[١٨] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بن محمد بن طلحة
_________________
(١) خ "٢/ ٣٥١" "٥٦" كتاب الجهاد والسير - "١١٩" باب الجعائل والحملان في السبيل - من طريق مسدد، عن يحيى بن سعيد نحوه. رقم "٢٩٧٢". م "٣/ ١٤٩٧" "٣٣" كتاب الإمارة - "٢٨" باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله - من طريق محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، وعن ابن أبي عمر، عن مروان بن معاوية، عن يحيى بن سعيد به. رقم "١٠٦/ ١٨٧٦". =
[ ٥٠ ]
النِّعَالِيُّ١ قِرَاءَةً، أنبا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْدِيٍّ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وأربعمائة، ثنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ٢ إِمْلاءً يَوْمَ الأَحَدِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الأُولَى مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وعشرين وثلاثمائة، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، ثنا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَحْبَبْتُ أَلا أَتَخَلَّفَ خَلْفَ سَرِيَّة تخرج في سبيل الل هـ -﷿- وَلَكِنْ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلا يَجِدُونَ مَا يَتَحَمَّلُونَ عَلَيْهِ، وَيَشَقُّ عليَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي، ووَدِدْت أَنِي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فأُقتل، ثُمَّ أَحْيَا فأُقتل، ثُمَّ أَحْيَا فأُقتل".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حديث يحيى.
_________________
(١) = هذا وقد رواه قاضي القضاة ابن جماعة من طريق شهدة بهذا السند المذكور، ثم قال: هذا حديث صحيح من حديث أبي سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني القاضي عن أبي صالح ذكوان السمان الزيات. أخرجه البخاري عن مسدد، عن يحيى بن سعيد القطان، وأخرجه مسلم عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، وعن أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عن أبي معاوية الضرير، وأخرجه النسائي عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك، كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ووقع لنا عاليًا "مشيخة قاضي القضاة ١/ ١٨٣، ١٨٤". قال النووي: في هذا الحديث الحض على حسن النية، وبيان شدة شفقة النَّبِيُّ -ﷺ- على أمته ورأفته بهم واستحباب طلب القتل في سبيل الله، وجواز قول: وددت حصول كذا من الخير وإن علم أنه لا يحصل. وفيه ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة أو أرجح أو لدفع مفسدة، وفيه جواز تمني ما يمتنع في العادة، والسعي في إزال المكروه عن المسلمين، وفيه أن الجهاد على الكفاية؛ إذ لو كان على الأعيان ما تخلف عنه أحد. "فتح الباري" "٦/ ٢١". ١ ذكره الحافظ السلفي في كتابه الوجيز "ص٧٤، ٧٥" على أنه ممن أجازوا له. قال: أجاز لي جميع ما يرويه سنة إحدى وتسعين وقبلها أيضًا وتوفي في صفر سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. وترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء "١٩/ ١٠١، ١٠٣". ٢ انظر ترجمة موسعة في مقدمة كتاب أمالي المحاملي، وولد في سنة ٢٣٥، وتوفي سنة ٣٣٠. من ص"١٦-٢٩".
[ ٥١ ]
[١٩] وَبِهِ ثنا الْمَحَامِلِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، ثنا مَالِكٌ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوْسَطِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ فَقَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ ١ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنسيتُها، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْر".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فوَكَف، فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ٢ وَالطِّينِ، من صبيحة إحدى وعشرين.
