[٢٤] أَخْبَرَنَا أَبُو الْخَطَّابِ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ البَطِر١ الْقَارِئُ يَوْمَ الأَحَدِ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الأُولَى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة بقراءة الروندشتي، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا البَيِّع٢ قِرَاءَةً قَالَ: نا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ الله الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ إِمْلاءً، نا حفص بن عمرو الرَّبَّالي٣، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ إسماعيل، عَنْ قيس، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه سلم- قَالَ: "أُنْزِلَ عليَّ آيَاتٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ -إِلَى آخِرِ السُّورَةِ- وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ.
[٢٥] وَبِهِ حدثنا المحاملي، ثنا سَلْم بْنُ جُنَادَةَ، نا حَفْصٌ، عن الأعمش،
_________________
(١) م "١/ ٥٥٨" "٦" كتاب صلاة المسافرين وقصرها - "٤٦" باب فضل قراءة المعوذتين - من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نمير، عن أبيه، عَنْ إِسْمَاعِيلَ "بْنِ أَبِي خَالِدٍ" به. رقم "٢٦٥/ ٨١٤". ت "٥/ ١٧٠" "٤٦" كتاب فضائل القرآن - "١٢" باب ما جاء في المعوذتين - من طريق محمد بن بشار، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إسماعيل بن أبي خالد به. رقم "٢٩٠٢". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقيس هو ابن أبي حازم البجلي. ١ له ترجمة في سير أعلام النبلاء "١٩/ ٤٦". وقد سبقت له ترجمة في هوامش مقدمة التحقيق. ٢ له ترجمة في تاريخ بغداد "١٠/ ٣٩". قال الخطيب: وكان ثقة، وتوفي سنة ثمان وأربعمائة، وعنده سبع وثمانون سنة "انظر شذرات الذهب ٣/ ١٨٧". ٣ له ترجمة في تاريخ بغداد "٨/ ٢٠٤". ونقل الخطيب عن ابن أبي حاتم أنه صدوق، وقال الدارقطني: ثقة مأمون، مات سنة ٢٥٨.
(٢) م "٤/ ٢٠٠٣، ٢٠٠٤" "٤٥" كتاب البر والصلة والآداب - "٢٣" باب فضل الرفق - من طريق محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن تميم بن سلمة به. رقم "٧٤/ ٢٥٩٢". ومن طريق وكيع وغيره، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة به. رقم "٧٤/ ٢٥٩٢". =
[ ٦٢ ]
عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يُحْرَم الرِّفْقَ يُحرم الْخَيْرَ".
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
[٢٦] وَبِهِ نا الْمَحَامِلِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: إِنِّي لأَضْرِبُ غُلامًا لِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: "اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ". قَالَ: فَجَعَلْتُ لا أَلْتَفِتُ إِلَيْهِ مِنَ الْغَضَبِ، حَتَّى غَشِيَنِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَقَعَ السَّوْطُ مِنْ يَدِي مِنْ هَيْبَتِهِ.
فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاللَّهِ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ منك من هذا".
_________________
(١) = وقد ورد عن عائشة أحاديث صحيحة رواها مسلم في هذا الباب؛ منها: قوله ﷺ: "ياعائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه". ومنها: قوله ﷺ: "إِنَّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه". وفي رواية لهذا الحديث: ركبت عائشة بعيرًا فكانت فيه صعوبة فجعلت تردده، فقال لها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عليك بالرفق". والرفق: هو لين الجانب، وهو خلاف العنف، وهو اللطف أيضًا.
(٢) م "٣/ ١٢٨٠، ١٢٨١" "٢٧" كتاب الإيمان - "٨" باب صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده - من طريق أبي كامل الجحدري، عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش نحوه. ومن طريق إسحاق بن إبراهيم، عن جرير به. ومن طريق أبي معاوية عن الأعمش، وفيها زيادة: فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله، "أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار". ت "٤/ ٣٣٥" "٢٨" كتاب البر والصلة - "٣٠" باب النهي عن ضرب الخدم وشتمهم - من طريق محمود بن غيلان، عن مؤمل، عن سفيان، عن الأعمش به. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وإبراهيم التيمي: إبراهيم بن زيد بن شريك. أمالي المحاملي "٣٨٣" عن يوسف بن موسى به. هذا، وقد رُوي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- قال: "من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه" "مسلم ٣/ ١٢٧٨ في الكتاب والباب السابقين".
[ ٦٣ ]
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا أَضْرِبُ غُلامًا لِي أَبَدًا.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ إبراهيم، وعن أَبِيهِ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُود عقبة بْن عَمْرو.
