاك، وذلك عن طريق ترجمة الكتب الفارسية، واليونانية، والهندية، والسريانية، إلى غير ذلك من الكتب التي تتحدث عن ألوان الثقافات المعاصرة في ذلك الوقت، وقد أولى المأمون هذا الجانب اهتماما كبيرا، فأصبح للترجمة في هذا
[ ٢٠٠ ]
العصر شأن وأي شأن١، وحسبك دليلا على ذلك ما كان من "حنين بن إسحاق" الذي كان يأخذ من المأمون ذهبا بوزن كل كتاب ينجز ترجمته٢.
وقد كان لهذه الترجمة آثار سلبية على المجتمع الإسلامي، من فساد في العقيدة، وانحلال في المجتمع، بما أتت من فلسفات بعيدة عن منهج الإسلام، الأمر الذي أحدث بلبلة فكرية، وأنشأ طوائف زائغة عن العقيدة الإسلامية الصحيحة، ومن تلك الطوائف طائفة المعتزلة التي ابتلت الأمة حينذاك بسببها بمحنة خلق القرآن في سنة ٢١٨ هـ.
وقد أدى انتشار تلك الفلسفات وتأثيرها على عقائد المسلمين ردة فعل من قبل علماء السلف، الذين نهضوا لخدمة الكتاب والسنة، والدفاع عن العقيدة الصحيحة، فاخترعوا علوم القرآن، لخدمة القرآن ودونوا علوم الحديث لخدمة السنة المطهرة، كما قاوموا حركة الوضع في الحديث والطعن فيه، ودافعوا عن العقيدة الصحيحة، فألفوا كتبا كثيرة في التوحيد، والسنة، والرد على المخالفين من المعتزلة، والجهمية، والروافض، كما نشطوا في تدوين الفقه وأصوله، وتركوا ثروة علمية ضخمة تدل على رفعة العلم وانتشار الثقافة في زمانهم.
_________________
(١) ١ انظر: "العصر العباسي الأول": ص ١١٠- ١١٤. ٢ "الأعلام" للزركلي: (٢/ ٣٢٥) .
[ ٢٠١ ]