_________________
(١) خ "٢/ ٦٣" "٣٢" كتاب فضل ليلة القدر - "٣" باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر - من طريق إبراهيم بن حمزة، عن ابن أبي حازم والدراوردي، عن يزيد، عن محمد بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ به. رقم "٢٠١٨". م "٢/ ٨٤٢" "١٣" كتاب الصيام" - "٤٠" باب فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها - من طريق قتيبة بن سعيد، عن بكر، عن ابن الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن به. رقم "٢١٣/ ١١٦٧". ١ كذا في الأصل، وفي "ب": أريت. ٢ قال الإمام البغوي في شرح السنة: فيه دليل على وجوب السجود على الجبهة، ولولا ذلك لصانها عن الطين. وفيه: استحباب ترك النفض بما علق بجبهته من الأرض في السجود. وفيه: أن ما رآه في النوم فقد يكون تأويله أن يرى مثله في اليقظة. وقال الترمذي: وأكثر الرويات عن النبي -ﷺ- أنه قال: "التمسوها في العشر الأواخر من كل وتر". ورُوي عن النبي -ﷺ- في ليلة القدر: "أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان". قال أبو عيسى: قال الشافعي: كأن هذا عندي -والله أعلم- أن النبي -ﷺ- كان يجيب على ما يُسأل عنه. يقال له: نلتمسها في ليلة كذا، فيقول: "التمسوها في ليلة كذا". قال الشافعي: وأقوى الروايات عندي فيها ليلة إحدى وعشرين. قال أبو عيسى: وقد رُوي عن أبي بن كعب أنه كان يحلف أنها ليلة سبع وعشرين، ويقول: أخبرنا رسول الله -ﷺ- بعلامتها، فعددنا وحفظنا. ورُوي عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر، حدثنا بذلك عبد بن حميد. أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة بهذا. السنن "٣/ ١٥٠".
[ ٥٢ ]
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
[٢٠] وَبِهِ نا الْمَحَامِلِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ نا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ١ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَلا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ -أَوْ نَقُومَ- بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا، لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ٢، ٣.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حديث الوليد.
_________________
(١) الموطأ "٢/ ٤٤٥" "٢١" كتاب الجهاد - "١" باب الترغيب في الجهاد - من طريق يحيى بن سعيد به. رقم "١٠". خ "٤/ ٣٤٣" "٩٣" كتاب الأحكام - "٤٣" باب كيف يبايع الإمام الناس - من طريق إسماعيل، عن مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ به. رقم "٧١٩٩، ٧٢٠٠". م "٣/ ١٤٧٠" "٣٣" كتاب الإمارة - "٨" باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية - من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عن عبد الله بن إدريس، عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر، عن عبادة بن الوليد بن عبادة به. رقم "٤١/ ١٧٠٩". وفي بعض روايات الحديث: "وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان". ومعناه: كفرًا ظاهرًا، والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومعنى عندكم من الله فيه برهان: أي تعلمونه من دين الله تعالى. ١ قوله: "بايعنا على السمع" المراد بالمبايعة: المعاهدة، وهي مأخوذة من البيع؛ لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله تعالى من عظيم الجزاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية. "شرح مسلم ١٢/ ٤٧١". ٢ قوله: "أن نقول أو نقوم بالحق حيث ما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم" معناه: نأمر =
[ ٥٣ ]
[٢١] وَبِهِ حَدَّثَنَا الْمَحَامِلِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، ثنا مَالِكٌ بن
_________________
(١) = بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان الكبار والصغار لا نداهن فيه أحدًا، ولا نخافه ففيه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع العلماء على أنه فرض كفاية، فإن خاف من ذلك على نفسه أو ماله أو على غيره سقط الإنكار بيده ولسانه، ووجبت كراهته بقلبه، هذا مذهبنا ومذهب الجماهير، وحكى القاضي هنا عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقًا في هذه الحالة وغيرها. شرح مسلم للنووي "١٢/ ٤٧١، ٤٧٢". ٣ ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم؛ إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم. وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق. وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة أيضًا -فغلط من قائله مخالف للإجماع. قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه. قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها. قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة. قال: وقال بعض البصريين: تنعقد له وتستدام له؛ لأنه متأول. قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسطقت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه. قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداء فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك؛ بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك. قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: "ألا ننازع الأمر أهله" في أئمة العدل. وحجة الجمهور: أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق؛ بل لما غير من الشرع وظاهر من الكفر. قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أولًا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم. والله أعلم. "شرح النووي على مسلم ١٢/ ٤٦٩، ٤٧٠".