[٢٧] وَبِهِ ثنا الْمَحَامِلِيُّ، ثنا يُوسُفُ، ثنا جرير بن هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلا فِي الإِسْلامِ لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ.
قَالَ: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثم استقم" ١.
_________________
(١) م "١/ ٦٥" "١" كتاب الإيمان - "٣" باب جامع أوصاف الإيمان - من طريق ابن نمير وجرير وأبي أسامة عن هشام بن عروة به. أمالي المحاملي "٣٥٣" من طريق يوسف بن موسى به. ١ قال ابن رجب في شرح هذا الحديث: هذا الحديث خرجه مسلم من رواية هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عن سفيان، وسفيان هو ابن عبد الله الثقفي الطائفي له صحبة، وكان عاملًا لعمر بن الخطاب على الطائف، وقد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أخر بزيادات؛ فخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من رواية الزهري عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، وعند الترمذي من رواية عبد الرحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، قال: "قل: ربي الله ثم استقم"، قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هذا". وقال الترمذي: حسن صحيح. وخرجه الإمام أحمد والنسائي من رواية عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه: أن رجلًا قال: يا رسول الله، مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه. وقال سفيان بن عبد الله للنبي ﷺ: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، طلب منه أن يعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره، فقال له النبي ﷺ: "قل: آمنت بالله ثم استقم"، وفي الرواية الأخرى: "قل: ربي الله ثم استقم". هذا متنزع من قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وخرج النسائي في تفيسره من رواية سهيل بن أبي حزم: حدثنا ثابت عن أنس: أن النبي -ﷺ- قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فقال: "قد قالها الناس، ثم كفروا، فمن مات عليها فهو من أهل الاستقامة". وخرجه الترمذي ولفظه: فقال: "قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام" وقال: حسن غريب، وسهيل تُكلم فيه من قبل حفظه. =
[ ٦٤ ]
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحِ لِسُفْيَانَ هَذَا غيره.
_________________
(١) = وقال أبو بكر الصديق في تفسير ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: لم يشركوا بالله شيئًا. وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره، وعنه قال: ثم استقاموا على أن الله ربهم. وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: نص آية في كتاب الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله. ورُوي نحوه عن أنس ومجاهد والأسود بن هلال وزيد بن أسلم والسدي وعكرمة وغيرهم. ورُوي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فقال: لم يروغوا روغان الثعلب. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: استقاموا على أداء فرائضه. وعن أبي عالية قال: ثم أخلصوا له الدين والعمل. وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة. ولعل من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد، إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرِّم صاحبه على النار؛ وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية إجلالًا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلًا ودعاء، والمعاصي قادحة كلها في هذا التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان، قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ . قال الحسن وغيره: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه، فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد. وأما على رواية من روى: "قل: آمنت بالله" فالمعنى أظهر؛ لأن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث، وقال الله ﷿: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فأمره أن يستقيم ومَن تاب معه، وألا يجاوزوا ما أمروا به وهو الطغيان، وأخبر أنه بصير بأعمالكم مطلع عليها، قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ . وقال قتادة: أمر محمد -ﷺ- أن يستقيم على أمر الله. وقال الثوري: على القرآن. وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية شمر رسول الله -صلى الله عليه سلم- فما رؤي ضاحكًا. خرجه ابن أبي حاتم. وذكر القشيري عن بعضهم: أنه رأى النبي -صلى الله عليه سلم- في المنام، فقال له: يا رسول الله، قلتَ: "شيبتني هود وأخواتها"، فما شيبك منهما؟ قال قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ . وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ . وقد أمر الله تعالى بإقامة الدين عمومًا، كما قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ . وأمر بإقامة الصلاة في غير موضع من كتابه، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تينك الآيتين، والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمينة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها. وفي قوله ﷿: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ إشارة إلى أنه لا بد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيجبر ذلك الاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول =
