إن كون عرش الرحمن له حملة يحملونه هو أمر ثابت في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر حملة العرش في موضعين من القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْما فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ .
فالآيتان تدلان على أن لعرش الله حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾: يوجب أن لله عرشا يحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية، فإن الملك هو مجموع الخلق، فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه، يحملون عرشه، وآخرون يكونون حوله، وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية"١.
وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار الدالة على أن لعرش الرحمن حملة من الملائكة يحملونه:
_________________
(١) ١ "نقض التأسيس": (١/ ٥٧٥) .
[ ٩٧ ]
فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله سكت: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" ١.
وكذلك ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش".
والقول بان حملة العرش هم من الملائكة هو قول السلف، الذين يثبتون العرش على أنه جسم عظيم خلقه الله فوق العالم، وأن الله استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وهذا ما جاء به القرآن والسنة، وأجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم.
وأما الذين أنكروا استواء الله على عرشه وقالوا: إن استوى بمعنى: استولى، وأن المراد بالعرش: الملك، فإنهم أنكروا- أيضا- كون حملة العرش هم من الملائكة فقالوا: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾، ﴿وَيَحْمِلُ﴾ بالجذب ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ ملك ربك للأرض والسموات، ﴿فَوْقَهُمْ﴾، أي: فوق الملائكة الذين هم على أرجائها يوم القيامة، ﴿ثَمانِيَةٌ﴾، أي: السموات السبع والأرض٢، وقيل المراد بالثمانية: السموات والكرسي٣.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٤. ٢ "تفسير القاسمي"، سورة الحاقة، الآية ١٧: (١٦/ ٥٩١٥) . ٣ "الفصل": (٢/١٢٦) .
[ ٩٨ ]
فقد أولوا هذه الآية، كما أولوا آيات الاستواء التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن﵎-.
وأما الصنف الآخر الذين زعموا أن العرش المذكور في الآيات المراد به: الفلك التاسع، وهم الفلاسفة، فهم يقولون: إن المراد بالحملة الثمانية في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ الثمانية أفلاك التي تحت الفلك المحيط، أو ما يسمونه الفلك التاسع١، وقد تقدم الرد على كلا الفريقين أثناء الكلام على الأقوال في العرش.
فمما تقدم تقرر أن لعرش الله حملة من الملائكة يحملونه بقدرة الله، وقد أخبرنا الله- تعالى- أنهم يوم القيامة ثمانية، ولكن اختلف في هؤلاء الثمانية هل هم ثمانية أملاك، أم ثمانية أصناف، أم صفوف، وهل هم اليوم ثمانية، أم أقل، على عدة أقوال:
القول الأول:
أن المراد بالثمانية: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهم إلا الله، وهذا القول مروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾، قال: "ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهم إلا الله "٢، وهو- أيضا- مروي عن سعيد بن جبير٣،
_________________
(١) ١ "تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات" "رسالة النبوات": ص ٨٧. ٢ سيأتي تخريجه في التحقيق تحت رقم ٣٣. ٣ انظر الأثر الوارد عنه في قسم التحقيق تحت رقم ٣٢.
[ ٩٩ ]
والشعبي، وعكرمة، والضحاك، وابن جريج١.
القول الثاني:
أن المراد بالثمانية: أنهم ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، وهذا القول مروي عن ابن عباس٢، وقال به مقاتل٣، والكلبي٤.
القول الثالث:
أن حملة العرش هم اليوم ويوم القيامة ثمانية من الملائكة.
ويستدل لهذا القول بحديث العباس بن عبد المطلب الذي جاء فيه: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش".
فالحديث يدل على أن حملة العرش هم اليوم ثمانية.
وروي عن العباس بن عبد المطلب﵁- في قوله تعالى:: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾، قال: "ثمانية أملاك في صورة الأوعال، بين أظلافهم وركبهم مسيرة ثلاث وستين أو خمس وستين سنة"٥.
_________________
(١) ١ "تفسير ابن كثير": (١/ ٤١٤) . ٢ سيأتي تخريجه في قسم التحقيق تحت رقم ٢٧. ٣ "زاد المسير": (٨/ ٣٥١) . ٤ "فتح القدير": (٥/ ٢٨٢) . ٥ سيأتي تخريجه في التحقيق تحت رقم ٢٨.
[ ١٠٠ ]
وكذلك ما روي عن عبد الله بن عمر﵄- أنه قال: "حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخرة عينه مسيرة مائة عام"١.
وعن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾، قال: ثمانية من الملائكة٢.
وعن شهر بن حوشب قال: "حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك"٣.
القول الرابع:
أن حملة العرش اليوم أربعة من الملائكة، ويوم القيامة ثمانية، وهذا القول رجحه ابن كثير٤، وابن الجوزي٥، وقال: هو قول الجمهور"٦.
ويستدل لهذا القول بعدة أدلة منها: ما رواه الطبري بسنده عن
_________________
(١) ١ ذكره ابن كثير في "تفسيره" عن ابن أبي حاتم: (٤/ ٤١٤) . ٢ سيأتي تخريجه في قسم التحقيق تحت رقم ٣١. ٣ سيأتي تخريجه في قسم التحقيق تحت رقم ٢٤. ٤ "تفسير ابن كثير": (٤/ ٧١) . ٥ "زاد المسير": (٧/ ٢٠٨) . ٦ "زاد المسير": (٨/ ٣٥٠) .
[ ١٠١ ]
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ: "يحمله اليوم أربعة، ويوم القيامة ثمانية" ١.
وروى الطبري- أيضا- بسنده عن ابن إسحاق قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "هم اليوم أربعة"، يعني: حملة العرش، "وإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية" ٢.
واستدلوا- أيضا- بما جاء عن ابن عباس﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: "صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره فقال:
رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال النبي ﷺ: "صدق" ٣.
واستدلوا- أيضا- بما جاء في حديث الصور المشهور، فقد جاء فيه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسموات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم"٤.
_________________
(١) ١ رواه الطبري في رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن رسول الله ﷺ وهو خبر مقطوع: (٢٩/ ٥٩)، وإسناده ضعيف. ٢ انظر: "تفسير الطبري"، سورة الحاقة: (٢٩/٥٩) . ٣ أخرجه الإمام أحمد في "مسنده": (١/ ٢٥٦)، والدارمي في "سننه"، كتاب الاستئذان: (٢/ ٢٩٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات": ص ٤٥٣. وأورده ابن كثير في "النهاية": (١/ ١٢)، وقال: "حديث صحيح الإسناد، ورجاله ثقات، وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة". ٤ أخرجه ابن جرير في "تفسيره": (٢٤/ ٣٠) . وأورده ابن كثير في "النهاية": (١/ ١٧٢، ١٧٦)، وعزاه للحافظ أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، وقال: رواه جماعة من الأئمة في كتبهم كابن جرير في "تفسيره"، والطبراني في "المطولات" وغيرها، والحافظ البيهقي في كتاب "البعث والنشور"، والحافظ أبي موسى المديني في "المطولات" - أيضا - من طرق متعددة عن إسماعيل بن رافع قاص المدينة، وقد تكلم فيه بسببه، وفي بعض سياقاته نكارة واختلاف.
[ ١٠٢ ]
ولعل هذا القول هو الأقرب إلى الصواب، ولكن ليس هناك نص صريح ثابت عن النبي ﷺ في المسألة. و. الله أعلم.
[ ١٠٣ ]