(٢) الموطأ "٢/ ٤٦٤" "٢١" كتاب الجهاد - "١٨" باب الترغيب في الجهاد - من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس به. رقم "٣٩". خ "٢/ ٣٠٣" "٥٦" كتاب الجهاد - "٣" باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء من طريق عبد الله بن يوسف، عن مالك به. "رقم ٢٧٨٨، وأطرافه في: ٢٧٩٩، ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٢٦٨٢، ٧٠٠١". "رقم ٢٧٨٩، وأطرافه في: ٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٢٩٢٤، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢". م "٣/ ١٥١٨" "٣٣" كتاب الإمارة - "٤٩" باب فضل الغزو في البحر - من طريق يحيى بن ييحيى، عن مالك بن. رقم "١٦٠/ ١٩١٢".
[ ٥٤ ]
أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فتُطعمه، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تُفلي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرضوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ الْبَحْرِ ١ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّة، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ" يَشُكُّ أَيُّهُمَا قَالَ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ ﷿ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ -ﷺ- فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ " كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: ادعُ اللَّهَ ﷿ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: "أنتِ مِنَ الأوَّلين".
فركبت أم حرام بن ملحان البحر زَمَنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فصُرعت عند دَابَّتِهَا٢، حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فهلكت٣.
_________________
(١) ١ "ثبج البحر" قيل: وسطه، وقيل: ظهره، وقيل: متنه. ٢ في "ب": فصرعت بها راحلتها. ٣ قال ابن حجر في فتح الباري "١١/ ٧٩-٨١": وفي الحديث من الفوائد: الترغيب في الجهاد والحض عليه، وبيان فضيلة المجاهد، وفيه جواز ركوب البحر الملح للغزو، وقد تقدم بيان الاختلاف فيه، وأن عمر كان يمنع منه وأذن فيه عثمان، قال أبو بكر بن العربي: ثم منع منه عمر بن عبد العزيز، ثم أذن فيه من بعده واستقر الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع ركوبه لغير الحج والعمرة ونحو ذلك، ونقل ابن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقًا، وكره مالك ركوب النساء مطلقًا الْبَحْرِ =
[ ٥٥ ]
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مالك.
_________________
(١) = لما يخشى من اطلاعهن على عورات الرجال فيه؛ إذ يتعسر الاحتراز من ذلك، وخص أصحابه ذلك بالسفن الصغار، وأما الكبار التي يمكنهن فيهن الاستتار بأماكن تخصهن فلا حرج فيه. وفي الحديث: جواز تمني الشهادة، وأن من يموت غازيًا يلحق بمن يقتل في الغزو، كذا قال ابن عبد البر وهو ظاهر القصة؛ لكن لا يلزم من الاستواء في أصل الفضل الاستواء في الدرجات، وقد ذكرت في "باب الشهداء" من كتاب الجهاد كثيرًا ممن يطلق عليه شهيد وإن لم يقتل. وفيه مشروعية القائلة لما فيه من الإعانة على قيام الليل، وجواز إخراج ما يؤذي البدن من قمل ونحوه عنه، ومشروعية الجهاد مع كل إمام لتضمنه الثناء على مَن غزا مدينة قيصر، وكان أمير تلك الغزوة يزيد بن معاوية ويزيد يزيد، وثبوت فضل الغازي إذا صلحت نيته. وقال بعض الشراح: فيه فضل المجاهدين إلى يوم القيامة؛ لقوله فيه: "ولست من الآخرين"، ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة. والذي يظهر أن المراد بالآخرين في الحديث الفرقة الثانية، نعم يأخذ منه فضل المجاهدين في الجملة لا خصوص الفضل الوارد في حق المذكورين. وفيه ضروب من أخبار النبي -ﷺ- بما سيقع فوقع كما قال، وذلك معدود من علامات نبوته؛ منها: إعلامه ببقاء أمته بعده وأن فيهم أصحاب قوة وشوكة ونكاية في العدو، وأنهم يتمكنون من البلاد حتى يغزوا البحر، وأن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان، وأنها تكون مع من يغزو البحر، وأنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية. وفيه جواز الفرح بما يحدث من النعم، والضحك عند حصول السرور لضحكه -ﷺ- إعجابًا بما رأى من امتثال أمته أمره لهم بجهاد العدو، وما أثابهم الله تعالى على ذلك، وما ورد في بعض طرقه بلفظ التعجب محمول على ذلك. وفيه جواز قائلة الضيف في غير بيته بشرطه