[ ٦٥ ]
[٢٨] وبه ثنا المحاملي، ثنا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ، نا سُفْيَانُ بن عُيينة، سمع
_________________
(١) = النَّبِيُّ -ﷺ- أن الناس لن يستطيعوا الاستقامة حق الاستقامة. كما خرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي -ﷺ- قال: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". وفي رواية الإمام أحمد ﵀: "سددوا وقاربوا ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". وفي الصحيحين عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "سددوا وقاربوا" فالسداد: هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد كالذي يرمي إلى غرض فيصيبه. وقد أمر النبي -ﷺ- عليًّا أن يسأل الله -﷿- السداد والهدى، وقال له: "اذكر بالسداد تسديدك السهم، وبالهدى هدايتك الطريق". والمقاربة أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه؛ ولكن بشرط أن يكون مصممًا على قصد السداد وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عمد، ويدل عليه قول النبي -ﷺ- في حديث الحكم بن حزم الكلبي: "أيها الناس، إنكم لن تعملوا ولن تطيقوا كل ما أمرتكم؛ ولكن سددوا وأبشروا" والمعنى: اقصدوا التسديد والإصابة والاستقامة؛ فإنهم لو سددوا في العمل كله لكانوا قد فعلوا ما أمروا به كله. فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصديق وغيره قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه استقامت الجوارح كلها على طاعته؛ فإن القلب هو ملِك الأعضاء وهي جنوده، فإذا استقام الملِك استقامت جنوده رعاياه، وكذلك فسر قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ بإخلاص القصد لله وإرادته لا شريك له. وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان؛ فإنه ترجمان القلب والمعبِّر عنه؛ ولهذا لما أمر النبي -ﷺ- بالاستقامة وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه؛ ففي مسند الإمام أحمد عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه". وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد مرفوعًا وموقوفًا: "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تفكر اللسان فتقول: اتقِ الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن أعوججت أعوججنا". "جامع العلوم والحكم ٢٤٦-٢٤٩".
(٢) د "٢/ ٤٩٦" "٥" كتاب المناسك - "٦٣" باب موضع الوقوف بعرفة - من طريق ابن نفيل، عن سفيان به. رقم ١٩١٩. ت "٣/ ٢٢١" "٧" كتاب الحج "٥٣" باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء بها - من طريق قتيبة عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار به. قال الترمذي: وفي الباب عن علي وعائشة وجبير بن مطعم والشريد بن سويد الثقفي. قال: حديث ابن مربع الأنصاري حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، وابن مربع اسمه يزيد بن مربع الأنصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد. وقد روى البخاري وغيره عن عائشة ما يُفسِّر هذا الحديث: قالت: كانت قريش ومن كان على دينها وهم الحُمُس يقفون بالمزدلفة، يقولون: نحن قطين الله، وكان من سواهم يقفون بعرفة، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ . خ "٢٥" كتاب الحج - "٩١" باب الوقوف بعرفة. م "١٥" كتاب الحج رقم "١٥١". وبيَّن الترمذي معنى الحديثين فقال: معنى هذا الحديث أن أهل مكة كانوا لا يخرجون من الحرم، وعرفة خارج من الحرم، وأهل مكة كانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن قطين الله؛ يعني: سكان الله، ومن سوى أهل مكة كانوا يقفون بعرفات؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، والحُمُس: هم أهل الحرم. "السنن ٣/ ٢٢٢".
[ ٦٦ ]
عمرٌو عَمْرَو١ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزَيْدِ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا بِعَرَفَةَ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنَ الْمَوْقِفِ يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو، فَأَتَانَا ابْنُ مِرْبَع الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْكُمْ، يَقُولُ: "كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ ٢ هَذِهِ؛ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ ﵇"٣.
_________________
(١) ١ في الأصل: "عمرو بن عمرو" وهو خطأ، وما أثبتناه من كتب التخريج ومن "ب". ٢ المشاعر: المعالم، وأصله من قولك: شعرت بالشيء: أي علمته، وليت شعري ما فعل فلان: أي ليت علمي بلغه وأحاط به. ٣ بيَّن الخطابي معنى الحديث وسببه فقال: يريد ﷺ قفوا بعرفة خارج الحرم؛ فإن إبراهيم هو الذي جعلها مَشْعَرًا موقفًا للحاج، وكان عامة العرب يقفون بعرفة، وكانت قريش من بينها تقف داخل الحرم، وهم الذين كانوا يسمون أنفسهم الحُمُس، وهم أهل الصلابة والشدة في الدين والتمسك به، والحماسة: الشدة، يقال: رجل أحمس، وقوم حمس. وكانوا يزعمون ألا نخرج من الحرم ولا نخليه، فرد رسول الله -ﷺ- ذلك من فعلهم وأعلمهم أنه شيء قد أحدثوه من قبل أنفسهم، وأن الذي أورث إبراهيم من سنته هو الوقوف بعرفة. واختلفوا فيمن وقف من عرفة ببطن عرنة؟ فقال الشافعي: لا يجزئه حجه، وقال مالك: حجه صحيح وعليه دم "معالم السنن ١/ ١٧٣، ١٧٤".
[ ٦٧ ]