كالإذن وأمن الفتنة، وجواز خدمة المرأة الأجنبية للضيف بإطعامه والتمهيد له ونحو ذلك، وإباحة ما قدمته المرأة للضيف من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن الذي في بيت المرأة من مال الرجل، كذا قال ابن بطال؛ قال: وفيه أن الوكيل والمؤتمن إذا علم أنه يسر صاحبه ما يفعله من ذلك جاز له فعله، ولا شك أن عبادة كان يسره أكل رسول الله -ﷺ- مما قدمته امرأته ولو كان بغير إذن خاص منه. وتعقبه القرطبي بأن عبادة حينئذ لم يكن زوجها كما تقدم. قلت: لكن ليس في الحديث ما ينفي أنها كانت حينئذ ذات زوج، إلا أن في كلام ابن سعد ما يقتضي أنها كانت حينئذ عزبًا. وفيه خدمة المرأة الضيف بتفلية رأسه، وقد أشكل هذا على جماعة؛ فقال ابن عبد البر: أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله -ﷺ- أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة؛ فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزين قال: إنما استجاز رسول الله -ﷺ- أن تفلي أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته؛ لأن أم عبد المطلب جده كانت من بني النجار. ومن طريق يونس بن عبد الأعلى قال: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات النبي -ﷺ- من الرضاعة؛ فلذلك كان يقيل عندها ينام في حجرها وتفلي رأسه. قال ابن عبد البر: وأيهما كان فهي محرم له. وجزم أبو القاسم بن الجوهري والداودي والمهلب فيما حكاه ابن بطال عنه بما قال ابن وهب قال: وقال غيره: إنما كانت خالة لأبيه أو جده عبد المطلب =
[ ٥٦ ]
[٢٢] وَبِهِ ثنا الْمَحَامِلِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بن إسماعيل، ثنا مالك، عن ابن
_________________
(١) = وقال ابن الجوزي: سمعت بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله -ﷺ- من الرضاعة. وحكى ابن العربي ما قال ابن وهب، ثم قال: وقال غيره: بل كان ﷺ معصومًا يملك أربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه، وهو المبرأ عن كل فعل وقول رفث، فيكون ذلك من خصائصه. ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب جزمًا، وقد قدمت في أول الكلام على شرحه أن ذلك كان بعد حجة الوداع، ورد عياض الأول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مسلم؛ لكن الأصل عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل. وبالغ الدمياطي في الرد على مَن ادعى المحرمية فقال: ذهل كل مَن زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي -ﷺ- من الرضاعة أو من النسب، وكل من أثبت لها خئولة تقتضي محرمية؛ لأن أمهاته من النسب واللاتي أرضعنه معلومات ليس فيهن أحد من الأنصار ألبتة، سوى أم عبد المطلب وهي سلمة بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وأم حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور، فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا في عامر بن غنم جدهما الأعلى، وهذه خئولة لا تثبت بها محرمية؛ لأنها خئولة مجازية، وهي كقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "هذا خالي"؛ لكونه من بني زهرة وهم أقارب أمه آمنة، وليس سعد أخًا لآمنة لا من النسب ولا من الرضاعة. ثم قال: وإذا تقرر هذا فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا على أم سليم، فقيل له فقال: "أرحمها قتل أخوها معي" يعني: حرام بن ملحان، وكان قد قتل يوم بئر معونة. قلت: وقد تقدمت قصته في الجهاد في "باب فضل من جهز غازيًا"، وأوضحت هناك وجه الجمع بين ما أفهمه هذا الحصر وبين ما دل عليه حديث الباب في أم حرام بما حاصله أنهما أختان كانا في دار واحدة كل واحدة منهما في بيت من تلك الدار، وحرام بن ملحان أخوهما معًا، فالعلة مشتركة فيهما. وإن ثبتت قصة أم عبد الله بن ملحان التي أشرت إليها قريبًا، فالقول فيها كالقوم في أم حرام، وقد انضاف إلى العلة المذكورة كون أنس خادم النبي -ﷺ- وقد جرت العادة بمخالطة المخدوم خادمه وأهل خادمه ورفع الحشمة التي تقع بين الأجانب عنهم. ثم قال الدمياطي: على أنه ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام، ولعل ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع. قلت: وهو احتمال قوي؛ لكنه لا يدفع الإشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس، وكذا النوم من الحجر، وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الدليل على ذلك واضح. والله أعلم.
(٢) خ "١/ ٧٣" "٤" كتاب الوضوء - "٢٥" باب الاستنثار في الضوء - من طريق عبدان، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري به. رقم "١٦١". م "١/ ٢١٢" "٢" كتاب الطهارة - "٨" باب الإيثار في الاستثنار والاستجمار - من طريق يحيى بن يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب به. رقم "٢٢/ ٢٣٧". هذا قد رواه ابن جماعة عن شهدة بسند هذا الكتاب، ثم قال: هذا الحديث متفق على صحته من حديث أبي إدريس الخولاني، واسمه عائذ الله بن عبد الله. وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى التيمي النيسابوري، عن مالك، وأخرجه النسائي من طرق؛ منها عن هارون بن عبد الله الحمال، عن معن بن عيسى القزاز، عن مالك فوقع لنا عاليا من حديث مالك "مشيخة قاضي القضاة ١/ ١٨٠، ١٨١". وقد رواه الحافظ السلفي في كتابه الوجيز "ص٧٥" عن شيخ شهدة الحسين بن أحمد بن طلحة به. ورواه الذهبي بالسند نفسه هذا "سير ٤/ ٢٧٦" وقال: هذا حديث صحيح عالٍ، أخرجاه في الصحيحين من طرق عن الزهري.
[ ٥٧ ]
شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَن تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ١، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ ٢ فَلْيُوتِرْ" ٣.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِذِ اللَّهِ أَبِي إدريس٤.
_________________
(١) ١ "فليستنثر" الانتثار: هو إخراج الماء بعد الاستنشاق مع ما في الأنف من مخاط وشبهه. ٢ "استجمر" الاستجمار: مسح محل البول أو الغائط بالجمار؛ وهي الأحجار الصغيرة. قال العلماء: يقال: الاستطابة والاستجمار والاستنجاء لتطهير محل البول والغائط، فأما الاستجمار فمختص بالمسح بالأحجار، أما الاستطابة والاستنجاء فيكونان بالماء والأحجار. ٣ "فليوتر" الإيتار: جعل العدد وترًا أي: فردًا. ٤ يمكن تناول معنى هذا الحديث وأحكامه في نقاط:
(٢) استدل به أحمد وأبو ثور على جوب الاستنشاق لظاهر الأمر؛ وهو قول ابن أبي ليلى وإسحاق أيضًا، حكاه الخطابي عنهما. وربما كان من جهة هؤلاء -زيادة على ذلك- أنه لم يحك أحد ممن وصف وضوءه ﵊ على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق. وحمله الجمهور -مالك والشافعي وأهل الكوفة- على الندب؛ لقوله صلى الله عليه سلم للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله"، وليس في الآية التي أمر الله بالوضوء فيها ذكر الاسنشاق. والقرينة الحالية والمقالية في قصة الأعرابي ناطقة صريحًا بأن المراد من قوله: "كما أمرك الله تعالى" الأمر المذكور في آية الوضوء، وليس فيها ما يدل على وجوب الاستنشاق، ولا على المضمضة، فلا حجة لمن يقول: إن معنى "كما أمرك الله" أي: في الكتاب والسنة. ومن حجتهم كذلك: أن العلماء اتفقوا على عدم وجوب الانتثار، مع كونه مأمورًا به، ومعطوفًا على أمره بالاستنشاق؛ لأنه أمر في بعض طرق الحديث بالتثليث فيه، وليس بواجب اتفاقًا، فدل على أن أصل الأمر الندب. وفي دفاع صاحب المفهم القرطبي عن رأي الجمهور قال: يحتمل أن يكون أمره -ﷺ- أمرًا بالوضوء، كما قد جاء مفسرًا في غير رواية مسلم: "فليتوضأ وليستنثر ثلاثًا". =
[ ٥٨ ]
_________________
(١) = ومن حجتهم كذلك أنه لا يُعلم خلاف في أن مَن ترك الاستنشاق لا يعيد، وهذا دليل قوي؛ فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة. كما أنه لا حجة لمن ذهب إلى الوجوب في قوله: إنه لم يحكِ أحدٌ ممن وصف وضوءه ﷺ على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، فكما يقول العيني: فإنه يلزمه أن يقول بوجوب التسمية أيضًا؛ لأنه لم ينقل ترك التسمية فيه، ومع هذا فهو سنة أو مستحبة عن إمام هذا القائل.
(٢) قد يستدل به مَن ذهب إلى أن مشروعية الاستنشاق لا تحصل بإيصال الماء إلى الخيشوم؛ بل بالانتثار عقبه؛ لأنه فائدة الاستنشاق، كما اشترط بعضهم مج الماء من الفم في حصول المضمضة.
(٣) لم يُفرق في حديث أبي هريرة في الاستنشاق بين الصائم وغيره، وقد فرق بينهما في حديث لقيط بن صبرة أن النبي -ﷺ- قال له: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا". رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وكذلك ذكر بعض أصحاب الشافعي أنه يكره للصائم المبالغة فيه، وأنه لو بالغ فوصل الماء إلى جوفه بَطَلَ صومه على الأصح؛ لأنه لم تشرع له المبالغة، بخلاف ما وصل مع عدم المبالغة، فإنه لا يضره. والله أعلم.
(٤) وحكمة الاستنشاق كما ثبت في الصحيحين من رواية عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات؛ فإن الشيطان يبيت على خياشيمه"، فبيَّن سبب الأمر؛ وهو تطهير آثار الشيطان. وقد حكى القاضي عياض احتمالين: أنه محمول على الحقيقة أنه يبيت على الخياشيم جمع خيشوم؛ وهو أعلى الأنف، أو هو على الاستعارة؛ لأن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان. قال صاحب المفهم: وهذا على عادة العرب في نسبتهم المستخبَث والمستبشَع إلى الشيطان، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن تكسيله عن القيام للصلاة؛ كما قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم " الحديث. هذا في النوم. أما في اليقظة فيكون لطرد الشيطان أي: تعرضه للمؤمن. وذكر الخطابي حكمة أخرى فقال: وترى أن معظم ما جاء من الحث والتحريض على الاستنشاق في الوضوء، إنما جاء لما فيه من المعونة على القراءة وتنقية مجرى التنفس التي تكون به التلاوة، وبإزالة ما فيه من التفل تصح مخارج الحروف. هذا، وقد ذكر بعضهم أن الحكمة في تقديم الاستنشاق والمضمضة وغسل الكفين على غسل الأعضاء الواجبة حتى يعرف المتوضئ بذلك أوصاف الماء الثلاثة؛ وهي: الرائحة والطعم واللون، هل هي متغيرة أو لا؟ وكما يقول الحافظ العراقي: هذا وإن كان محتملًا فإنه لا دليل عليه، والعلة المنصوصة في الاستنشاق أولى. والله تعالى أعلم. "انظر: صحيفة همام بن منبه "ص٣٥٨-٣٦١" والمصادر بها".
[ ٥٩ ]
[٢٣] وَبِهِ حَدَّثَنَا الْمَحَامِلِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، نا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمْرِو١ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ:
_________________
(١) الموطأ "٢/ ٥١٩" "٢٧" كتاب الفرائض - "١٣" باب ميراث أهل الملل - من طريق يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب به. رقم "١٠". وفيه: "عن عمر بن عثمان". خ "٤/ ٢٤٣" "٨٥" كتاب الفرائض - "٢٦" باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، وإذا أسلم قبل أن يُقسم الميراث فلا ميراث له - من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب به. رقم "٦٧٦٤". م "٣/ ١٢٣٣" "٢٣" كتاب الفرائض - من طريق يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، عن الزهري به. رقم "١/ ١٦١٤". وفي رواية لهذا الحديث أن أسامة قال: قلت: يا رسول الله، أين ننزل غدًا؟ وذلك في حجة النبي -ﷺ- فقال: "وهل ترك لنا عقيل بن أبي طالب شيئًا؟! " ثم قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". يريد ﷺ: أن عقيلًا وطالبًا هما ورثا أبا طالب؛ لأن أبا طالب مات كافرًا، وكان علي وجعفر مسلمين، فلم يرثا. شرح السنة "١١/ ١٥٥". ١ هكذا في المخطوط "عن عمرو بن عثمان". ولكن الثابت أن مالكًا سماه "عمر بن عثمان"، وهكذا رواه ابن جماعة من طريق شهدة من كتابها بخطها "انظر مشيخة قاضي القضاة ١/ ١٨١". قال ابن جماعة بعد أن روى الحديث: هكذارواه مالك عن "عمر بن عثمان" بضم العين، وخالفه الناس في ذلك، وقالوا: إنما روى هذا الحديث عمرو بن عثمان. قال مسلم بن الحجاج: كل من روى هذا الحديث من أصحاب الزهري قال فيه: عمرو بن عثمان، وحكم مسلم على مالك بالوهم فيه. وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار "عمر" كأنه علم أنهم يخالفونه. وعدل الشيخان البخاري ومسلم عن إخراج الحديث من طريق مالك، وأخرجاه من حديث غيره من أصحاب الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان؛ فرواه البخاري عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، ورواه أيضًا أبو داود عن مسدَّد بن مُسَرْهَد. ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني. ورواه النسائي عن قُتيبة بن سعيد والحارث بن مسكين، ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح، كلهم عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، ورواه أيضًا عن عُقيل بن خالد، عن الزهري، فوقع لنا عاليًا بحمد الله. "مشيخة قاضي القضاة ١/ ١٨٢، ١٨٣".
[ ٦٠ ]
"لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ".
لا يُدْفَع صِحَّةَ سَمَاعِ أَبِي حُذَافَةَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بن نُبَيه السهمي١ من مَالِكٍ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْبَرْقَانِيُّ، وَقَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أُخْرِجَ حَدِيثَهُ فِي الصَّحِيحِ.
ومن حمل عليه وشدَّد في حقه لما قيل: أدخلت عليه أحاديث عن مالك، ولم يكن ممن يتعمد الكذب، ﵀.
تُوفي يوم عيد الفطر سنة تسع وخمسين ومائتين.
_________________
(١) ١ قال الخطيب البغدادي في ترجمته: أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بن نبيه أبو حذافة السهمي، من أهل مدينة رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم- سكن بغداد، وحدث بها عن مالك بن أنس غيره، وروى عنه القاضي المحاملي وغيره وقال: كان أبو حذافة قد أدخل عليه عن مالك أحاديث ليست من حديثه، ولحقه السهو في ذلك، ولم يكن ممن يتعمد الباطل ولا يدفع عن صحة السماع من مالك، ونقل عن الدارقطني قوله: روى الموطأ عن مالك مستقيمًا. توفي سنة تسع وخمسين ومائتين. تاريخ بغداد "٤/ ٢٣، ٢٤". وقال ابن عدي: حدث عن مالك بالموطأ، وحدث عن غيره بالبواطيل. وقال المحاملي: سألت أبا مصعب، عن أبي حذافة قال: كان يحضر معنا العرض على مالك. تهذيب الكمال "١/ ٢٦٦، ٢٦٧". "وانظر: الميزان ١/ ٣٣". ومن هذا يتبين أنه لا مطعن عليه في روايته عن مالك في الموطأ، والأحاديث التي معنا هنا من هذه الأحاديث. والله أعلم.
[ ٦١ ]